أنت غير مسجل في انسابكم انساب ال البيت الاشراف والسادة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 


  
 
 
 
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى أنسابكم
منتدى أهل السنة والجماعة
يمنع وضع أي مادة تخالف منهج أهل السنة والجماعة و سنضطر لحذف أي مادة مخالفة دون الرجوع لكاتبها
تنويه هام: المنتدى لايقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط

إعلانات المنتدى
ansabcom.com مركز تحميل الصور
مركز التحميل
:: هام جداً ::نرجو ان تراعي في تحميل الصور حرمة الدين الإسلامي الحنيف وان هناك من يراقبك قال تعالى : (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ))

إفشاء السلام من الإسلام ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار‏.‏


عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الإسلام خير قال ‏" ‏ تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ‏"‏‏. ‏



تتقدم إدارة منتديات انسابكم بالشكر لإعضاءها الـ النشيطين هذا اليوم  وهم :
Users online today


العودة   انسابكم انساب ال البيت الاشراف والسادة > ۩۞۩ :: مــواجــهـــــات - بدون رقيب :: ۩۞۩ > الصوفية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 15-04-10 , 01:03 AM   [1]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

Moveable مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

أعلام فرسان العشق الإلهي

تفيض هذه السطور بعشق لا يدانيه عشق، كبير وعريض على اتساع الكون، عميق وراسخ كالجبال الرواسي، لا يخبو نوره، ولا ينتهي عطاؤه، ولا تنضب مواجيده وأذواقه، ولا تتراخى مقاماته وأحواله. إنه العشق الذي ذاقه كبار العابدين والزاهدين، وهبت نسماته على كل من اقترب منهم، وحاول أن يتشبه بهم، وأبقى وراء ظهره منافع الدنيا الزائلة، وأطلق روحه لتبحث عن الحب العظيم، الذي لا يتهادى إلا لأصحاب القلوب الرقيقة، والنفوس الطيبة، والعقول المتوقدة، والبصائر النيرة.

إنها سطور عشق صنعتها أقوال الأقطاب والأبدال والأنجاب وأفعالهم. سكنات وحركات، همسات وصرخات شكلت جانباً لا يمكن إهماله من الحضارة الإسلامية على امتداد تاريخها. وهي سطور أوجدتها معالم الشريعة وأنوار الحقيقة، اللتان تقاربتا وتباعدتا وتماهتا في تصنيف عجيب، وأثارتا جدلاً لن ينتهي، لكنه أنتج معرفة لا يمكن إنكار فضل حضورها. إنها رحلات المتصوفة المسلمين الكبار، من المنشأ والمسار إلى المآل... رحلات صانعها ودافعها ورافعها العشق الإلهي، الذي لن يبور ما دام للبشر قلوب تنبض، ونفوس تطيب.

في بداية هذه الحلقات المتصلة عن رموز التصوف وشيوخه الكبار، الذين شكلوا كتيبة عريضة من فرسان الحب الإلهي على مدار التاريخ الإسلامي، لا بد لنا من أن نتناول مفهوم التصوف وأركانه.
د.عمّار علي حسن
معنى التصوف ومبناه
التصوف أحد المفاهيم الغامضة والمركبة التي اختلف حولها الباحثون والعلماء، فلا تكاد تذكر كلمة تصوف أو متصوفة حتى تثار حولها علامات الاستفهام، متى ظهرت؟ وإلى أي الأديان ترجع؟ وماذا تعني؟... والإجابة عن هذه الأسئلة تنوعت وتضاربت طبقاً لمذاهب العلماء والفقهاء ومشاربهم وظروفهم، ومن يطالع الكتابات التي تناولت التصوف ويدقق فيها يجد نفسه أمام مئات التعريفات.

وعلى رغم كثافة ما طرح في هذا الشأن إلا أنه يدور غالباً حول محاور عدة، أولها: تعريفات تعتمد على الاشتقاق اللغوي وأصل المفهوم، وثانيها: تعريفات ذات طابع قيمي فلسفي، وثالثها: تعريفات تركز على سلوك المتصوفة.

وأحد التعريفات اللغوية ما أورده ابن خلدون في المقدمة، والأصفهاني في {حلية الأولياء}، فقد جمعا أطراف أصل التصوّف الاشتقافي في أربعة أشياء، فهو يرجع في نظريهما إلى {الصوفانة} وهي البقلة الصغيرة وهذا يعني من الناحية الحياتية التسليم بما صنعه الله وخلقه، أو يرجع إلى قبيلة {صوفة} التي كانت تقوم على خدمة الكعبة، أما الاشتقاق اللغوي العربي الأخير وهو الغالب فيرجع التصوف إلى {الصوف: شعر الضأن، وكان لباساً بسيطاً ورخيصاً وقت ظهور المتصوفة، ويرى المتصوفون أنه يذلل النفس الشاردة ويكسر كبرها لتلتزم المذلة والمهانة وتعتاد القناعة.

فضلاً عن ذلك ثمة من يرجع كلمة {تصوف إلى الكلمة اليونانية {سوفوس} (Sophie). وكلمة تصوف لم تذكر على ألسنة الشعراء والخطباء قبل الإسلام ولم تجر على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولم ترد في القرآن الكريم. ولم يظهر اللفظ مفرداً إلا في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي حين نُعت به عالم الكيمياء المشهور جابر بن حيان، وكان له في الزهد مذهب خاص. أما ظهور اللفظ في صيغة الجمع {الصوفية} فيرجع إلى عام 814م/199هـ حين أطلق على أحد مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعياً، نشأ في الكوفة وكان عبدك الصوفي آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين وتوفي في بغداد عام 825/210هـ، وقد كانت الكلمة في أول أمرها مقتصرة على متصوفي الكوفة إلا أنها امتدت بعد 50 عاماً لتشمل جميع متصوفة العراق ولم تلبث الكلمة أن امتد استعمالها عبر الزمان لتطلق على أهل الباطن مثلما هي الحال راهناً.

أما التعريفات ذات الطابع القيمي الفلسفي، فترى أن التصوف نزوع فطري في الإنسان نحو التسامي والكمال والمعرفة عن طريق الكشف الروحي أو العلم اليقيني الناشئين عن الإلهام الإلهي والنظر العقلي والرياضة النفسية وبعض الدلائل الحسية، وطريقه المسلكي هو حجب النفس الموجبة للنقص بالمجاهدة بغية الكمال. وفي هذا الاتجاه ثمة عشرات التعريفات للمتصوفين الأوائل، فالجنيد يرى أن التصوف هو {أن يميتك الحق عنك ويحييك به}، أما الشبلي فيقول إنه {الدخول في كل خلق سني والخروج من كل وصف دني}، وعرفه رويم البغدادي على أنه {استرسال النفس مع الله على ما يريد}، وهو في نظر معروف الكرخي {الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق}، وقال السهروردي إنه {دوام التصفية والصفاء}، ويعرفه أبو الحسن الشاذلي بأنه {تدريب النفس على العبودية وردها إلى أحكام الربوبية}.

وبالنسبة إلى التعريفات التي تركز على سلوك المتصوفة، فثمة ما أورده السراج الطوسي في كتابه {اللمع} إذ قال: {المتصوفة هم من يتركون ما لا يعنيهم ويقطعون كل علاقة تحول بينهم وبين مقصودهم ومطلوبهم وهو الله سبحانه وتعالى، ثم لهم آداب وأحوال شتى منها القناعة بالقليل والاختصار على ما لا بد منه من حاجات الدنيا من الملبوس والمأكول والمفروش واختيار الفقر على الغنى اختياراً ومعانقة القلة ومجانبة الكثير وإيثار الجوع على الشبع والشفقة على الخلق والتواضع للصغير والكبير والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والانقطاع إليه}، ومثل ما ذكره أبو بكر الكلاباذي حين يصف المتصوفة بأنهم {أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى وكلامهم كلام الخرقى} .

في هذا الإطار أطلقت على المتصوفة صفات كثيرة مثل {الكشفتية} و'الجوعية} و'الفقراء} و'الغرباء} لخروجهم من الأوطان هائمين على وجوههم في الأرض و'السياح} لكثرة أسفارهم.

وإذا كان العلماء قد اختلفوا في تعريف التصوف، فإنهم اختلفوا أيضاً في كون التصوف أحد علوم الإسلام الأصيلة النابعة من الحقيقة الإسلامية المتمثلة أساساً في القرآن والسنة؟ أم هو علم طارئ في تاريخ الإسلام جاء نتيجة المزج بين عقائد الأمم التي دخلت تحت عباءة الإسلام من الروم والفرس والهنود وبين العقيدة الإسلامية؟ أم هو أحد طرق الحياة اختطته طائفة من الناس بعد أن استلهمت معالمه من أصول الشريعة ؟

لغة الصوفية
للصوفية لغة ذات طبيعة خاصة، لأنها تعتمد على الرمزية في التعبير، فعباراتها تحمل معانٍ لا يُدرك الكثير منها إلا بالتحليل والتعمق في التأويل، وتبدو غالباً بعيدة على العامة في فهمها وهضمها، وقد استطاع القاموس الصوفي أن ينحت لغة شديدة الخصوصية تشير إلى الأفكار والأحوال الصوفية في تميز واضح عن اللغة الدينية الأخرى مثل لغة الفقه. وقد جمع الكاشاني (730هـ) هذه المفردات في كتاب أطلق عليه {معجم اصطلاحات الصوفية}، وقبله أورد القشيري في رسالته الشهيرة الكثير من هذه كلمات مثل: الوقت والمقام والحال، القبض والبسط، الهيبة والأنس، التواجد والوجد والوجود، الجمع والفرق وجمع الجمع، الفناء والبقاء، الغيبة والحضور، الصحو والسكر، الذوق والشرب، المحو والإثبات، الستر والتجلي، المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة، اللوائح والطوالع واللوامع، البواده والهجوم، التلوين والتمكين، القريب والبعيد، الشريعة والحقيقة، النفيس والخاطر، علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، الوارد والشاهد، الروح والسر...

