المنهاج فيما ينبغى على المعتمرين والحجاج ( 19 )
ومما ينبغى على الحاج أثناء السفر
8- خدمة الرفقة ومساعدتهم فى أمورهم والتواضع لهم .
فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك أو أهم من حاجتك وان تكون متفقدا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري انك قمت بها ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها .
** عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ .[1]
** وعَنْ عَمْرَةَ ، قَالَتْ : قِيلَ لِعَائِشَةَ : مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ ، قَالَتْ : كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ ، يَفْلِي ثَوْبَهُ ، يَحْلِبُ شَاتَهُ ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ.[2]
** وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ في سَفَرٍ إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ )) ، فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ ، حَتَّى رَأيْنَا ، أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ . [3]
** وعن جابر رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّهُ أرَادَ أنْ يَغْزُوَ ، فَقَالَ : (( يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، إن مِنْ إخْوَانِكُمْ قَوْماً لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ ، وَلاَ عَشِيرةٌ ، فَلْيَضُمَّ أحَدكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ أَو الثَّلاَثَةَ ، فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عُقْبةٌ كَعُقْبَةٍ )) يَعْني أحَدهِمْ ، قَالَ : فَضَمَمْتُ إلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً مَا لِي إِلاَّ عُقْبَةٌ كَعقبة أحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي .[4]
** وعن جابر رضى الله عنه ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّفُ في المَسير ، فَيُزْجِي الضَّعِيف [5] ، وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُ . [6]
** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ
كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ .[7]
** وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله فقال أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام .[8]
** وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ لله تعالى أقْواماً يَخْتَصُّهُمْ بالنِّعَمِ لِمَنافِعِ العِبادِ ويُقِرُّها فيهِمْ ما بَذَلُوها فإذا مَنَعُوها نَزَعَها مِنْهُمْ فَحَوَّلها إلى غَيْرِهِمْ .[9]
** وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم
جعل من حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعمة للزوال .[10]
** وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل مسلم صدقة قيل أرأيت إن لم يجد قال يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال يعين ذا الحاجة الملهوف قال قيل له أرأيت إن لم يستطع قال يأمر بالمعروف أو الخير قال أرأيت إن لم يفعل قال يمسك عن الشر فإنها صدقة .[11]
** وروي عن عمر رضي الله عنه مرفوعا أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجة .[12]
أمثلة من السلف في حرصهم على قضاء حوائج الناس
** فهَذَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلافَةَ يَحْلِبُ لِلضُّعَفَاءِ مِمَّنْ حَوْلَهُ أَغْنَامَهُمْ فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ سَمِعَ جَارِيَةً تَقُولُ : الْيَوْمَ لا تُحْلَبُ لَنَا مَنَائِحُ دَارِنَا فَسَمِعَهَا فَقَالَ : بَلَى لَعَمْرِي لأَحْلُبَنَّهَا لَكُمْ فَكَانَ يَحْلِبُهَا وَرُبَّمَا سَأَلَ صَاحِبَتِهَا يَا جَارِيَةُ أَتُحِبِّينَ أَنْ أُرْغِي لَكِ أَمْ أُصَرِّحْ فَرُبَّمَا قَالَتْ أَرغِ وَرُبَّمَا قَالَتْ صَرِّحْ فَأَيُّ ذَلِكَ قَالَتْ فَعَلْ .[13]
** وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد بعض الأرامل فيسقي لهن الماء بالليل . ورآه طلحة يدخل بيت امرأة منهن . فدخل إليها نهارا . فإذا هي عجوز عمياء مقعدة . فسألها : ما يصنع هذا الرجل الذي عندك ؟؟
فقالت : هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني , يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى .
فقال طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة , عثرات عمر لا تتبع .
** وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم , فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن .
وقال مجاهد : صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه , فكان يخدمني أكثر .
وكان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجا ليقضي له حاجته فيقول: ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها .
إنه عندما كلم عقبة بن عمرو لرجل في حاجة , رجع إلى أهله فرأى هدية . فقال : ما هذا ؟؟
قالوا : أرسل به الرجل الذي كلمت له .
فقال أخرجوه , آخذ أجر شفاعتي في الدنيا ؟ .
** وبعث الحسن البصري قوما من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم مروا بثابت البناني فخذوه معكم فأتوا ثابتا فقال أنا
معتكف فرجعوا إلى الحسن فأخبروه فقال قولوا يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وذهب معهم .[14]
** وقضى ابن شبرمة حاجة كبيرة لبعض أخوانه , فجاء يكافئه بهدية , فقال ما هذا ؟؟
قال : لما أسديته إلي .
فقال خذ مالك عافاك الله إذا سألت أخا لك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده من الموتى .( الذي يرفض قضاء حوائج الناس ماله من ثواب , فهو كالميت الذي انقطع عمله .)
