لحوم العلماءمسمومة
قول ابن عساكر - رحمه الله - : "إن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة"،هذا من الكلام النفيس الذي يُذكرنا بكلام الأنبياء والمرسلين، فإنا نعلم أن العبد كلما كان أكثر تطبيقًا للسنة وكلما كانأكثر إعمالاً لها في خاصة نفسه كلما أجرى الله الحكمة على قلبه ولسانه،ولذلك نجد أن كلام هؤلاء يُشبه كلام الرسل والأنبياء، فلو نظرت في كلام رجل مثلاً – على سبيل المثال – كأبي سعيد الحسن البصري لخيل إليك أن كلامه إنما هو وحي من الله تبارك وتعالى، عبارات مختصرة موجزة ولكنها قوية الدلالة واسعة المعاني، وهذه إنما هي بركة محبة السنة والعمل بها والنظرفيها والاطلاع عليها، كذلك كلام رجل كابن القيم – رحمه الله تعالى – وُفِّق وأُلْهِمَ وسُدِّد في عباراته التي ذكرها والتي تستحق أن تُكتب بماء الذهب أو بما هو أغلى وأنفس منه.
هذه كما ذكرت لك بركة العمل بالسنة وبركة الاطلاع على كتب السنة وبركة حفظ نصوص النبوة، فإن الله تبارك وتعالى يُجري الحكمة على لسان كل من يتعامل مع السنة فتجد أن كلامه جزلاً كأن الله آتاه جوامع الكلم كما آتى نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم – فيجمعون في العبارات القصيرة المختصرة المعاني الواسعة والعظيمة الدلالة.
أما عن هذه العبارة (لحوم العلماء مسمومة) أي أن الشيخ – رحمه الله تعالى – يحذر من الوقوع في عرض العلماء وفي النيل منهم لأنهم ورثة الأنبياء،وكما ذكر علماؤنا - عليهم رحمة الله تعالى – أن الطعن في السنة طعنٌ في النبوة وطعنٌ في القرآن أيضًا، كذلك الطعن في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – إنما هو طعنٌ في شخص النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – والطعن في زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم – أو اتهامهنَّ بما هنَّ منه براء إنما هو طعن في شخص النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – وبالتالي هو طعن في القرآن والسنة والإسلام والإيمان .
والعلماء ورثة الأنبياء هم الذين نقلوا لنا كلام الله تعالى وكلام نبيه - صلى الله عليه وسلم – فعندما نلمزهم أو ننتقص منهم أو نجعل أعراضهم غرضًا لسهامنا فإنا نُوهن الإسلام ونُضعف الإيمان ونصرف الناس عن العمل بالكتاب والسنة لأن الناس سيقولون : لو كان هذا الكلام حقًا لكان أولى الناس به إنما هم العلماء، ولذلك عبر تاريخ هذه الأمة وجدنا من يركب أسوار الإسلام العالية الشامخة بالطعن في أصحاب النبي الكرام والتابعين وتابعيهم والعلماء العاملين، وشاءت حكمة الله جل جلاله أن ينتقم من كل من انتقص منعلماء الأمة، وأن يهتك ستره في الدنيا قبل الآخرة، وأن يجعله آية وعبرة،شريطة أن يكون هؤلاء العلماء من العلماء الربانيين العاملين بكلام الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم .
ولقد كان هناك رجل في مصر يكره الشافعي – رحمه الله تعالى ورضي عنه – ويُكثر دائمًا من اللمز والطعن فيه ويدعو عليه بالموت، قالوا: فمات بعد شهر من دعائه على الشافعي – رحمه الله .
إذن - أخي الكريم بارك الله فيك – إن لحوم العلماء مسمومة أي إنها ليست كغيرها، من هضمها قتلته ومن نال منها أبادته ومن تعرض لها دمرته، لأن انتقاص العلماء هو انتقاص للعلم وانتقاص للنبوة وانتقاص للقرآن والرسالة "وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة" أي أن سنة الله جرت أن ينتقم لأوليائه، ولم لا والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ولم لا والنبي - صلى الله عليه وسلم – يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه الدين)، ولم لا والنبي - صلى الله عليه وسلم – قد قال: (العلماء ورثة الأنبياء)، والشافعي – رحمه الله تعالى – يقول: "إذا لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله من ولي في الأرض"، والله جل جلاله يقول في الحديث القدسي: ( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب )
فالعلماء - أخي الكريم – هم الأولياء بل هم سادة الأولياء، ولذلك نصيحتيلك - أخي الفاضل – ولكل إخواني من طلبة العلم والإعلاميين وغيرهم حتى وإنبدا لنا من العلماء نقيصة أو زلة أو سقطة فينبغي أن نمسك ألستنا عن الخوضفي أعراضهم أو النيل منهم، لأننا بذلك سنجرئ الناس على الإسلام أصلاً،لأننا عندما نُسقط العلماء من أنظار العامة وغيرهم إنما نُسقط الإسلام من خلالهم، فالواجب علينا أن نُفشي وأن نظهر ما ظهر منهم من خير وأن نُمسك وأن نكف ألستنا عمَّا بدا منهم من سوء، وهذا ما قاله العلماء في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – خاصة ما وقع بينهم من فتن، فكما ذكر ابن العربي في (العواصم والقواصم) عندما تكلم عن هذه الفتن التي حدثت فقال: "دماء طهر الله أيدينا منها فلماذا ندنس ألسنتنا بالخوض فيها، قوم حضرواوغبنا وعلموا وجهلنا فكيف يحكم جاهل على عالم وكيف يحكم غائب على حاضر؟"
هكذا ينبغي أن يكون موقفنا من العلماء جميعًا، حتى وإن بدا لنا زلة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – أوصانا أن نقيل عثرات ذوي الهيئات وأعظم الناس هيئة إنما هم علماء الإسلام ودعاته، فإذا ما سمعنا أحدًا يتكلم صرفناه عن الكلام فيهم ودافعنا عنهم حتى وإن كان فيهم من النقيصة ما فيهم،وإن لم نستطع كففناه عن ذلك، وإلا تركناه من باب {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، ومن باب قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }
إن العلماء هم حراس الدين وحماة العقيدة، فدفاعنا عنهم وإمساكنا عمَّا يحدث منهم أو بينهم فريضة مطلوبة لأن انتقاصهم انتقاص للشريعة وانتقاص الشريعة – كما نعلم – جُرم قد لا يغفره الله تبارك وتعالى لأن سب الصحابة هو سب النبي - صلى الله عليه وسلم – وسب النبي هو سب الله جل جلاله، كماورد في الحديث: (اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا من بعدي، فمن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)
أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الحق وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأنيجعلنا من طلبة العلم الصادقين المتقين الأتقياء الذين يُكرمون بالورعوالكف عن زلات وأخطاء العلماء والذين لا يجرحون أولياء الله، إنه ولي ذلك والقادر عليه..
والله ولي التوفيق.
منقول للفائدة