وما تقدم يؤكد أن اللغة الصوفية تنطبق عليها خصائص لغة الشعر التي تتجه إلى مخاطبة الوجدان والعواطف لا الإدراك والتفكير، وغرضها الأساسي الإيحاء بالحقائق والأحاسيس لا شرح القضايا وتقريبها إلى الأذهان، فهي لغة غامضة تتعمد الإبهام ويسيطر عليها الخيال وتكثر في عباراتها التشبيهات واستخدام الكلمات في غير موضعها عن طريق الكتابة والمجاز وهي لغة تنفر من التحليل والبرهنة وتكره التعمق في الشرح والاستدلال.

وخصوصية اللغة الصوفية وغموضها زادا من بعد المسافة بين المتصوفة والفقهاء من جهة وبينهم والتقدميين المؤمنين بالمنهج العلمي في التفكير من جهة أخرى وزكت صراع هاتين الجبهتين ضد المتصوفة، فالفقهاء يرون أن لغة المتصوفة تحمل بعض الشطط عن الشريعة الإسلامية تحت دعوى تقديم الحقيقة عليها والعلماء يرون أنها لغة تعبر عن حدس لا يمكن قياسه أو إخضاعه للبرهان العلمي.

أربعة أركان
ركن التصوّف الأول هو {المعرفة اللدنية}، إذ قدم التيار الصوفي نموذجاً خاصاً في المعرفة الإسلامية لا يقتنع بالتجريب، لكن يؤمن بالحدس. فإذا كان الفلاسفة يستخدمون مناهج العقل في التوصل إلى حقائق الأشياء، والمتكلمون يستخدمون العقل في إثبات العقيدة الدينية أو تفنيد حملات خصومهم وحجج أعدائهم، والعلماء يستخدمون مناهج الملاحظة والتجربة في معرفة كنه الأشياء، فإن الصوفية يستخدمون {الكشف} أو الذوق الصوفي طريقاً إلى إدراك الحقائق المستترة وراء المحسوس، وهذا الكشف أشبه بومضة سريعة الزوال ويأتي بعد رياضة بدنية ومعاناة نفسية.

والمعرفة الصوفية مباشرة لا تحتاج إلى وسائط من مقدمات أو قضايا أو براهين وهي فوق العقل لا يملكها إلا من سلك سبيل التصوف، وقد أطلق أبو حامد الغزالي على عليها تسمية {علم الوراثة} وتمثل لديه الفقه في الدين وقال: {لقد تميز الصوفية عن سائر العلماء بعلوم زائدة هي علوم الوراثة... فمن زهد في الدنيا اتسع وادي قلبه فسالت فيه مياه العلوم واجتمعت وصارت أوعية للعلوم}.

وهذه المعرفة {لا يمكن الوصول إليها بالتعلم بل بالذوق والحال، وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه فيفرقون بواسطته بين الحق والباطل من دون أن يعتمدوا في ذلك التفريق على كتاب أو غيره}. وقارن الغزالي بين المعرفة القائمة على {الحس} أو {العقل} والمعرفة الحدسية وانتهى إلى القول بأن المعرفة الحدسية تنتج ما لا يمكن أن تعرفه الحواس ويعجز عنه العقل، خصوصاً في الأمور الغيبية.

عموماً، نجد أن المعرفة الصوفية تختزل المعرفة من كونها مجموعة من خبرات وتجارب وأساليب تتشكّل من خليط متراكم من المعلومات والتقنيات والنظريات والأيديولوجيات والأخلاق لتتحوّل إلى علم باطني كشفي لا يخضع لبرهان العقل، ويرى أن ما لا يعتمد على الحدس فهو غارق في النقصان أو على حد قول القشيري {لو أن رجلاً جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس كافة لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من أستاذه يريه عيوب أعماله ورعونة نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات}.

ويتضح هذا جلياً في رد أبي اليزيد البسطامي الصوفي الكبير الذي أطلق عليه لقب سلطان العارفين (ت:261هـ) على بعض العلماء الذين طعنوا في كلامه حين قال لمن اتهمه بأن كلامه خارج العلم: أكل العلم قد بلغت؟ فقال: {لا...}، فرد البسطامي قائلاً: {هذا من العلم في النصف الذي لم يبلغك}.

والركن الثاني هو الزهد، الذي يعد بمثابة أب التصوّف الشرعي، إذ من غير الممكن أن يوجد التصوف إلا إذا سبقته حركة الزهد، لأنه المعرفة الضرورية التي لا بد منها لقيام التصوف واستمراره. والزهد يعني في مجمله عدم إرادة الشيء وعدم قصده والانشغال به أو طلبه. ولقد انتشر الزهد بسبب السياسة فالخلافات التي نشبت بين الفرق الإسلامية والولاة الإسلاميين من جهة والتفاوت الاجتماعي الذي حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة وازدادت حدته في العصر العباسي من جهة ثانية دفع بعض المسلمين إلى الميل إلى التصوف والعزلة والزهد في الدنيا.

والزهد يشكّل قيماً سياسية متعارضة بعضها سلبي وبعضها إيجابي، فالزهد في الدنيا يتضمن الزهد في السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية، ذلك مثل الموقف الذي اتخذه الشيخ عبد الوهاب الشعراني وهو من كبار المتصوفة من العمل السياسي إذ قال: {مما أنعم الله به على حمايتي من أن أكون قاضياً أو حاكماً أو شاهداً لخفاء أغلب القضايا على الناس من الحكام}. وباب القضاء والحكم بين الناس بالشريعة فضلاً عن السياسة من أخطر الأمور}. ويبرر الشعراني في موقف آخر سلبيته إزاء الحكام موضحاً: {مما أنعم الله تعالى به عليّ عدم وقوفي على حاكم إذا نازعني في بيتي أو في النظر على زاويتي أو في رزقي، بل أترك ذلك له لأن الدنيا أهون عندي من أن أقف لأجلها على حاكم وأستحي بحمد الله تعالى أن أكذب مسلماً في ما يدعيه عليَّ منها، فأنا تساوت عندي الأماكن... فمن نازعك في دينك فنازعه ومن نازعك في دنياك فألقها على نحره}. وفي هذا الشأن قال السري السقطي وهو أحد كبار المتصوفة الأوائل: {إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم}. وأورد القشيري في رسالته بعض تعريفات للزهد تفيد بإيثار الانسحاب من الدنيا وأمورها مثل قوله: {الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي عن الأملاك}، و'عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف} ويبلغ التقشف ذروته حينما يقول {لو كان الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره}.

وعلى هذا الأساس يكون الفقر هو طريق الزاهدين فهو أمر ضروري إذا أراد السالك السير في الطريق والوصول إلى منتهاه، لأن المرء إذا شغل نفسه بزوج أو مسكن وملبس أو مال يكدسه... سيطرت هذه الأشياء المادية على ذهنه وحجبت نفسه عن الخير الحقيقي الثابت وهو الانشغال بالآخرة. إلا أن بعض المتصوفة يرى أن الزهد لا يعني التجرد من الدنيا دائماً، وإنما ألا تستعبد الدنيا الإنسان فقد كان الكثير من المتصوفين أغنياء يملكون الثروات ويتصرفون فيها كوكلاء لله عليها وكثيراً ما يدعون الله بأن يغنيهم ولا يكتفون بذلك، بل يدعون أن يجعلهم ربهم سبباً لغنى أوليائه.

وعلى النقيض من ذلك فإن الزهد قد يخلف قيماً سياسية إيجابية في اتجاه الانخراط والمشاركة ومقاومة التسلط والفساد، فالزهد في الماديات من ثروة أو منصب يعني عدم الخضوع للسلطة التي توزّع الموارد والمناصب وتملك أدوات تضييق أرزاق معارضيها، فالزاهد على هذا الأساس أكثر قدرة من غيره على المقاومة والتمرد ضد الطغيان لأنه مستغني عن الشيء الذي يهيمن به السلطان على الناس، وفي هذا الشأن يقول الشيخ الشعراني {لقد رزقني الله تعالى القناعة فلو أنني وجدت كسرة يابسة قنعت بها، ومن كان كذلك لا يحتاج إلى مال السلطان} .

والزهد يجرم كل عمل من التأثير والإيجابية نظراً إلى أن غرس الزهد القائم على اعتبار أن الدنيا بلاء مصبوب كأساس للتربية الحركية يجعل المسلم الملتزم في جماعة يشعر بالضيق من الحياة، فالرهبة من المعاصي تسيطر عليه والحرام يطارده في كل مكان ولا يكاد يطمئن إلى عمل سوى الصلاة والذكر والاعتكاف وما شابه ذلك من شعائر، وما عدا ذلك فهو بلاء أو طريق إلى بلاء وهذا المنطق التربوي لا يدفع في نهايته إلى إبداع أو تفوق. والزهد في الثروة والمنصب قاد إلى الانسحاب غالباً ولم يقد إلى الانخراط والمشاركة.

أما الركن الثالث فهو الولاية، التي تأخذ عند الصوفية معنى اصطلاحياً خاصاً تتميز به عما يفهمه الآخرون عنها، فهي تنطوي على شكل رمزي يشبه فكرة {الإمامة} عند الشيعة فالولي الصوفي والإمام الشيعي في نظر أتباعهما معصومان على حد سواء من الخطأ، ولهما حق العلم الباطن الذي يأتي إلهاماً من الله تعالى، ولهما حق الوصاية على هؤلاء الأتباع لذا تبقى السلطة في أهليهما وتنتقل وراثياً بينهم.

ويرى الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من رجال الغيب {الأولياء} المستورين، وهم محدودو العدد كلما قبض منهم واحد خلفه غيره، وهم ثلاثمائة من النقباء وأربعون من الأبدال وسبعة أمناء وأربعة عمد ثم القطب وهو {الغوث}. فالولي بذلك له قدرة مطلقة تبدأ من أصغر الأمور حتى حفظ العالم وهي التي يطلق عليها الصوفية {الكرامة} التي تؤسس في جانب كبير منها على قاعدة المفارقة القائمة على الخيال والأسطورة.