** قال ابن أبي سلمة قلت لأبي سعيد الخدري ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم فقال يا ابن أخي كل لله واشرب لله والبس لله وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كان يحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده يصافح الغني والفقير ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير يجيب إذا دعي ولا يحقر ما دعي إليه لين الخلق جميل المعاشرة طليق الوجه شديد في غير عنف متواضع في غير مذلة جواد من غير سرف رقيق القلب زادت عائشة رضي الله عنها وإنه صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا ولم يبث إلى أحد شكوى وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى .[15]
كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل : على ذبحها، وقال آخر : على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم : ( وعلي جمع الحطب ) ، فقالوا : نحن نكفيك . فقال : ( قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه ) ، وقام وجمع الحطب .[16]
** مر عمر رضي الله عنه وهو يعس ليلاً يتفقد أحوال رعيته ببيت سمع فيه بكاء صبية صغار، فدخل فوجد امرأة تضع قدراً على النار تحركه، وحولها صبية يتضاغون، فسألها ما يبكي الصبية؟ قالت : الجوع. قال: وما هذه القدر؟ قالت أضع فيها حصوات أقلبها حتى ينام الصبية، فإنه لا طعام لدينا، وعمر لا يأبه بنا، وهي لا تعرف أنه عمر، فقال لها : وما يدري عمر بك؟ قالت : وفيم إذن تولى أمر المسلمين؟ فبكى عمر، وذهب إلى بيت المال، ومعه تابعه، فحمل دقيقاً وسمناً وعاد إلى بيت المرأة، فيقول له تابعه ، دعني أحمل عنك يا أمير المؤمنين فيقول : ومن يحمل عني يوم القيامة ثم يضع الدقيق والسمن في القدر، وينفخ النار حتى يتخلل الدخان لحيته الكثيفة. ولا يغادر المكان حتى يرى الصبية قد أكلوا وشبعوا وناموا.[17]
** حدثنا عبد الله حدثني ابو حفص عمرو بن على حدثنا ابو قتيبة حدثني مولى لقريش قال سمعت رجاء بن حيوة يقول سهرت مع عمر بن عبد العزيز ليلة فجف القنديل من الدهن فقلت يا امير المؤمنين لو امرت الغلام فصب في القنديل من الدهن قال له قد دأب يومه وانما اخذ في نومه الساعة قلت افلا اقوم انا فاصب في القنديل من الدهن قال لا فقام هو فصب في القنديل من الدهن ثم رجع ثم قال قمت وانا عمر بن عبد العزيز ورجعت وانا عمر بن عبد العزيز يا رجاء انه ليس من مروءة الرجل استخدام ضيفه .[18]
** ومن تواضعه أيضاً قال يوماً لجارية له:يا جارية روّحيني قال: فأخذت المروحة فأقبلت تروحه، فغلبتها عينها فنامت، فانتبه عمر، فإذا هو بالجارية قد أحمّر وجهها، وقد عرقت عرقاً شديداً وهي نائمة فأخذ المروحة واقبل يروحها، قال: فانتبهت، فوضعت يدها على رأسها فصاحت، فقال لها عمر: إنما أنت بشر مثلي أصابك من الحر ما أصابني، فأحببت أن أروحك مثل الذي روحتني .[19]
** وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كر راجعاً.
فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: " أعقل ناقتي " .
فقالوا: نحن نعقلها.
قال: " لا يستعن أحدكم بالناس ولو في قضمة من سواك " .[20]
** وَقَدْ رُوِيَ أنه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإصْلاحِ شَاةٍ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ عَلَيَّ ذَبْحُهَا . وقال آخَرُ : عَلَيَّ سَلْخُهَا . وقال آخَرُ : عَلَيَّ طَبْخُهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَعَلِيَّ جَمْعُ الْحَطَبِ )) . فَقَالَوا : يَا رَسُولَ اللهِ نَكْفِيكَ الْعَمَلَ فَقَالَ : (( عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تُكْفُونَنِي وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ ، وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مُتَمَيِّزًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ )) . [21]
قال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم، فمرضت، فأنفق عليَّ نفقته فاشتهيت شهوة، فباع حماره وأنفق عليَّ ثمنه. فلما تماثلت، قلت: ياإبراهيم، أين الحمار؟ فقال: بعناه، فقلت: فعلى ماذا أركب؟ فقال: يا أخي على عنقي. فحملني ثلاث منازل.[22]
عن محمد بن المنكدر قال : لم يبق من لذة الدنيا إلا قضاء حوائج الإخوان .[23]
روى أن عتبة الغلام جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فأعرض عنه و قال آثرت الدنيا على الله أما استحييت أن تدعى الأخوة في الله وتقول هذا .
ومن كان في الدرجة الدنيا من الاخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا قال أبو حازم إذا كان لك أخ في الله فلا تعامله في أمور دنياك وإنما أراد به من كان في هذه الرتبة وأما الرتبة العليا فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض .
وجاء فتح الموصلي إلى منزل لأخ له وكان غائبا فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته فأخبرت الجارية مولاها فقال إن صدقت فأنت حرة لوجه الله سرورا بما فعل .
