ألا لا يمنعن رجلا هيبةُ الناس،أن يقول بحقإذا علمه.(1) .
(1)[رواه الإمام احمد 3 / 9والترمذي/ الفتن / باب ما جاء ماأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وقال: وهذا حديث حسنصحيح].
إنها رؤية من الداخل، لأن التغيير يبدأ من الداخل.
وهي رؤيةٌ منالداخل لأن كاتبها يؤمن بأن منهج السلف هو السبيل إلى إصلاح حال الأمة.
وهيرؤية من الداخل فرضتها أحداث ومواقف كثيرة، مست المنهج، وتعدت الخطأ الفردي، فلميعد يجدي أن تقول: " لعل له عذراً وأنت تلوم ". تأتي هـذه الدراسة في وقت الحاجةإلى البيان، بعد أن أصبحت " السلفية " وصفاً محتكراً في أيدي مجموعة من الناس، يظنالواحد منهم أنه قيم على منهج السلف، فينادي بأعلى صوته " أنا السلفية "، فمن كان " أنا " فهو " سلفي "، وإلا فليخرج من "السلفية " مذؤوماً مدحوراً.
وما كنا نحسبأنه سيأتي زمان يخرجنا فيه نقاد " السلفيين " من دائرة منهج السلف! ويخرجون فيه أهلالعلم المعروفين بالتزامهم منهج السلف ويخرجون فيه العاملين المجاهدين المتمسكينبالسنة الرافعين لوائها. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى وصف المسلمينبأنهم، جماعات الغلو، وأنهم أصحاب فتنة، وأنهم خوارج وأنهم يذكرون بالفئات المارقةعن الإسلام.. وانتهى الحال إلى تأليف كتب ورسائل، وإصدار أشرطة تسجيل في شتمالمسلمين، وتصنيف العبادة من حيث قربهم من إلى السلفية".
لقد شوهت ممارسات " السلفيين " منهج السلف، وقزمته في قضايا معينة، وانعزلت به عن الواقع، حتى صارالانتساب إلى السلف، والمناداة بالسنة منقصة في نظر الناس، إذ عندما يسمعون عنالسلف "والسلفية" يظنون أنهم المختصون بالأسماء والصفات، وبتحقيق الكتيبات... الخالأمر الذي اضطرنا عند الانتساب إلى السلف أن نبيين للناس أن منهج السلف غير مايرون، وخلاف ما يسمعون.
وكان من نتائج هذا الوضع أن عادت مقالات أهل الأهواء،ومناهجهم إلى الظهور، بعد أن عجز أهل السنة عن الارتفاع إلى مستوى منهجهم، والدعوةإليه، واستيعاب الناس الذين سروا بهم في البداية، ثم نبذوهم نبذ النوى، لما رأوهمتجمدوا عند قضايا لا يحيدون عنها( ).
إن واقع "السلفيين" بحاجة إلى دراسةومراجعة.! والمأمول أن تكون هذه الدراسة دافعا للمخلصين الناضجين من أتباع المنهج! إلى دراسة الواقع وتشخيص حاجاته وأدوائه، وإلى إعادة دراسة أصول التوحيد، ومن ثمالتفكير جدياً في إعادة جدولة الاهتمامات، وترتيب الأولويات.
إن غض الطرف عنمبدأ التعديل (الذاتي) أوقع "السلفيين" فيما انتقدوا، عليه الناس قديماً، فنبذالتعصب للرجال، ومقولة الرجال يعرفون بالحق، وليس العكس، من أوائل المبادئ التيرفعوها، ثم لما أصبح لهم رجال رموز وقعوا في جدلية الرجال والمبادئ، فصاروا يدورونحول الرجال وفوق المبادئ والعجيب أنهم وقعوا في إشكالية الازدواجية في حمل المبدأ: فهم إذا تكلموا عن الآخرين "فكلامهم صراحة وتصحيح، وتقديم للمبادئ على العلاقاتوالأشخاص. أما إذا تكلم غيرهم عنهم، فلا بد أن يحترم العلماء، ويتأدب معهم إنهاظاهرة الكيل بمكيالين! لقد أشفق بعض الاخوة بعض الصراحة، التي قد تزعج بعض "السلفيين.فطلبوا تغيير بعض العبارات، لا اعتراضا على ما تحمله من مضامين، لكن خشيةأن تحمل ما لا تحتمل، أو أن تستغل في تفويت الفائدة المرجوة من الدراسة. ولم تكنهذه وجهة نطري، فإن قناعتي أن السائر في درب الإصلاح عليه أن يوطن النفس على ماسيصيبها من أذى.