وقد جمع النبهاني (1265-1350هـ) في كتابه {جامع كرامات الأولياء} كرامات أكثر من ألف وخمسمائة شيخ وهي تحوي أعمالاً خارقة للعادة مثل إحياء الأموات وإماتة الأحياء وشفاء المصابين وطي الزمان والمكان ومحادثة الجمادات والحيوانات والإطلاع على كنوز الأرض وذخائرها... الخ.

والركن الرابع هو المحبة، التي تبدأ عند المتصوفة من محبة الله سبحانه وتعالى، وتقتضي فعل المأمور وترك المحظور، وتمتد إلى محبة المتصوفة لبعضهم البعض، التي يحرصون عليها أشد الحرص، ومحبتهم للمخلوقات كافة لأنها من صنع {الحبيب} وهو الله تعالى. وتؤدي المحبة إلى شيوع قيمة التسامح بين المريدين وبينهم وبين الآخرين، وينعت المريد أخاه بالحبيب فضلاً عن {الفقير} و'الأخ}، ويقول عن أصدقائه في الطريق إنهم {الأحباب} ويرتقي حرص المريد على مشاعر إخوانه إلى درجة تفوق حرصه على مشاعر شيخه، لأنه يؤمن بأن صدر الشيخ أكثر سعة، وعقله أرحب فهماً، لمريديه وأحوالهم ولذا يردد بعض مريدي الحامدية الشاذلية دائماً القول التالي: {مكسور قلب الشيخ يرجى جبره... لكن مكسور الأحبة لا يجبر}.

التنظيم الصوفي
ظل التصوف طوال القرون الأولى مجرد تجربة ذاتية روحانية، لا يربط بين أتباعها رابط ولا يجمعهم تنظيم، لكن الوضع لم يستمر طويلاً فقد مال هؤلاء الأفراد إلى الاتصال ببعضهم لمراجعة تجاربهم الروحية المشتركة والاستفادة من بعضهم البعض، فتجمع الشباب في حلقات حول كبار الصوفية يطلبون التوجيه والمعرفة مشكلين نواة الزمر الصوفية الأولى، وباختلاف المشايخ نسبياً حدث التمايز بين هذه الجماعات وأضحى لكل شيخ لفيف من الأتباع والمريدين يتبعون تعاليمه وينتمون إليه.

وقد دأب أتباع الصوفية في أول عهدهم على تنظيم اجتماعاتهم في دور المشايخ أو في المساجد، لكن ما إن دخل القرن الرابع الهجري حتى باتت لهم مبانٍ خاصة يقطنها أفراد الجماعة الصوفية ويحل بها الغرباء وعابرو السبيل فيجدون فيها الإيواء والطعام، وعرفت هذه الدور بالتكية أو الزاوية أو الرباط أو الخانقاه وهي في العادة وقف أوقفه حاكم أو ثري عبارة عن أرض وضياع ملحقة بالدور الصوفية وينفق من ريعها على المتصوفة. وأول تنظيم رئاسي للصوفية يرجع إلى عصر صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ {دويرة الصوفية} لإقامة المريدين الوافدين إلى مصر وأطلق على شيخ هذه الدويرة لقب شيخ الشيوخ فكان له تقدم على ما عداه من المشايخ.

والتنظيم الصوفي ينقسم إلى قسمين، روحي وإداري. فمن الناحية الروحية يضع المتصوفة هيكلاً هرمياً يقولون إنه يقود العالم بتفويض من الله تعالى كالأبدال والأوتاد والأقطاب والنجباء والنقباء... وهذه الدرجات ذات طابع صارم ولا يرتقي المتصوف من مرتبة إلى أخرى إلا عبر مجاهدات روحية عدة، إذ يجب أن يتحلى بصفات كثيرة تؤهله إلى الترقي داخل السلم الروحي الصوفي، من بينها الوفاء وخدمة {الإخوان} والتعاون معهم والبر بالوالدين وصلة الرحم وإكرام الضيف والجار وفعل الخير والابتعاد عن الشر إرضاء لله تعالى، فإذا ما فعل ذلك يصل المتصوف إلى درجة النقيب / السالك الذي عليه أن يحترم علماء الصوفية ومشايخها ويقدر إخوانه ويتعاون معهم ويظن في نفسه أنه أقل مرتبة من زملائه، وأن يشعر دوماً بالتقصير في حق الله وإخوانه، وأن يكون مطيعاً وغير مغرور فإذا استطاع أن يجمع في شخصيته هذه الصفات ترقى إلى درجة النجيب / الواصل الذي عليه مهام عدة يجب أن ينهض بها مثل عدم التعرض لأصحاب المذاهب المختلفة مناقشة أو تعاملاً يؤدي إلى الاشتباك بالقول أو الفعل وأن يحافظ على وحدة المجالس الصوفية ويحفظ أسرارها، ويبتعد عن التدخل في شؤون الآخرين أو التجسس عليهم، ويحدد لنفسه عملاً خاصاً في مجالس العلم، ويتعامل مع الآخرين بحسب قدراتهم العقلية والعلمية والروحية.

ويضع البعض ترتيباً آخر متشابهاً مع الترتيب الروحي السابق وينقسم إلى قسمين: الأول يتعلق بمرحلة السعي إلى القبول داخل السلك الصوفي، وتبدأ بالمريد وهو طالب الانتساب إلى المتصوفة، فإذا أكمل تدريبه صار {سالكاً} ثم {مجذوباً} وهو الذي جذبه الطريق الصوفي فملك جوارحه كافة، ثم {المتدارك} وهو الذي تخلت نفسه عن زخارف الدنيا وغرورها ووجد الرضا والقناعة في الحرمان.

أما الثاني فيتعلق بالمقبولين داخل الطريقة الصوفية، ويسمى {المبتدئ}، ثم يصبح {المتدرج} أي الذي يمارس الرياضة، ثم {القطب} وهو المرجع الأعلى والأخير في النظام الصوفي. أما التنظيم الإداري فتعرفه الطريقة الصوفية، ويبدأ بشيخ الطريقة ثم خلفاء خلفائه، فخلفائه، وأخيراً المريدين.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 01:20 AM   [2]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

أول علماء المتصوفين
الحسن البصريّ.. رائد المتصوّفين وسيّد التابعين - رحمه الله تعالى

دائرة معارف كاملة، فعلمه الغزير وإحاطته الواسعة، انعكست على أقواله وكتاباته، إذ قربه الفقه والحديث والقراءات واللغة والبيان والمنطق من الزهد، ليكون بذلك أحد أوائل كبار المتصوفين، إن لم يكن رائدهم جميعاً، من دون ادعاء ولا خروج ولا دروشة، بما جعله مثلاً لكل من يريد أن يسير في طريق السالكين من دون تفريط ولا إفراط، وجعله نموذجاً أمام من يطالبون بـ{التصوف الحقيقي} الذي كان عليه الصحابة والتابعون.

فالبصري لم ينغلق على نفسه في صومعة، ولم يهينها في دروشة، إنما مارس التصوف وذاقه تحت مظلة الشرع.
هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد في بيت أم سلمة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 21 هـ، في السنة الثانية من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ كانت والدته مولاة لأم سلمة، التي قيل إنها كانت ترضعه أحياناً، حين يشتد به الجوع وأمه غائبة.ودعا له الفاروق ذات يوم قائلاً: {اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس}.وقد حفظ الحسن القرآن في العاشرة من عمره.

ومكث البصري في وادي القرى، ثم انتقل إلى المدينة المنورة، وعاش أيام صباه في تلك البقعة الطاهرة بين أصحاب النبي وزوجاته. وفي عام 36 هـ انتقل برفقة أسرته إلى موطنه الأصلي في البصرة في العراق، التي كانت آنذاك مدينة عامرة بالفقهاء والعلماء، وتضج بمناقشات وجدل ديني وفكري واسع الأرجاء، وعميق الأثر، يتصادم فيه الجديد مع القديم، والعقل مع القلب، والوجدان مع البرهان. وكان لهذا الجدل وقعه على الحسن نفسه، وهو مشهد يلخصه مثال جلي في تاريخ الفكر والفقه الإسلامي برمته، يرتبط بواصل بن عطاء، الذي انفصل عن أستاذه حسن البصري، وشكّل حلقة تيار المعتزلة الأولى، ولم يقابل الأستاذ فعلة تلميذه بغضب ولا تكفير، ولم يستكثر ما أقدم عليه، إنما اكتفى بابتسامة، وأتبعها بقوله: {اعتزلنا واصل}، فمنح جماعة تلميذه اسمها الذي لا يزال صلباً في قلب الفكر الإسلامي، حتى هذه اللحظة.

عاش البصري في هذه المدينة، التي استمد منها كنيته، والتقى كثيرين من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم فجلس إليهم، وسمع منهم. وتردد على مسجد البصرة فكان يتصدر حلقات الدرس. ولم يكتف بالعلم والفقه، بل شارك في الجهاد، إذ قاتل وهو شاب يافع في معارك وقعت شرق إيران سنة 43 هـ، وقادها الأحنف بن قيس خلال عهد معاوية بن أبي سفيان. كذلك شارك في فتح كابور مع عبد الرحمن بن سمرة، وكان المهلب بن أبي صفرة يقدمه إلى القتال، ووصفه زملاؤه من الجند بأنه كان من الشجعان الموصوفين.

