أعلام فرسان العشق الإلهي
تفيض هذه السطور بعشق لا يدانيه عشق، كبير وعريض على اتساع الكون، عميق وراسخ كالجبال الرواسي، لا يخبو نوره، ولا ينتهي عطاؤه، ولا تنضب مواجيده وأذواقه، ولا تتراخى مقاماته وأحواله. إنه العشق الذي ذاقه كبار العابدين والزاهدين، وهبت نسماته على كل من اقترب منهم، وحاول أن يتشبه بهم، وأبقى وراء ظهره منافع الدنيا الزائلة، وأطلق روحه لتبحث عن الحب العظيم، الذي لا يتهادى إلا لأصحاب القلوب الرقيقة، والنفوس الطيبة، والعقول المتوقدة، والبصائر النيرة.
إنها سطور عشق صنعتها أقوال الأقطاب والأبدال والأنجاب وأفعالهم. سكنات وحركات، همسات وصرخات شكلت جانباً لا يمكن إهماله من الحضارة الإسلامية على امتداد تاريخها. وهي سطور أوجدتها معالم الشريعة وأنوار الحقيقة، اللتان تقاربتا وتباعدتا وتماهتا في تصنيف عجيب، وأثارتا جدلاً لن ينتهي، لكنه أنتج معرفة لا يمكن إنكار فضل حضورها. إنها رحلات المتصوفة المسلمين الكبار، من المنشأ والمسار إلى المآل... رحلات صانعها ودافعها ورافعها العشق الإلهي، الذي لن يبور ما دام للبشر قلوب تنبض، ونفوس تطيب.
في بداية هذه الحلقات المتصلة عن رموز التصوف وشيوخه الكبار، الذين شكلوا كتيبة عريضة من فرسان الحب الإلهي على مدار التاريخ الإسلامي، لا بد لنا من أن نتناول مفهوم التصوف وأركانه.
د.عمّار علي حسن
معنى التصوف ومبناه
التصوف أحد المفاهيم الغامضة والمركبة التي اختلف حولها الباحثون والعلماء، فلا تكاد تذكر كلمة تصوف أو متصوفة حتى تثار حولها علامات الاستفهام، متى ظهرت؟ وإلى أي الأديان ترجع؟ وماذا تعني؟... والإجابة عن هذه الأسئلة تنوعت وتضاربت طبقاً لمذاهب العلماء والفقهاء ومشاربهم وظروفهم، ومن يطالع الكتابات التي تناولت التصوف ويدقق فيها يجد نفسه أمام مئات التعريفات.
وعلى رغم كثافة ما طرح في هذا الشأن إلا أنه يدور غالباً حول محاور عدة، أولها: تعريفات تعتمد على الاشتقاق اللغوي وأصل المفهوم، وثانيها: تعريفات ذات طابع قيمي فلسفي، وثالثها: تعريفات تركز على سلوك المتصوفة.
وأحد التعريفات اللغوية ما أورده ابن خلدون في المقدمة، والأصفهاني في {حلية الأولياء}، فقد جمعا أطراف أصل التصوّف الاشتقافي في أربعة أشياء، فهو يرجع في نظريهما إلى {الصوفانة} وهي البقلة الصغيرة وهذا يعني من الناحية الحياتية التسليم بما صنعه الله وخلقه، أو يرجع إلى قبيلة {صوفة} التي كانت تقوم على خدمة الكعبة، أما الاشتقاق اللغوي العربي الأخير وهو الغالب فيرجع التصوف إلى {الصوف: شعر الضأن، وكان لباساً بسيطاً ورخيصاً وقت ظهور المتصوفة، ويرى المتصوفون أنه يذلل النفس الشاردة ويكسر كبرها لتلتزم المذلة والمهانة وتعتاد القناعة.