وأنا لست مسؤولا عمن سيبحث عن صيد يشنع به على الحقيقة، "ومريض القلب تجرحه الحقيقة" لأنني صاحب قضية، أكتب لنشر قضيتي. وأسلوب "رفقاًبالقوارير" لا ينسجم مع فهمي للصراحة المطلوبة لتصحيح مسار السلفية، والدعوة إلىعقيدة التوحيد التي يراد لها أن تنحرف عن طريقها الصحيح. وحسبي أنني لم أتجاوز أدبالعلم، ومنطق النقد المقبول. وإنني على أمل - إن شاء الله - من أن المخلصين الواعينمن "السلفيين" سيرحبون بهذه الصراحة المنضبطة. .
ولا بأس من التمادي فيالأمل فلأطمع - إذن - من* السلفيين. أن يطالعوا هذه الدراسة بتركيز وموضوعية،وليتوقف أحدهم قبل أن يغضب أو يتهم وليفكر ملياً، وليضع نصب عينيه مصلحة الإسلاموالدعوة، قبل أن يتوتر من أجل بعض العبارات، التي قد يرى فيها شيئاً من شدة،وليتجنب الحيلة المتبعة للهروب من المسؤولية، ومواجهة المشكلة، حيث يصب كل الجهد فيتضخيم بعض الشكليات، مصادراً بذلك الأفكار الجادة التي عرضتها الدراسة.
ونحن - في الحقيقة- لا نطمع كثيرا بمن ارتبطت مصالحه "بالسلفية" في شكلها القائم، فإن منهذه حاله يصعب عليه الانعتاق من شبكة العلاقات المعقدة التي يتصل معها، ويفيد منها،ولذلك فإننا نتوقع رفضه وبشدة.
ولكننا نخاطب الشباب المعتقد بمنهج السلف، الذييرى أن لا نهضة للمسلمين إلا بإحياء الشباب الذي لا مصلحة له.
ونخاطب المسلمينليعرفوا المنهج السلفي الحقيقي، وموقفه من القضايا المدروسة لعلنا نلتقي وإياهملحمل الإسلام بدعوته؛ دعوة التوحيد…
نخاطبهم ونطمع منهم أن ينسوا النماذج التيبقيت زمناً - ولا زالت واجهات معروضة - باسم السلف والسلفية.
وأما منسيقول: إن الكلام يضر المنهج وان كان ولا بد فليكن في الغرف المغلقة! فأقول له: بلإنَّ الصمتَ هو الذي يضر المنهج وإن الصمت هو الذي يغتال المنهج، ويخنق الحق. ولميزل معظم أهل الحق - منذ صفين - صامتين، متذرعين بالحكمة، ومتعللين بدرء الفتنة،حتى غصت الحلوق بالصمت، وساحت الفتنة في الأرض. ألا إن الصمت عار، عندما تكونالحقيقة مرة! أما حكاية الغرف المغلقة فهذه تصلح لمناقشة الشؤون الشخصية، أما عندمايتعلق الأمر بالمنهج، وبالممارسات العلنية المرتبطة بالفكرة، فإنها - أي الغرف - ليست محلاً للكلام. وبما أن الانحراف علني، فلا بد أن يكون التصويب علنياً.
.
وإذا كان الخطأ في العلن، فلا يجوز أن يكون التبرؤ منه في السر.
إن هذاالبيان يجدد الدعوة إلى السنة، بمفهومها العام، وإلى منهج السلف. ويبين من هوالسلفي وما هي قضية "السلفية "!.
وأخيراً، فلقد حاولت - قدر استطاعتي - التزامآداب الحوار، وأصول النقد، وأسأل الله العفو إن أخطأت.
وسأحاول - بإذن الله - إلا ادخل في مهاترات وسفاهات من سيبقى واضعاً رأسه في الرمال، ناظراً إلى الأموربعين واحدة، محولاً القضية عن مسارها الصحيح والمقصود.
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ، وأغيظ من عاداك من لا تشاكل.
== يتبع ==