في عيون الآخرين
لفت البصري انتباه من عاصروه من أهل الرواية والدراية على حد سواء، فكان له في عقولهم مكانة، وفي قلوبهم منزلة، فنقلوا إعجابهم به إلى كل من سأل عنه، أو حتى من سمع به. فها هو ثابت بن قرة يصفه بأنه {من دراري النجوم علماً وتقوى وزهداً وفصاحة، مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس بالعقول، وما أعرفه له ثانياً، قريباً ولا مدانياً، كان نظره وفق مخبره، وعلانيته وزن سريرته، يجمع مجلسه ضروب الناس، وأصناف اللباس لما يوسعهم من بيانه، هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحرام والحلال، وهذا يتبع في كلامه العربية، وهذا يجرد له المقالة، وهذا يحكي له الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهذا يسمع الموعظة، وهو في جميع هذا كالبحر العجاج تدفقاً، وكالسراج الوهاج تألقاً، يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو بن واصل صاحب الكلام، وابن أبي إسحق صاحب النحو، وفرقد السبنجي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم فمن ذا مثله، ومن يجري مجراه}.

وقال فيه محمد بن سعد: {كان الحسن فقيهاً، ثقة، حجة، مأموناً، ناسكاً، كثير العلم، فصيحاً، وسيماً}، وقال عنه أبو عمرو بن العلاء: {ما رأيت أفصح من الحسن البصري}.
وحين سئل خالد بن صفوان، وكان أحد فصحاء العرب، عنه قال: {إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، وقد رأيته مستغنياً عن الناس زاهداً بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده}.

مظاهر تصوّفه
يتجلى تصوف الحسن البصري في ذمه الدنيا، وإعراضه عنها، وحثه على عدم الإغراق في نعمها الزائلة، وزينتها الزائفة. وتتعد أقواله في هذا المقام حتى تشكل ملمحاً مهماً من ملامح فكره وفقهه، فها هو يقول: {الله يعطي العبد من الدنيا مكراً به، إلا كان عاجز الرأي}.

وينظر البصري إلى الدنيا بوصفها وديعة لدى البشر، وعليهم أن يردوها إلى من أودعها إياهم كما هي، من دون تمسك بها بالباطل، أو طمع فيها بغير حق، ولا انكساراً أمامها بغير سلطان نفس. وهنا أوضح: {أدركت أقواماً ما كانت الدنيا عندهم وديعة حتى ردوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافاً غير مثقلين، وأدركت أقواماً كانت الدنيا تتعرض لأحدهم، وإنه لمجهود فيتركها مخافة التباعة}.

ويصل الأمر إلى أن يعد البصري عشق الدنيا والإغراق في ملذاتها إحدى كبائر الإثم، وأنها الدرب الوسيع الذي سلكه الشيطان إلى نفوس البشر، فأوقعهم في الشرك والكفر، وهنا علّق: {ما عجبت من شيء كعجبي من رجل لا يحسب حب الدنيا من الكبائر، وأيم الله إن حبها لمن أكبر الكبائر، وهل تشعبت الكبائر إلا من أجلها؟ وهل عبدت الأصنام، وعصي الرحمن إلا لحب الدنيا وإيثارها}.

وردد أيضاً: {أيها الناس، والله ما أعز هذا الدرهم أحد إلا أذله الله تعالى يوم القيامة}، وذكر أن إبليس لعنه الله، لما ضرب الدينار والدرهم، نقرهما وجعلهما على رأسه، وقال: من أحبكما فهو عبدي حقاً أصرفه كيف أشاء}. كذلك قال: {إذا أحب بنو آدم الدنيا فما أبالي ألا يعبدوا صنماً، ولا يتخذوا إلهاً غير الله رباً، حبهم الدنيا يوردهم المهالك}.

لهذا أشار البصري إلى إن {المؤمن الفطن اللبيب في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا يأنس بقربها، ولا يأسى لبعدها، ولا يأمن غيرها، للناس حال وله حال}. بل كان البصري يعتقد أن من خلوا الدنيا وراء ظهورهم هم من يسترهم الله يوم لا ظل إلا ظله: {يحشر الناس عراة يوم القيامة ما خلا أهل الزهادة في الدنيا}.

كذلك يتجلى تصوف البصري في حضه على الصبر الجميل، الذي هو في نظره {صبران صبر عند المصيبة، وصبر عند المعصية}، وأن {من قدر على ذلك فقد نال أفضل الصبرين}.
ويرتبط الصبر بالزهد والحق والفلاح في رؤية البصري، فالزاهد عنده هو {من لم يغلب الحرام صبره، والحلال شكره}، والحق لديه هو {مر لا يصبر عليه إلا من عرف حسن العاقبة، ومن رجا الثواب خاف عقابه}. والفلاح في مذهبه ينطوي على صبر عميق: {إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون}.

أما الخاصية الثالثة من خصائص التصوف لدى البصري فتتمثل في الحزن، فالمؤمن عنده يجب أن يكون حزيناً غريباً، ليس اكتئاباً ولا نفوراً مريضاً، إنما تعفف ورقة إحساس، وانشغال بما يؤلم الآخرين، ومواساة لهم على ما هم فيه من كدر.
ولهذا قيل عنه إنه كان كثير الحزن، عظيم الهيبة، وهو ما تبين صورته في قول أحد الصحابة {ما رأيت أحدا أطول حزناً من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة}.

وقال البصري: {نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله أدركت سبعين بدرياً، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب}.

وقال حمزة الأعمى: {كنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.

وروى الطبراني عنه: {إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة}. وقال أحدهم: {إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك}.

لا يخشى السلطة
على رغم أن البصري كان يطبق القاعدة التي تقول: {60 سنة من حاكم جائر خير من سنة بلا حاكم} خوفاً من الفوضى والاضطراب وتشرذم أركان الدولة وتحللها، فإنه لم يشجع ظالماً على ظلمه، أو مستبداً على تجبره، ولم يكن يهاب أي حاكم مهما بلغ تسلطه وتعنته وتجرؤه على حرمات الله وحقوق الناس.
عاش الحسن الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية، وكان موقفه متحفظاً على الأحداث السياسية، خصوصاً ما جر إلى الفتنة وسفك الدماء، إذ لم يخرج مع أي ثورة مسلحة ولو كانت باسم الإسلام، وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى، وطمع الأعداء في المسلمين. وكان هذا الموقف ينبع أيضاً من اعتقاد الحسن في أن السلطة مفسدة، وأن الناس يخرجون من يد ظالم إلى ظالم، ولذا فإن شق إصلاح الحاكم فإنه يمكن إصلاح المحكومين من دون عنت ولا عناء شديد. أما إن كان الحاكم عادلاً صالحاً مطبقاً أحكام الله مثل عمر بن عبد العزيز، فإن الحسن كان ينصحه، ويقبل القضاء في عهده ليعينه على أداء مهمته.

وكان للبصري هيبة في نفوس الحكام، وهو ما تسجله واقعة لا تنسى. فحين ولي الحجّاج بن يوسف الثقفي العراق، وطغى في ولايته وتجبّر، كان الحسن البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدّوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله وصدعوا بكلمة الحق في وجهه، فعَلِمَ الحجاج أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ، وقال لجلاَّسه: تبًّا لكم، سُحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، والله لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفاً بين يديه، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمرُ، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: {ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا}، فما زال يوسع له ويقول: {ها هنا}، والناس لا يصدَّقون ما يرون، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه، ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج: {أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد}، ثم دعا بغالية، أحد أنواع الطيب، وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه.

ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج، وقال له: {يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت ؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً وسلاماً عليَّ، كما جعلت النارَ برداً وسلاماً على إبراهيم}.

وهناك واقعة أخرى تدل على شجاعة البصري وثقته في ربه ونفسه أمام أهل السلطة، وحرصه على أن يقول الحق مهما كلفه من عناء. فحين ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي، فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إليّ بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فأجاب ابن سيرين والشعبي بقول فيه تقية، وقال ابن هبيرة: {ما تقول يا حسن}، فقال: {يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصراً لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}.

وعلى النقيض من هذا قدم البصري نصيحة غالية إلى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في رسالة خالدة جاء فيها: {إن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هي كالسم، يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحه، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء. فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الخيالة التي قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته، فاغتر وطغى، ونسى المعاد، فشغل بها لبه، حتى زلت عنها قدمه، فعظمت عليها ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد. ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها مشوب بالحزن. أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبراً، ولم يضرب لها مثلاً، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ، وعنها زاجر، فمالها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصها عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختياراً، وبسطها لاعدائه اغتراراً، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها. ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله حين شد الحجر على بطنه}.

بلغت شهرة البصري الآفاق، ووصلت الثقة فيه، والحب له إلى أقصى درجاته. وفي العام العاشر بعد المائة الأولى وفي غرة رجب ليلة الجمعة وافته المنية، فلما شاع الخبر بين الناس ارتجت البصرة كلها رجـًا لموته رضي الله عنه، فغٌسل وكفن، وصلى عليه جمع غفير في الجامع الذي أمضى عمره فيه؛ داعيـًا ومعلمـًا وواعظـًا، ثم تبع الناس جنازته بعد صلاة الجمعة، وانشغلوا في دفنه انشغالاً عميماً، حتى أنه لم تقم صلاة العصر في البصرة لانشغال الناس بتشييع هذا الرجل العظيم.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 02:37 AM   [3]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

عبد الله بن المبارك
حلية العلماء وسيّد الزاهدين - رحمه الله تعالى

أجلُّ أهل زمنه وأعلاهم تحلياً بالخصال الحميدة. حرص على أن يقطف كل ما في وسعه من مختلف بساتين المعرفة. لم يجنح به زهده إلى ما يخالف شرع ربه. تجاذبه الجميع، فضمه السلفيون إلى طليعة {أهل السنة والجماعة} لفقهه وروايته الحديث النبوي، وجذبه المتصوفة إلى ساحتهم متمثلين بزهده وورعه وكراماته، فعّدوه أحد رعيلهم الأول. أما هو فقد قدم نموذجاً للمتصوف العامل، الذي لا تكفيه الحقيقة عن الشريعة، ولا تمنعه الشريعة من الحقيقة، ولا يسقطه أحواله في البدع.

هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة. تنتسب أمه إلى خوارزم، وأبوه إلى تركيا. ولد سنة 118 هـ بمرو في خراسان، وحفظ القرآن، ودرس الفقه والحديث، وألم باللغة العربية، بلاغة ونحواً وصرفاً. ولما بلغ الثالثة والعشرين رحل إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، واستقر فيها، وغادرها مرات عدة إلى الحجاز.