فضلاً عن ذلك ثمة من يرجع كلمة {تصوف إلى الكلمة اليونانية {سوفوس} (Sophie). وكلمة تصوف لم تذكر على ألسنة الشعراء والخطباء قبل الإسلام ولم تجر على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولم ترد في القرآن الكريم. ولم يظهر اللفظ مفرداً إلا في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي حين نُعت به عالم الكيمياء المشهور جابر بن حيان، وكان له في الزهد مذهب خاص. أما ظهور اللفظ في صيغة الجمع {الصوفية} فيرجع إلى عام 814م/199هـ حين أطلق على أحد مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعياً، نشأ في الكوفة وكان عبدك الصوفي آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين وتوفي في بغداد عام 825/210هـ، وقد كانت الكلمة في أول أمرها مقتصرة على متصوفي الكوفة إلا أنها امتدت بعد 50 عاماً لتشمل جميع متصوفة العراق ولم تلبث الكلمة أن امتد استعمالها عبر الزمان لتطلق على أهل الباطن مثلما هي الحال راهناً.
أما التعريفات ذات الطابع القيمي الفلسفي، فترى أن التصوف نزوع فطري في الإنسان نحو التسامي والكمال والمعرفة عن طريق الكشف الروحي أو العلم اليقيني الناشئين عن الإلهام الإلهي والنظر العقلي والرياضة النفسية وبعض الدلائل الحسية، وطريقه المسلكي هو حجب النفس الموجبة للنقص بالمجاهدة بغية الكمال. وفي هذا الاتجاه ثمة عشرات التعريفات للمتصوفين الأوائل، فالجنيد يرى أن التصوف هو {أن يميتك الحق عنك ويحييك به}، أما الشبلي فيقول إنه {الدخول في كل خلق سني والخروج من كل وصف دني}، وعرفه رويم البغدادي على أنه {استرسال النفس مع الله على ما يريد}، وهو في نظر معروف الكرخي {الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق}، وقال السهروردي إنه {دوام التصفية والصفاء}، ويعرفه أبو الحسن الشاذلي بأنه {تدريب النفس على العبودية وردها إلى أحكام الربوبية}.
وبالنسبة إلى التعريفات التي تركز على سلوك المتصوفة، فثمة ما أورده السراج الطوسي في كتابه {اللمع} إذ قال: {المتصوفة هم من يتركون ما لا يعنيهم ويقطعون كل علاقة تحول بينهم وبين مقصودهم ومطلوبهم وهو الله سبحانه وتعالى، ثم لهم آداب وأحوال شتى منها القناعة بالقليل والاختصار على ما لا بد منه من حاجات الدنيا من الملبوس والمأكول والمفروش واختيار الفقر على الغنى اختياراً ومعانقة القلة ومجانبة الكثير وإيثار الجوع على الشبع والشفقة على الخلق والتواضع للصغير والكبير والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والانقطاع إليه}، ومثل ما ذكره أبو بكر الكلاباذي حين يصف المتصوفة بأنهم {أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى وكلامهم كلام الخرقى} .
في هذا الإطار أطلقت على المتصوفة صفات كثيرة مثل {الكشفتية} و'الجوعية} و'الفقراء} و'الغرباء} لخروجهم من الأوطان هائمين على وجوههم في الأرض و'السياح} لكثرة أسفارهم.
وإذا كان العلماء قد اختلفوا في تعريف التصوف، فإنهم اختلفوا أيضاً في كون التصوف أحد علوم الإسلام الأصيلة النابعة من الحقيقة الإسلامية المتمثلة أساساً في القرآن والسنة؟ أم هو علم طارئ في تاريخ الإسلام جاء نتيجة المزج بين عقائد الأمم التي دخلت تحت عباءة الإسلام من الروم والفرس والهنود وبين العقيدة الإسلامية؟ أم هو أحد طرق الحياة اختطته طائفة من الناس بعد أن استلهمت معالمه من أصول الشريعة ؟
لغة الصوفية
للصوفية لغة ذات طبيعة خاصة، لأنها تعتمد على الرمزية في التعبير، فعباراتها تحمل معانٍ لا يُدرك الكثير منها إلا بالتحليل والتعمق في التأويل، وتبدو غالباً بعيدة على العامة في فهمها وهضمها، وقد استطاع القاموس الصوفي أن ينحت لغة شديدة الخصوصية تشير إلى الأفكار والأحوال الصوفية في تميز واضح عن اللغة الدينية الأخرى مثل لغة الفقه. وقد جمع الكاشاني (730هـ) هذه المفردات في كتاب أطلق عليه {معجم اصطلاحات الصوفية}، وقبله أورد القشيري في رسالته الشهيرة الكثير من هذه كلمات مثل: الوقت والمقام والحال، القبض والبسط، الهيبة والأنس، التواجد والوجد والوجود، الجمع والفرق وجمع الجمع، الفناء والبقاء، الغيبة والحضور، الصحو والسكر، الذوق والشرب، المحو والإثبات، الستر والتجلي، المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة، اللوائح والطوالع واللوامع، البواده والهجوم، التلوين والتمكين، القريب والبعيد، الشريعة والحقيقة، النفيس والخاطر، علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، الوارد والشاهد، الروح والسر...