وجاء رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه وقال إني أريد أن أواخيك في الله فقال أتدري ما حق الإخاء قال عرفني قال أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني قال لم أبلغ هذه المنزلة بعد قال فاذهب عني .
وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه وكيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه قال لا قال فلستم بإخوان .
ودخل قوم على الحسن رضي الله عنه فقالوا يا أبا سعيد أصليت ؟ قال نعم قالوا فإن أهل السوق لم يصلوا بعد قال ومن يأخذ دينه من أهل السوق بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم قاله كالمتعجب منه .
وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله وهو يريد بيت المقدس فقال إني أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم على أن أكون أملك لشيئك منك قال لا قال أعجبني صدقك قال فكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله إذا رافقه رجل لم يخالفه وكان لا يصحب إلا من يوافقه وصحبه رجل شراك فأهدى رجل إلى إبراهيم في بعض المنازل قصعة من ثريد ففتح جراب رفيقه وأخذ حزمة من شراك وجعلها في القصعة وردها إلى صاحب الهدية فلما جاء رفيقه قال أين الشراك قال ذلك الثريد الذي أكلته إيش كان قال كنت تعطيه شراكين أو ثلاثة قال إسمح يسمح لك .
وأعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه رجلا رآه راجلا فلما جاء رفيقه سكت ولم يكره ذلك .
قال ابن عمر رضي الله عنهما أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال أخي فلان أحوج مني إليه فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة .
وروى أن مسروقا أدان دينا ثقيلا وكان على أخيه خيثمة دين قال فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم .
ولما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع آثره بالمال والنفس فقال عبد الرحمن بارك الله لك فيهما .
حديث لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع آثره بالمال والنفس فقال عبد الرحمن بارك الله فيهما رواه البخاري من حديث أنس فآثره بما آثره به وكأنه قبله ثم آثره به وذلك مساواة والبداية إيثار و الإيثار أفضل من المساواة .
وقال أبو سليمان الدارني لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له و قال أيضا إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي .
ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال علي رضي الله تعالى عنه لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين وقال أيضا لأن أصنع صاعا من طعام وأجمع عليه إخواني في الله أحب إلى من أن أعتق رقبة .
وروى أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبا فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل فقال له مالك كف يدك حتى يجيء صاحب البيت فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقا فدخل الحسن وقال يا مويلك هكذا كنا لا يحتشم بعضنا بعضا حتى ظهرت أنت وأصحابك وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة كيف وقد قال الله تعالى أو صديقكم وقال أو ما ملكتم مفاتحه إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض له التصرف كما يريد وكان أخوه يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى انزل الله تعالى هذه الآية واذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان و الأصدقاء
قال جعفر بن محمد إني لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردهم فيستغنوا عني هذا في الأعداء فكيف في الأصدقاء وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول هل لكم زيت هل لكم ملح هل لكم حاجة وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه وبهذا تظهر الشفقة و الأخوة فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها .
قال ميمون ابن مهران من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته .
كان الحسن يقول إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة .[24]
هذا ما تيسر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
أخوكم ومحبكم فى الله محمود العجوانى
[1] صحيح البخاري - (19 / 18)
[2] السلسلة الصحيحة - مختصرة - (2 / 275)( صحيح )
[3] رواه مسلم . رياض الصالحين
[4] صحيح وضعيف سنن أبي داود - (6 / 34)تحقيق الألباني :صحيح
[5] قال الخطابي في معالم السنن 2/233 : (( قوله : يزجي ، أي يسوق بهم ، يقال : أزجيت المطية إذا حثثتها في السوق ))
[6] صحيح وضعيف سنن أبي داود - (6 / 139)تحقيق الألباني :صحيح
[7] صحيح مسلم - (13 / 212)
[8] صحيح الترغيب والترهيب - (2 / 359) 2623 - ( حسن لغيره )
[9] صحيح الترغيب والترهيب - (2 / 358) 2617 - ( حسن لغيره )
[10] صحيح الترغيب والترهيب - (2 / 358) 2618 - ( حسن )
[11] رواه البخاري ومسلم
[12] صحيح الترغيب والترهيب - (2 / 359) 2621 - ( حسن لغيره )
[13] موار الظمآن لدروس الزمان
[14] جامع العلوم والحكم - (1 / 341)
[15] موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين - (1 / 370)
[16] الرحيق المختوم - (1 / 478)
[17] كيف ندعو الناس - (1 / 225)
[18] الزهد لأحمد بن حنبل - (1 / 293)
[19] عمر بن عبد العزيز - (3 / 356)
[20] الطبقات السنية في تراجم الحنفية - (1 / 19)
[21] موارد الظمآن لدروس الزمان - (4 / 188)
[22] الرسالة القشيرية - (1 / 7)
[23] آداب الصحبة - (1 / 102)
[24] إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي - (3 / 57) بتصرف يسير .