في عيون معاصريه
تداول جماعة من معاصريه أمره وصفاته وخصاله الحميدة، فقالوا إنه: {جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة والزهد والورع والإنصاف وقيام الليل والعباة والحج والغزوة والفروسية والشجاعة والشدة في بدنه وترك الكلام في ما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه} ولهذا قال عنه ابن حبان: {كان فيه خصال لم تجتمع في أحد من أهل العلم في زمان في الأرض كلها}، وقال عنه إسماعيل بن عباس: {ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه} وقال عطاء بن مسلم: {ما رأيت مثله، ولا ترى مثله} وقال عنه الجليلي في الإرشاد: {له من الكرامات ما لا يحصى.. إنه من الأبدال}

وقال الخطيب البغدادي: {كان ابن المبارك من الربانيين في العلم الموصوفين بالحفظ ومن المذكورين بالزهد} وقال عبد الرحمن بن المهدي: {ما رأيت أعلم بالحديث من سفيان الثوري، ولا أحسن عقلاً من مالك ، ولا أقشف من شعبة، ولا أنصح لهذه الأمة من عبد الله بن المبارك} وقال الأسود بن سالم : {كان ابن المبارك إماماً يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام}
ومدحه الشاعر عمار بن الحسن فقال:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة
فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدة
فهم أنجم فيها وأنت هلالهـا

واتفقت جميع المصادر على أنه كان لا يكف عن طلب العلم، وأنه كان نادر المثال في هذا السبيل، إذ رحل إلى جميع الأقطار التي كان مشهوداً لها بالنشاط العلمي في عصره. وقد أتيح له أن يأخذ العلم عن بعض أعلامه مثل الإمام مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة النعمان، وهنا قال عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: {كان ابن المبارك ربع الدنيا بالرحلة في طلب الحديث، لم يدع اليمن ولا مصر ولا الشام ولا الجزيرة والبصرة ولا الكوفة} وقد شهد له أحمد بن حنبل بذلك أيضاً، وأثنى عليه، إذ قال: {لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه}
وبلغ ولع ابن المبارك بتدوين العلم مبلغاً جعل الناس يعجبون منه، فقد سأله أحدهم مرة: {كم تكتب؟}، فأجاب: {لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد!} وعابه قومه على كثرة طلبه للحديث فقالوا: {إلى متى تسمع؟}، فقال: {إلى الممات}

زهده وورعه
قد كان الزهد القيمة الأسمى في مسلك ابن المبارك واعتقاده، فقد آمن بأن الزهاد هم الملوك الحقيقيون، وأن {سلطان الزهد أعظم من سلطان الرعية، لأن سلطان الرعية لا يجمع الناس إلا بالعصا، والزاهد ينفر من الناس فيتبعوه} والزهد عنده يجب أن يكون عميقاً ودقيقاً، متجسداً في الأعمال لا في الأقوال، فقد كان ينصح من يتبعه: {دعواك الزهد لنفسك يخرجك من الزهد}، وكان يردد دوماً: {لأن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بستمائة ألف} وتتجلى دقة حساب النفس على كل صغيرة، وإمالتها على كل ما يفضي إلى الزهد والورع، في قوله أيضاً: {لو أن رجلاً اتقى مائة شيء، ولم يتورع عن شي واحد، لم يكن ورعاً، ومن كان فيه خلة من الجهل، كان من الجاهلين} وكان يقول كذلك: {كيف يدعي رجل أنه أكثر علماً، وهو أقل خوفاً وزهداً}
وشهد له الناس بهذه العناية وهذا الحرص الشديد على تجنب أي قدر من حرام حتى ولو كان تافهاً أو صغيراً. وأوضح الحسن: {رأيت في منزل ابن المبارك حماماً طائراً، فقال لي: كنا ننتفع بفراخ هذه الحمام، فليس ننتفع بها اليوم. فسألته: ولم ذلك؟ فقال: اختلطت بها حمام غيرها، فتزاوجت بها، فنحن نكره أن ننتفع بشيء من فراخها}

وكان ابن المبارك على صلاحه وورعه متواضعاً إلى أقصى حد، وإلى درجة أنه كان ينكر على نفسه الورع والتقوى، بل كان يقول: {أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين، وأنا أشر منهم}، ثم ينشد:
الصمت أزين بالفتى
من منطق في غير حينه
والصدق أجمل بالفتى
في القول عندي من يمينه
وعلى الفتى بوقاره
سمة تلوح على جبينه
فمن الذي يخفي عليك
إذا نظرت إلى قرينه
رب امرئ متيقن
غلب الشقاء على يقينه
فأزاله عن رأيه
فباع دنياه بدينه

أحد مظاهر الزهد عند ابن المبارك عدم التكالب على الدنيا التي كان يقول عنها: {الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله في السجن الصبر وكظم الغيظ، وليس للمؤمن في الدنيا دولة، وإنما دولته في الآخرة} وكان كل ما يطلبه في حياته هو ما يقيم أوده، يوماً بيوم، فلديه {ليس من الدنيا إلا قوت اليوم فقط {. كذلك يتجلى زهده في الصمت والعزلة، فقد سئل يوماً عن قول لقمان لابنه: {إن كان الكلام من فضة فإن الصمت ذهب}، فقال: {معناه لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب} وكان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فسأله أحدهم: {ألا تستوحش؟}، فأجاب: {كيف أستوحش وأنا مع النبي وأصحابه؟} كذلك كان يعتزل مجالس المنكر واغتياب الناس فقيل له: {إذا صليت معنا لم لا تجلس معنا؟ {، فردّ: {أذهب مع الصحابة والتابعين} قيل له: {ومن أين الصحابة والتابعين؟}، فأجاب: {أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، فما أصنع معكم وأنتم تغتابون الناس}

وكان يقول: {أهل الدينا خرجوا منها قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها} فسأله الناس: {وما أطيب ما فيها}، فأجاب: {المعرفة بالله عز وجل}

وكان من حوله يلاحظون أنه كلما ازداد علمًا، ازداد خوفًا من الله وزهدًا في الدنيا، وكان إذا قرأ أحد كتب الوعظ يذكره بالآخرة وبالجنة والنار، وبالوقوف بين يدي الله للحساب، بكى بكاء شديدًا، واقشعر جسمه، وارتعدت فرائصه، وسرى في نفسه حزن، ولا يكاد يتكلم أحد معه.

ولم يكن زهد ابن المبارك وتصوفه يجافي مذهب {أهل السنة والجماعة}، بل على النقيض من ذلك كانت له مواقف صارمة من أهل البدع والأهواء، وهو موقف المؤمن الواعي لما يدور حوله وما يحاك من الدس والتشويه والتحريف لعقيدة المسلمين، لذلك نجده يوصي أحد تلامذته فيقول: {ليكن مجلسك مع المساكين وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة} وثمة مواقف عدة تدل على هذا، إذ قيل إن رجلاً سأله: {قد خفت الله تعالى من كثرة ما أدعو على الجهمية (وهم أهل إحدى الفرق)}، فأجابه: {لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء} وكان ابن مبارك يؤمن إيماناً جازماً بضرورة تطابق الفعل مع القول، فها هو يقول: {الإيمان قول وعمل} كذلك  كان يتبرأ من عقائد الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية والفلاسفة، ويبين فساد مقالاتهم ومذاهبهم، وطالما صرّح ببطلان هذه التصورات. وعلى النقيض من ذلك لم يغفل منهج أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله عليه الصلاة والسلام، والوقوف عند نصوص الكتاب والسنة والتسليم لهما، وعدم تقديم العقل عليهما أو تحكيمه فيهما، وفي احترام الصحابة والترضي عنهم وعدم الخوض في ما جرى بينهم، وكان يحذر من الرواية عمن يسبهم رضى الله عنهم. وفي هذا الشأن روى الإمام مسلم عن علي بن شقيق: {سمعت ابن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف}

مع المرأة القرآنية

إحدى أشهر القصص المرتبطة بعبد الله بن مبارك هي التي حاور فيها ما وصفت بـ'المرأة القرآنية} فقد نقل الرواة عنه قوله: {خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر المصطفى (عليه الصلاة والسلام) فيما أنا في بعض الطريق، فإذا بسواد عليها، كان لعجوز عليها درع وخمار من صوف فقلت لها: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقالت: سلام قولاً من رب رحيم. فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ فقالت: من يضلل الله فلا هادي له. فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها: أين تريدين؟ فقالت: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها: كم لك في هذا الموضع؟ فقالت: ثلاث ليال سوياً. فقلت لها: ما أرى معك طعاماً تأكلين منه؟ فقالت: هو يطعمني ويسقيني. فقلت: فبأي شيء تتوضئين؟ فقالت: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً. فقلت لها: إن معي طعاماً فهل لك في الأكل منه فقالت: ثم أتموا الصيام إلى الليل. فقلت لها: ليس هذا شهر صيام رمضان. فقالت: ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكر عليم. فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر، فقالت: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. فقلت: لم لا تكلميني مثل ما أكلمك؟ فقالت: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. فقلت: فمن أين الناس أنت؟ فقالت: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً. فقلت: قد أخطأت فاجعليني في حل، فقالت: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. فقلت: فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة؟ فقالت: وما تفعلوا من خير يعلمه الله. قال: فأنختها، فقالت: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. فغضضت بصري عنها، لكن لما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها، فقالت: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، فقلت لها اصبري حتى أعقلها، فقالت: ففهمناها سليمان. فعقلت الناقة وقلت لها: اركبي، فلما ركبت قالت: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. قال: فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح فقالت: أقصد في مشيك وأغضض من صوتك. فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر، فقالت: فاقرؤوا ما تيسر من القرآن، فقلت لها: لقد أوتيت خيرا، فقالت: وما يذكر إلا أولو الألباب. فلما مشيت بها قلت لها ألك زوج؟ فقالت: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوؤكم. فسكت ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها: هذه القافلة فما لك فيها؟ فقالت: المال والبنون زينة الحياة الدنيا.