وما تقدم يؤكد أن اللغة الصوفية تنطبق عليها خصائص لغة الشعر التي تتجه إلى مخاطبة الوجدان والعواطف لا الإدراك والتفكير، وغرضها الأساسي الإيحاء بالحقائق والأحاسيس لا شرح القضايا وتقريبها إلى الأذهان، فهي لغة غامضة تتعمد الإبهام ويسيطر عليها الخيال وتكثر في عباراتها التشبيهات واستخدام الكلمات في غير موضعها عن طريق الكتابة والمجاز وهي لغة تنفر من التحليل والبرهنة وتكره التعمق في الشرح والاستدلال.
وخصوصية اللغة الصوفية وغموضها زادا من بعد المسافة بين المتصوفة والفقهاء من جهة وبينهم والتقدميين المؤمنين بالمنهج العلمي في التفكير من جهة أخرى وزكت صراع هاتين الجبهتين ضد المتصوفة، فالفقهاء يرون أن لغة المتصوفة تحمل بعض الشطط عن الشريعة الإسلامية تحت دعوى تقديم الحقيقة عليها والعلماء يرون أنها لغة تعبر عن حدس لا يمكن قياسه أو إخضاعه للبرهان العلمي.
أربعة أركان
ركن التصوّف الأول هو {المعرفة اللدنية}، إذ قدم التيار الصوفي نموذجاً خاصاً في المعرفة الإسلامية لا يقتنع بالتجريب، لكن يؤمن بالحدس. فإذا كان الفلاسفة يستخدمون مناهج العقل في التوصل إلى حقائق الأشياء، والمتكلمون يستخدمون العقل في إثبات العقيدة الدينية أو تفنيد حملات خصومهم وحجج أعدائهم، والعلماء يستخدمون مناهج الملاحظة والتجربة في معرفة كنه الأشياء، فإن الصوفية يستخدمون {الكشف} أو الذوق الصوفي طريقاً إلى إدراك الحقائق المستترة وراء المحسوس، وهذا الكشف أشبه بومضة سريعة الزوال ويأتي بعد رياضة بدنية ومعاناة نفسية.
والمعرفة الصوفية مباشرة لا تحتاج إلى وسائط من مقدمات أو قضايا أو براهين وهي فوق العقل لا يملكها إلا من سلك سبيل التصوف، وقد أطلق أبو حامد الغزالي على عليها تسمية {علم الوراثة} وتمثل لديه الفقه في الدين وقال: {لقد تميز الصوفية عن سائر العلماء بعلوم زائدة هي علوم الوراثة... فمن زهد في الدنيا اتسع وادي قلبه فسالت فيه مياه العلوم واجتمعت وصارت أوعية للعلوم}.
وهذه المعرفة {لا يمكن الوصول إليها بالتعلم بل بالذوق والحال، وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه فيفرقون بواسطته بين الحق والباطل من دون أن يعتمدوا في ذلك التفريق على كتاب أو غيره}. وقارن الغزالي بين المعرفة القائمة على {الحس} أو {العقل} والمعرفة الحدسية وانتهى إلى القول بأن المعرفة الحدسية تنتج ما لا يمكن أن تعرفه الحواس ويعجز عنه العقل، خصوصاً في الأمور الغيبية.
عموماً، نجد أن المعرفة الصوفية تختزل المعرفة من كونها مجموعة من خبرات وتجارب وأساليب تتشكّل من خليط متراكم من المعلومات والتقنيات والنظريات والأيديولوجيات والأخلاق لتتحوّل إلى علم باطني كشفي لا يخضع لبرهان العقل، ويرى أن ما لا يعتمد على الحدس فهو غارق في النقصان أو على حد قول القشيري {لو أن رجلاً جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس كافة لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من أستاذه يريه عيوب أعماله ورعونة نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات}.