فعلمت أن لها أولاداً، فقلت: وما شأنهم في الحج؟ فقالت: وعلامات وبالنجم هم يهتدون. فعلمت أنهم أدلاء الركاب فقصدت بها الخيام وقلت هذه الخيام فما لك فيها؟ فقالت: واتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، يا يحيى خذ الكتاب بقوة. فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر منهم الجلوس قالت: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف. فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدمه بين يدي فقالت: كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية. قلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها، فقالوا: هذه أمنا لها منذ 40 سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن، فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

المجاهد المرابط
كان ابن المبارك مجاهداً في سبيل الله بنفسه وماله ومعرفته، إذ رابط في الثغور طويلاً، وكان يحج عاماً ويغزو عاماً، وما نزل بلداً في رحلته لطلب العلم ثم سمع منادي الجهاد إلا تجهز وخرج.وطالما دعا الناس إلى نصرة دين الله، حتى تصبح كلمة الله هي العليا في الأرض. وكان يعيب على النساك والزهاد قعودهم عن الجهاد، وسوء فهمهم لمعنى العبادة، فقدم بذلك نموذجاً يُحتذى في {التصوف العملي} وها هو يقول للمتصوفة القاعدين:
أيها الناسك الذي لبس الصوف
وأضحى يُعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه
ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك مَحَل
مناخ للقارئ الصياد.

وذات مرة نظم ابن المبارك قصيدة وأودعها رسالة إلى الفضيل بن عياض بينما كان يرابط في ثغر من الثغور، قال له فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
لقد أتانا من مقال نبينا
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في
أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا
ليس الشهيد بميت لا يكذب

المحطة الأخيرة
في أحد أيام شهر رمضان سنة 181هـ تُوفي عبد الله بن المبارك، وهو راجع من الجهاد، وكان عمره 63 عامًا. ويقال: إن هارون الرشيد لما بلغه نبأ موته، قال: {مات اليوم سيد العلماء}
ويقال إن رجلاً دخل على الرشيد وروى له أنه كان قادماً من هيت بالعراق، فوجد الناس قد اجتمعوا على جنازة رجل، فسألهم عن المتوفى فقالوا له: عبد الله بن المبارك الخراساني. فقال الرشيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم نادى وزيره الفضل ابن الربيع: أئذن في الناس من يعزينا في عبد الله بن المبارك فأظهر الفضل تعجباً، فقال له: ويحك، إن عبد الله هو الذي يقول:
الله يدفع بالسلطان معضلة
عن ديننا رحمة منه ورضوانا
لولا الإئمة لم يأمن لنا سبل
وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
من سمع هذا القول من مثل ابن المبارك مع فضله وزهده وعظمه في صدور العامة، ولا يعرف حقنا.

أما الفضل بن عياض فقال لما بلغه نبأ موت ابن المبارك: {رحمه الله، إنه ما خلف بعده مثله} وبعد موته روى زكريا بن عدي قائلاً: {رأيت ابن المبارك في المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي برحلتي في الحديث}
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 02:50 AM   [4]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

رابعة العدويّة
العابدة الزاهدة شهيدة العشق الإلهي


حين يأتي ذكر المتصوّفات يقفز اسم رابعة العدوية إلى المقدمة، كامرأة فريدة في الثقافة الشعبية العربية مكلَّلة بتقدير وعرفان ومحبة، لكنها في الوقت نفسه محاطة بغموض شديد، حول رؤيتها ومسلكها. فرابعة مالت إلى التصوف العملي، ولم تترك لنا أي أثر مكتوب نستطيع من خلاله أن نحكم عليها، ونجلي بعض غموضها. وكل ما قيل عن رابعة أحيل إلى مصادر قليلة، منها {البيان والتبيين} و{البخلاء} للجاحظ و{تذكرة الأولياء} لفريد الدين العطار. أما مؤرخو الفرق والعقائد فلم يذكروا عنها إلا أموراً متناثرة وقليلة، وركّزوا على تجربتها العملية.

وفي مثل هذا الوضع ينفتح الباب واسعاً للحكي والإضافة والترديد، وهو من السمات الأصيلة في الثقافة الشعبية، التي أخذت ما قيل عن رابعة العدوية، وراحت تضيف إليه كل ما يعظِّم صورتها، من دون أن تهتم بالحقيقة، التي لا يعرف عنها حتى المتخصصين الكثير، وهي مسألة ظاهرة من حيث المنشأ، إذ خلط بعض المؤرخين بين رابعة العدوية ورابعة الشامية، أو رابعة بنت إسماعيل التي توفيت في القدس عام 235هـ.
وتعبّر نفيسة عابد في كتابها {أصحاب الكرامات} عن صورة رابعة الشعبية قائلة: {هي أشهر النساء العارفات بالله تعالى. قصتها في حب الله تتناقلها الأجيال الإسلامية، جيل بعد جيل، لكونها نموذجاً رائعاً وقدوة صالحة لمن ترغب في معرفة طريق الله والإصرار على التمسك بدينه. وحياتها سراج يضيء الطريق إلى حب الله، ولذا لقًبها الناس بشهيدة العشق الإلهي}.

غموض وخلاف
امتد الغموض والخلاف إلى تاريخ ميلاد رابعة العدوية، إذ جزم البعض بأنه كان 135 هـ فيما أكد آخرون أنه كان بعد ذلك بخمسين عاماً كاملة، وكذلك إلى قضية زواجها، إذ قال فريق إنها تزوجت، وسموا زوجها بأنه أحمد بن أبي الحواري، لكن اتضح أن الأخير هو زوج رابعة الشامية، وأنه مات سنة 230 هـ ما يستبعد تماماً فكرة زواجه من العدوية. وقال فريق آخر بأنها عاشت متبتلة ولم تتزوج من أحد، وكانت تعتبر الزواج شهوانية لا يمكنها أن تقع فيها.

وقيل إن أمير البصرة محمد بن سليمان الهاشمي عرض عليها الزواج وأغراها بالمال، لكنها كتبت إليه تقول: {الزهد في الدنيا راحة البدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن. فهيئ زادك، وقدّم لمعادك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك، فيقتسموا تركتك وصم الدهر، واجعل فطرك الموت. وأما أنا فلو خولني الله أمثالك وحزت ما أضعافه فلم يسرني أن اشتغل عن الله طرفة عين}.

وموقف رابعة هذا من الرجال، جعل مادحيها يتّكئون على أنها وجهت حبها إلى خالقها سبحانه وتعالى، وهنا يقول الدكتور فيصل بدر عون: {عاهدت رابعة نفسها منذ الصبا على ألا تقترن بأحد غير الله، حبيبها وأنيسها وسلوتها، برضاه ترضى، وبعشقه تهيم، وبشوقه تحيا. ومن هنا نجد طاقة الحب عند رابعة قد ولت وجهها تجاه الله. إن الحب بلا شك أقوى عواطف المرأة وأسلحتها. وقد كان على رابعة أن توجه هذه الطاقة نحو مرادها}.
ويقال إن الحسن البصري سأل رابعة ذات يوم: هل ترغبين في النكاح؟

فقالت: إن عقد النكاح يجري على وجود. والوجود معدوم هنا، فإن نفسي أعدمتني الوجود وإنني وجدت به، وكليتي متعلقة به، وفي ظل حكمه.
فقال لها الحسن: كيف تعرفين ذلك؟
فقالت: يا حسن أنت تعرفه بدليل، ونحن نعرفه بلا دليل.
وقد سلِّطت الأضواء على هذه النقطة في حياة رابعة، فظهرت في الأدب الشعبي امرأة طلقت شهوات الدنيا إلى غير رجعة، وودّعت حياة اللهو والخلاعة، وخلت إلى حبيبها العظيم تناجيه بأبيات شعر تجري على ألسنة عوام المسلمين، وينشدها الأئمة على المنابر:
أحبك حبين، حب الهوى
وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

وثمة بيتان من الشعر منسوبان لها أيضاً، وهما يدلان بصورة قوية على أن رابعة تخلت عن حاجات جسدها، وسخّرته لخدمة أشواق روحها المعلقة بالخالق العظيم. فها هي تنشد:
إني جعلتك في الفؤاد محدثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

ويحاول الفيلسوف الكبير عبد الرحمن بدوي أن يجد رابطاً بين زهد رابعة وبين علاقتها كامرأة بالرجل في ريعان شبابها، ليفترض أنها ربما تكون مرت بتجربة حب يائسة، أخفقت فيها أن تصل محبوبها، أو تتزوج منه، فطلقت الدنيا كلها، وخلتها وراء ظهرها، بمفاتنها وشهواتها، ويقول هنا: {ذكريات الماضي الداعي إلى التقوى والمواعظ مهما بلغ تأثيرها لا تكفي لتفسير ما حدث لديها. فلا مناص إذن من افتراض هذا عامل الإخفاق في قصة حب إنسانية}. لكن أقوال بدوي هذه لا تستند إلى أدلة دامغة، إنما هي مجرد استنتاجات لا يمكن أن يقطع بها أحد، أو يتخذ منها تفسيراً وحيداً لزهد رابعة وتصوّفها.

زهد وورع

وثمة حوار ورد في {تذكرة الأولياء} يدل على ورع رابعة وزهدها. فقد رُوي أن مالك بن دينار، والحسن البصري وشقيق البلخي ذهبوا يعودون رابعة، وكانت تعاني من مرض شديد. فقال لها الحسن:
ـ ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه.
فقالت رابعة: هذا كلام يشم فيه رائحة الأنانية.
فقال شقيق: ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه.
فقالت رابعة: يجب أن يكون أحسن من ذلك.
فقال مالك: ليس بصادق في دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه.
فقالت رابعة: يجب أن يقال أحسن من هذا.
فقالوا لها: تكلمي أنت يا رابعة.
فقالت: ليس بصادق في دعواه من لم ينسَ الضرب في مشاهدة مولاه.
ويقال أيضا إن سفيان الثوري ذهب يعودها بصحبة عبد الواحد بن عامر، فقال لها الأول: ألا تدعين الله بدعاء يخفف عنك الألم.
فقالت له رابعة: يا سفيان إنك لا تعلم من الذي أراد بي هذا المرض ..؟ أليس هو الله؟
فقال: بلى.
فقالت: ما دمت تعلم. فلماذا تدعوني لأن أطلب منه شيئاً يخالف إرادته؟ فمخالفة المحبوب غير مستساغة.
فقال سفيان: وماذا تشتهين؟
فقالت: يا سفيان إنك رجل من أهل العلم. فلماذا تتكلم بمثل هذا وتقول: ماذا تشتهين؟ فبعزة الله إن لي اثني عشر عاماً وأنا أشتهي الرطب وهو ميسور في البصرة... وأنا لم أتناوله حتى الآن لأنني أمة. وما شأن الأمة بالآمال واختيار الرغبات؟ ويكون هذا كفرا لو أردته أنا. ولم يرده الله، فينبغي طلب شيء يريده هو حتى نكون بحق عبيده، فإذا أعطاه هو فذلك شيء آخر.
قال سفيان: فسكت ولم أفه بشيء. ثم قلت لها: ما دمنا لا نستطيع التكلم في أمرك فتكلمي أنت في أمرنا، فقالت: إنك رجل صالح، أولاً إنك تحب الدنيا، إنك تحب رواية الحديث. وهذا نوع من طلب الجاه.

وهنا نطق الثاني وهو عبد الله بن عامر وقال: رب ارضَ عني.
فقالت رابعة له: ألا تستحي أن تطلب رضاء من لست راضياً عنه. إن العبد يكون قد قام بشروط العبودية حين لا يشعر بألم ولا بسقم، أي لا يكون في درجة من الفناء في الله حتى ينسى ألمه.
لم تولد رابعة متصوِّفة، ولم تكن من بيت معروف عنه الزهد والورع، إنما كان لتصوُّفها وتعبُّدها وزهدها قصة تُروى، نقلتها من حال إلى حال. ويقال إن رابعة كانت ذات يوم تسير وحيدة في طريق، لا أنيس لها ولا حارس. وكان ثمة رجل يسير خلفها، ويحدق فيها، ويضمر لها السوء. لمحته رابعة فأسرعت الخطى، بقدر ما وسعتها قدماها، وهدها التعب فوقعت على وجهها، وراحت تناجي ربها: {يا إلهي إنني غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرق، لكن همي الكبير هو أن أعرف، أراضٍ أنت عني أم غير راض. وعندها سمعت هاتفاً يناديها من عنان السماء: لا تحزني ففي يوم الحساب يتطلع المقربون في السماء إليك ويحسدونك على ما ستكونين فيه. فلما سمعت هذا الصوت عادت إلى بيت سيدها وصارت تصوم وتقوم وتعبد ربها من دون أن تكف عن خدمة سيدها من البشر، متحملة أذاه واضطهاده وتعذيبه لها.

جذور وبذور
لكنْ للنزعة الدينية لدى رابعة جذور لا يمكن نكرانها، فهي ابنة رجل معروف بتديّنه واعتزازه بكرامته، وثقته في ربه، إذ رفض في أشد ساعات حاجته أن يسأل الناس شيئاً. وعلى رغم أن حياتها الأسرية لم تستمر طويلاً، إلا أنها تركت فيها بعض قيم لم تسقط، والتي تنتقل من السلف إلى الخلف، وتمتد من الأجداد إلى الأحفاد.

كذلك، السياق الاجتماعي الذي أحاط برابعة ساقها إلى الزهد، أو على الأقل يسّر طريقها إليه. فقد اتسع نطاق الزهد في القرن الثاني الهجري، بصيغة لم تكن موجودة في عصر الصحابة والتابعين. وظهرت جماعات من الزاهدين في الكوفة والبصرة، في مقدّمهم إبراهيم بن أدهم، ومالك بن دينار، وبشر الحافي.

كراماتها
تروي السير الكثير من {كرامات} السيدة رابعة العدوية، وهي غزيرة إلى درجة لافتة، ومشحونة بقصص مفعمة بالعظات والعبر. وتقول إحدى هذه القصص إن لصا دخل يوماً إلى حجرة رابعة وهي غارقة في نومها، فسرق ثيابها وراح يهم بالخروج فلم يجد الباب. فعاد ووضع الثياب على الأرض فبان له الباب في مكانه. فرجع والتقط الثياب فعاد الباب إلى الاختفاء. وكرر فعلته مرات عدة، حتى ناداه هاتف: {دع الثياب فإنا نحفظها ولا ندعها لك}.

وثمة قصة أخرى تُروى في كراماتها، أحد أطرافها سيّدها الغني. فهذا السيد قام ذات ليلة، وتسلل إلى باب غرفتها، وراح يتلصص عليها من ثقب في الباب، قاصداً بها سوءاً، فإذا به يجدها وقد نهضت واقفة، والدموع تطفر من عينيها، وراحت تناجي ربها: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمة عتبتك. ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن خدمتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. ووصل صوت مناجاتها إلى أذنيّ سيدها، بينما راحت عيناه تتابعان قنديلاً يحلق فوق رأسها من دون أن يكون مثبتاً في شيء، وينبعث منه نور غامر ملأ البيت. ففزع الرجل ونهض من مكانه، وتراجع إلى الخلف، وعاد إلى غرفته، لكن النوم لم يزر عينيه. ظل سيد رابعة ساهراً ورأسه مشغول بما سمع ورأى، حتى أطل النهار من خصاص النافذة، فاستدعى رابعة وقال لها: لقد وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت هنا في بيتي ونكون جميعاً في خدمتك، وإن شئت فارحلى حرّة إلى أي مكان تريدين.

تروي خادمتها عبدة بنت أبي شوال أن رابعة حين حضرتها الوفاة دعتها وقالت لها: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً. وكفّنيني في جبّتي هذه. وهي جبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. وقالت عبدة: فكفناها في تلك الجبة، وفي خمار صوف كانت تلبسه. ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحو في منامي عليها حلة استبرق خضراء. وخمار من سندس أخضر لم أر شيئاً قط أحسن منه. فقالت لها: يا رابعة ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار والصوف؟ فردت رابعة: إنه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي. فطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين، ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقالت لها عبدة: مريني بأمر أتقرب به إلى الله، فردت رابعة: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك.

رؤيتها للحج
يُعرف عن رابعة أن لها موقفاً خاصاً من فريضة الحج، يختلف عما يريده العامة من أدائها. وفي بداية رحلاتها إلى الحج ناجت رابعة ربّها قائلة: {إلهي وعدت بجزاءين لأمرين، القيام بالحج، والصبر على الشدائد، فإن لم يكن حجي صحيحاً مقبولاً عندك، فيا ويلتاه، وما أشد هذه المصيبة عندي}. ولما صعدت رابعة درجات في معراج التصوّف ناجت ربّها وهي في طريقها إلى الكعبة المشرفة: {إلهي إن قلبي ليضطرب في هذه الوحشة، أنا لبنة والكعبة حجر وما أريد هو أن أشاهد وجهك الكريم'، فيقال إن صوتاً ناداها من السماء: يا رابعة أتطلبين وحدك ما يقتضي دم الدنيا بأسرها؟ إن موسى حين رام أن يشاهد وجه الله لم يلق إلا ذرة من نوره على جبل فخر صاعقا. ويقال أيضا إنها صرخت في إحدى مرات حجها: {لا أريد الكعبة فماذا أفعل بها؟'، ولم تعن بذلك إعراضاً عن الكعبة أو إنكاراً لها، لكنها كانت تطمع في المزيد، وهو الاتصال مباشرة برب الكعبة، وخالق كل من يطوفون حولها، خاشعين متضرعين إليه.

وعلى رغم أن الكثير مما ينسب إلى رابعة من أقوال وأفعال لا يزال في حاجة إلى تدقيق وتحقق، فإن هذه الشخصية المذهلة صورت جانباً لا يمكن لأحد نكرانه من تجربة المتصوفة المسلمين الروحية، يتعلق بإمكان أن تزهد المرأة وتهجر لذّات الدنيا، ويكون لها في عالم الصوفية {أسطورة} تتناقلها الأجيال، وتجذب صناع السينما العربية فيقدمون عنها فيلماً لا يزال قادراً على أخذ الناس إلى هذه التجربة الفريدة، كلما عرض في المناسبات الدينية.
وتبقى رابعة هي الأشهر من بين النساء القانتات العابدات، اللاتي يحفل بهن تاريخ التصوف الإسلامي مثل آمنة بنت موسى الكاظم، وآمنة الرملية، وأم أحمد القابلة المصرية، وأم الربيع الزبيدي، وأم سطل، وخديجة بنت الحافظ جمال الدين البكري، ورابعة بنت إسماعيل، وزهراء الوالهة، وست الملوك، وعائشة بنت عثمان النيسابوري، وفاطمة النيسابورية، وفاطمة العيناء، وفاطمة بنت المثنى، وفاطمة بنت عباس، وفخرية بنت عثمان، ومريم بنت عبد الله، وميمونة السوداء، وغيرهن.

ويكفي لرابعة تلك الشهادة التي قالها فيها أبو سفيان الثوري، وهو من المحدثين والفقهاء الورعين، إذ قابلها يوماً وهي زرية الحال، فقال لها: أرى حالاً رثة، فلو أتيت فلاناً جارك لغير بعض ما أرى.

فقالت له: {يا سفيان، وما ترى من سوء حالي؟ ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه، والأنس الذي لا وحشة معه. والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا ممن يملكها، فكيف أسالها ممن لا يملكها}.