ويتضح هذا جلياً في رد أبي اليزيد البسطامي الصوفي الكبير الذي أطلق عليه لقب سلطان العارفين (ت:261هـ) على بعض العلماء الذين طعنوا في كلامه حين قال لمن اتهمه بأن كلامه خارج العلم: أكل العلم قد بلغت؟ فقال: {لا...}، فرد البسطامي قائلاً: {هذا من العلم في النصف الذي لم يبلغك}.
والركن الثاني هو الزهد، الذي يعد بمثابة أب التصوّف الشرعي، إذ من غير الممكن أن يوجد التصوف إلا إذا سبقته حركة الزهد، لأنه المعرفة الضرورية التي لا بد منها لقيام التصوف واستمراره. والزهد يعني في مجمله عدم إرادة الشيء وعدم قصده والانشغال به أو طلبه. ولقد انتشر الزهد بسبب السياسة فالخلافات التي نشبت بين الفرق الإسلامية والولاة الإسلاميين من جهة والتفاوت الاجتماعي الذي حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة وازدادت حدته في العصر العباسي من جهة ثانية دفع بعض المسلمين إلى الميل إلى التصوف والعزلة والزهد في الدنيا.
والزهد يشكّل قيماً سياسية متعارضة بعضها سلبي وبعضها إيجابي، فالزهد في الدنيا يتضمن الزهد في السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية، ذلك مثل الموقف الذي اتخذه الشيخ عبد الوهاب الشعراني وهو من كبار المتصوفة من العمل السياسي إذ قال: {مما أنعم الله به على حمايتي من أن أكون قاضياً أو حاكماً أو شاهداً لخفاء أغلب القضايا على الناس من الحكام}. وباب القضاء والحكم بين الناس بالشريعة فضلاً عن السياسة من أخطر الأمور}. ويبرر الشعراني في موقف آخر سلبيته إزاء الحكام موضحاً: {مما أنعم الله تعالى به عليّ عدم وقوفي على حاكم إذا نازعني في بيتي أو في النظر على زاويتي أو في رزقي، بل أترك ذلك له لأن الدنيا أهون عندي من أن أقف لأجلها على حاكم وأستحي بحمد الله تعالى أن أكذب مسلماً في ما يدعيه عليَّ منها، فأنا تساوت عندي الأماكن... فمن نازعك في دينك فنازعه ومن نازعك في دنياك فألقها على نحره}. وفي هذا الشأن قال السري السقطي وهو أحد كبار المتصوفة الأوائل: {إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم}. وأورد القشيري في رسالته بعض تعريفات للزهد تفيد بإيثار الانسحاب من الدنيا وأمورها مثل قوله: {الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي عن الأملاك}، و'عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف} ويبلغ التقشف ذروته حينما يقول {لو كان الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره}.
وعلى هذا الأساس يكون الفقر هو طريق الزاهدين فهو أمر ضروري إذا أراد السالك السير في الطريق والوصول إلى منتهاه، لأن المرء إذا شغل نفسه بزوج أو مسكن وملبس أو مال يكدسه... سيطرت هذه الأشياء المادية على ذهنه وحجبت نفسه عن الخير الحقيقي الثابت وهو الانشغال بالآخرة. إلا أن بعض المتصوفة يرى أن الزهد لا يعني التجرد من الدنيا دائماً، وإنما ألا تستعبد الدنيا الإنسان فقد كان الكثير من المتصوفين أغنياء يملكون الثروات ويتصرفون فيها كوكلاء لله عليها وكثيراً ما يدعون الله بأن يغنيهم ولا يكتفون بذلك، بل يدعون أن يجعلهم ربهم سبباً لغنى أوليائه.
وعلى النقيض من ذلك فإن الزهد قد يخلف قيماً سياسية إيجابية في اتجاه الانخراط والمشاركة ومقاومة التسلط والفساد، فالزهد في الماديات من ثروة أو منصب يعني عدم الخضوع للسلطة التي توزّع الموارد والمناصب وتملك أدوات تضييق أرزاق معارضيها، فالزاهد على هذا الأساس أكثر قدرة من غيره على المقاومة والتمرد ضد الطغيان لأنه مستغني عن الشيء الذي يهيمن به السلطان على الناس، وفي هذا الشأن يقول الشيخ الشعراني {لقد رزقني الله تعالى القناعة فلو أنني وجدت كسرة يابسة قنعت بها، ومن كان كذلك لا يحتاج إلى مال السلطان} .
والزهد يجرم كل عمل من التأثير والإيجابية نظراً إلى أن غرس الزهد القائم على اعتبار أن الدنيا بلاء مصبوب كأساس للتربية الحركية يجعل المسلم الملتزم في جماعة يشعر بالضيق من الحياة، فالرهبة من المعاصي تسيطر عليه والحرام يطارده في كل مكان ولا يكاد يطمئن إلى عمل سوى الصلاة والذكر والاعتكاف وما شابه ذلك من شعائر، وما عدا ذلك فهو بلاء أو طريق إلى بلاء وهذا المنطق التربوي لا يدفع في نهايته إلى إبداع أو تفوق. والزهد في الثروة والمنصب قاد إلى الانسحاب غالباً ولم يقد إلى الانخراط والمشاركة.
أما الركن الثالث فهو الولاية، التي تأخذ عند الصوفية معنى اصطلاحياً خاصاً تتميز به عما يفهمه الآخرون عنها، فهي تنطوي على شكل رمزي يشبه فكرة {الإمامة} عند الشيعة فالولي الصوفي والإمام الشيعي في نظر أتباعهما معصومان على حد سواء من الخطأ، ولهما حق العلم الباطن الذي يأتي إلهاماً من الله تعالى، ولهما حق الوصاية على هؤلاء الأتباع لذا تبقى السلطة في أهليهما وتنتقل وراثياً بينهم.
ويرى الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من رجال الغيب {الأولياء} المستورين، وهم محدودو العدد كلما قبض منهم واحد خلفه غيره، وهم ثلاثمائة من النقباء وأربعون من الأبدال وسبعة أمناء وأربعة عمد ثم القطب وهو {الغوث}. فالولي بذلك له قدرة مطلقة تبدأ من أصغر الأمور حتى حفظ العالم وهي التي يطلق عليها الصوفية {الكرامة} التي تؤسس في جانب كبير منها على قاعدة المفارقة القائمة على الخيال والأسطورة.
وقد جمع النبهاني (1265-1350هـ) في كتابه {جامع كرامات الأولياء} كرامات أكثر من ألف وخمسمائة شيخ وهي تحوي أعمالاً خارقة للعادة مثل إحياء الأموات وإماتة الأحياء وشفاء المصابين وطي الزمان والمكان ومحادثة الجمادات والحيوانات والإطلاع على كنوز الأرض وذخائرها... الخ.
والركن الرابع هو المحبة، التي تبدأ عند المتصوفة من محبة الله سبحانه وتعالى، وتقتضي فعل المأمور وترك المحظور، وتمتد إلى محبة المتصوفة لبعضهم البعض، التي يحرصون عليها أشد الحرص، ومحبتهم للمخلوقات كافة لأنها من صنع {الحبيب} وهو الله تعالى. وتؤدي المحبة إلى شيوع قيمة التسامح بين المريدين وبينهم وبين الآخرين، وينعت المريد أخاه بالحبيب فضلاً عن {الفقير} و'الأخ}، ويقول عن أصدقائه في الطريق إنهم {الأحباب} ويرتقي حرص المريد على مشاعر إخوانه إلى درجة تفوق حرصه على مشاعر شيخه، لأنه يؤمن بأن صدر الشيخ أكثر سعة، وعقله أرحب فهماً، لمريديه وأحوالهم ولذا يردد بعض مريدي الحامدية الشاذلية دائماً القول التالي: {مكسور قلب الشيخ يرجى جبره... لكن مكسور الأحبة لا يجبر}.
التنظيم الصوفي
ظل التصوف طوال القرون الأولى مجرد تجربة ذاتية روحانية، لا يربط بين أتباعها رابط ولا يجمعهم تنظيم، لكن الوضع لم يستمر طويلاً فقد مال هؤلاء الأفراد إلى الاتصال ببعضهم لمراجعة تجاربهم الروحية المشتركة والاستفادة من بعضهم البعض، فتجمع الشباب في حلقات حول كبار الصوفية يطلبون التوجيه والمعرفة مشكلين نواة الزمر الصوفية الأولى، وباختلاف المشايخ نسبياً حدث التمايز بين هذه الجماعات وأضحى لكل شيخ لفيف من الأتباع والمريدين يتبعون تعاليمه وينتمون إليه.
وقد دأب أتباع الصوفية في أول عهدهم على تنظيم اجتماعاتهم في دور المشايخ أو في المساجد، لكن ما إن دخل القرن الرابع الهجري حتى باتت لهم مبانٍ خاصة يقطنها أفراد الجماعة الصوفية ويحل بها الغرباء وعابرو السبيل فيجدون فيها الإيواء والطعام، وعرفت هذه الدور بالتكية أو الزاوية أو الرباط أو الخانقاه وهي في العادة وقف أوقفه حاكم أو ثري عبارة عن أرض وضياع ملحقة بالدور الصوفية وينفق من ريعها على المتصوفة. وأول تنظيم رئاسي للصوفية يرجع إلى عصر صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ {دويرة الصوفية} لإقامة المريدين الوافدين إلى مصر وأطلق على شيخ هذه الدويرة لقب شيخ الشيوخ فكان له تقدم على ما عداه من المشايخ.
والتنظيم الصوفي ينقسم إلى قسمين، روحي وإداري. فمن الناحية الروحية يضع المتصوفة هيكلاً هرمياً يقولون إنه يقود العالم بتفويض من الله تعالى كالأبدال والأوتاد والأقطاب والنجباء والنقباء... وهذه الدرجات ذات طابع صارم ولا يرتقي المتصوف من مرتبة إلى أخرى إلا عبر مجاهدات روحية عدة، إذ يجب أن يتحلى بصفات كثيرة تؤهله إلى الترقي داخل السلم الروحي الصوفي، من بينها الوفاء وخدمة {الإخوان} والتعاون معهم والبر بالوالدين وصلة الرحم وإكرام الضيف والجار وفعل الخير والابتعاد عن الشر إرضاء لله تعالى، فإذا ما فعل ذلك يصل المتصوف إلى درجة النقيب / السالك الذي عليه أن يحترم علماء الصوفية ومشايخها ويقدر إخوانه ويتعاون معهم ويظن في نفسه أنه أقل مرتبة من زملائه، وأن يشعر دوماً بالتقصير في حق الله وإخوانه، وأن يكون مطيعاً وغير مغرور فإذا استطاع أن يجمع في شخصيته هذه الصفات ترقى إلى درجة النجيب / الواصل الذي عليه مهام عدة يجب أن ينهض بها مثل عدم التعرض لأصحاب المذاهب المختلفة مناقشة أو تعاملاً يؤدي إلى الاشتباك بالقول أو الفعل وأن يحافظ على وحدة المجالس الصوفية ويحفظ أسرارها، ويبتعد عن التدخل في شؤون الآخرين أو التجسس عليهم، ويحدد لنفسه عملاً خاصاً في مجالس العلم، ويتعامل مع الآخرين بحسب قدراتهم العقلية والعلمية والروحية.
ويضع البعض ترتيباً آخر متشابهاً مع الترتيب الروحي السابق وينقسم إلى قسمين: الأول يتعلق بمرحلة السعي إلى القبول داخل السلك الصوفي، وتبدأ بالمريد وهو طالب الانتساب إلى المتصوفة، فإذا أكمل تدريبه صار {سالكاً} ثم {مجذوباً} وهو الذي جذبه الطريق الصوفي فملك جوارحه كافة، ثم {المتدارك} وهو الذي تخلت نفسه عن زخارف الدنيا وغرورها ووجد الرضا والقناعة في الحرمان.
أما الثاني فيتعلق بالمقبولين داخل الطريقة الصوفية، ويسمى {المبتدئ}، ثم يصبح {المتدرج} أي الذي يمارس الرياضة، ثم {القطب} وهو المرجع الأعلى والأخير في النظام الصوفي. أما التنظيم الإداري فتعرفه الطريقة الصوفية، ويبدأ بشيخ الطريقة ثم خلفاء خلفائه، فخلفائه، وأخيراً المريدين.
يتبع