فقام سفيان وهو يقول: ما سمعت مثل هذا الكلام.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 03:09 AM   [5]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

ذو النون المصري
رائد التصوّف الذي اختلف عليه الناس


اتخذ من التقرب إلى الله منتهى رغبته، ومعقد أمله ومقصده، وغاية مراده ومنيته، وأقصى مرامه وبغيته، وأعلى ما تثب إليه روحه، ويسعى جسده. لم يكن زاهداً وعابداً عابراً في تاريخ التصوّف ومسيرته، بل كان من أصحاب الأذواق والمواجيد وأرباب المعرفة والرأي والفقه.

تقلبت أحواله حتى اختلف عليه الناس. وتناثرت أخباره حتى تفرق بشأنه المؤرخون. واختلطت أقواله حتى ساح من تدبر سيرته في ظنون لا نهاية لها، عن مسلكه ومصيره، وعن معتقداته وأفكاره وتقديره. ولم يسلم ميلاده ومماته من هذا التناثر والتضارب والاختلاط، فقيل إنه مات عن ستين عاماً، كذلك قيل إنه مات عن تسعين عاماً.

المنشأ والمسيرة
هو أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم المصري، ولد في أواخر أيام المنصور، على الأرجح عام 185 هـ، وقد قيل إن ذا النون من موالي قريش، وكان أبوه نوبياً، ثم نزل إلى إخميم في صعيد مصر، وأقام فيها فسمع يوماً صوت لهو ودفاف، فسأل:
ما هذا؟
قيل: عرس
وسمع بجانبه بكاءً وصياحاً
فسأل: ما هذا؟
فقيل: فلان مات.

فقال: أعطى هؤلاء فما شكروا وابتلى هؤلاء فما صبروا وأقسم أن لا يبيت بالبلد فخرج فوراً إلى مصر فقطنها.
يصفه المناوي في كتابه {الكواكب الدرية} بأنه {العارف الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق، ذو العبارات الوثيقة، والإشارات الدقيقة، والصفات الكاملة، والنفس العاملة، والهمم الجلية، والطريقة المرضية، والمحاسن الجزيلة المتبعة، والأفعال والأقوال التي لا تخشى منها تبعة، زهت به مصر وديارها، وأشـرق بنوره ليلها ونهارهـا}.

وقال الدارقطني عنه: {روى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظاً} .ويصفه ابن يونس بأنه كان عالماً فصيحاً حكيماً. أما يوسف بن أحمد البغدادي فيقول: {كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق:. وقال السلمي في {محن الصوفية': {ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال، ومقامات الأولياء، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم، وهجره علماء مصر، وشاع أنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة}.
وقال محمد بن الفرخي: {كنت مع ذي النون في زورق، فمر بنا زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان، يشهدون عليك بالكفر. فقال: اللهم إن كانوا كاذبين، فغرقهم ، فانقلب الزورق، وغرقوا . فقلت له: فما بال الملاح ؟ قال: لم حملهم وهو يعلم قصدهم ؟ ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور، ثم انتفض وتغير، وقال: وعزتك لا أدعو على أحد بعدها}.

ويقال إن أمير مصر دعاه وسأله عن اعتقاده ، فتكلم ، فرضي أمره . وطلبه الخليفة المتوكل، فلما سمع كلامه، وَلِعَ به وأحبَّه حباً جماً. وكان يقول: إذا ذكر الصالحون ، فحيَّ هلا بذي النون.
وتذكر المصادر التاريخية أن ذا النون زار بغداد مرة واحدة وقابل المتوكل ثم عاد إلى مصر حيث تُوفي يوم الاثنين الثاني من ذي القعدة سنة 246 هـ ، ومات المتوكل بعده بعام واحد.
ويروي عمرو بن السرح: {قلت لذي النون : كيف خلصت من المتوكل، وقد أمر بقتلك؟ قال: لما أوصلني الغلام، قلت في نفسي: يا من ليس في البحار قطرات، ولا في ديلج الرياح ديلجات، ولا في الأرض خبيئات، ولا في القلوب خطرات، إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيرات، فبالقدرة التي تُجيرُ بها من في الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد، وأخذت قلبه عني، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني، ثم قال : أتعبناك يا أبا الفيض}.

ويقال إن المتوكل طلب منه أن يكتب له دعاء يدعو الله به دائماً، فكتب له: {رب أقمني في أهل ولايتك، مقام رجاء الزيادة في محبتك، واجعلني ولها بذكرك في ذكرك إلى ذكرك، وفي روح بحابح أسمائك لاسمك، وهب لي قدماً أعادل بها بفضلك أقدام من لم يزل عن طاعتك، وأحقق بها ارتياحاً في القرب منك، وأحف بها جولا في الشغل بك، ما حييت وما بقيت رب العالمين، إنك رؤوف رحيم. اللهم بك أعوذ وألوذ وأؤمل البلغة إلى طاعتك، والمثوى الصالح من مرضاتك، وأنت ولي قدير}.

أما يوسف بن الحسين فيقول: {حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل، وكان مولعاً به، يفضله على الزهاد، فقال: صف لي أولياء الله. قال: يا أمير المؤمنين، هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من إرادة كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته، فذكر كلاماً طويلاً .

وقال عنه الذهبي بترجمته في كتاب سير أعلام النبلاء: {ذو النون المصري الزاهد شيخ الديار المصرية... هو من روى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسلم الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة}.
وكانت لذي النون مهارة في علم الكيمياء وصناعتها، يقال إنه تعلمها من الكيميائي العربي الشهير جابر بن حيان، وبرع في فنون التنجيم وفك الطلاسم. وكان من المنشغلين بحل رموز ورق البردي في إخميم، التي كانت حافلة بالرسوم القبطية القديمة. وقد تمكن بالفعل من حل كثير من رموزها ونقوشها، فصارت معلومة للناس بعد جهل، وواضحة بعد غموض.

وعلى النقيض من هذا يقول الدكتور أحمد صبحي منصور: {ذو النون المصري شخصية مجهولة غامضة، والمكتوب عنها في المصادر التاريخية لا يتعدى صفحتين على الأكثر... وكانت أغلب سيرته أقوالاً وليست وقائع وأحداثاً}. وقد جاء ذكر سيرة ذي النون بصفحات قليلة في الكثير من المصادر التاريخية في مطلعها: طبقات الصوفية للسلمي، وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، والرسالة القشيرية، والأنساب للسمعاني، ووفيات الأعيان لابن خلكان، والوافي بالوفيات للصفدي، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي الأتابكي، وحسن المحاضرة للسيوطي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، وموسوعة الأعلام للزركلي.

وثمة من يحيل ذا النون إلى الطائفة الإسماعيلية الشيعية، التي تأثر بها، وطالع مذهبها، فظهرت مقولاتها وأفكارها في بعض ما كان يقوله ويعتقد فيه. وهو إما أخذ عنهم مباشرة، حيث كانوا يسعون أيامها إلى نشر مذهبهم في دول شمال إفريقيا، وإما يكون اطلع على أفكارهم في ما قرأه عنهم لدى {إخوان الصفا وخلان الوفا} وكذلك في كتابات أبي حيان التوحيدي. وقد ظهر هذا التأثير في عبارة منسوبة إلى ذي النون قال فيها لأصحابه: {من أراد طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم، وليكن أول شيء يسأل عنه العقل، لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل. ومتى أردت الخدمة لله، فاعقل لم تخدم، ثم اخدم}.
وإعلاء العقل ذي {المعرفة البرهانية} على الحدس و'المعرفة اللدنية} ليس من مألوف المتصوفة، ما يعني أن هذه الفكرة وافدة على ذي النون، لم يحصل عليها من إلهامه وذوقه، ولم يأخذها عن صوفي آخر.

طريق الهداية
والسؤال: هل سار ذو النون في طريق الله منذ نعومة أظافره، أم أنه اهتدى في منتصف الطريق؟ وهنا، يروي يوسف بن الحسين جانباً من حياة ذي النون في شبابه فيقول: {استأنست بذي النون، فقلت له: أيها الشيخ ما كان بدء شأنك؟ قال: كنت شاباً صاحب لهو ولعب... وذات مرة خرجت من مصر لبعض القرى فنمت فى الطريق في بعض الصحارى ففتحت عيني فإذا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض فانشقت الأرض فخرج منها سكرجتان: إحداهما ذهب والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم والأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذه وتشرب من هذه، فقلت حسبي قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني}.
وثمة من يؤكد أن توبة الرجل جاءت خلال أدائه فريضة الحج. لكن ثمة من يؤكد أيضاً أن تلك التوبة كانت على يد شقران المغربي العابد، وهو شخصية قوية أثرت تأثيراً كبيراً في تلميذه.
وكان ذو النون يقول دوماً: {إن لله عباداً خرجوا إليه بإخلاصهم، وشمروا إليه بنظافة أسرارهم، فأقاموا على صفاء المعاملة، وبادروا إلى استماع كلامه بحضور أفهامهم، فعند ذلك نظر إليهم بعين الملاحظة فأجزل لهم المواهب، وحفت لهم منه العطايا، فشموا روائح القرب من قربه، وهبت عليهم رياح اللقاء من تحت عرشه، فتطايرت أرواح قلوبهم إلى ذلك الروح العظيم، ثم نادت لا براح} .
وقال:
ألا خل خدوم؟
ألا صديق يدوم؟
ألا حليف وداد؟
ألا صحيح اعتقاد؟
أين من استراح قلبه بحب الله؟

أين من ظهر على جوارحه نور خدمة الله؟
أين من عرف الطريق؟
أين من نظر بالتحقيق؟
أين من سقى فباح؟
أين من بكى وناح؟

أولئك تحف بهم الملائكة بالليل والنهار، وتسلم عليهم الحيتان من البحار}.
رؤيته الصوفيّة
كان ذو النون يؤمن بأن {القرآن كلام الله غير مخلوق} ويرى أن الله تعالى لا يمكن أن يتصوره أحد مهما أطلق لخياله العنان، إذ يقول:{مهما تصور في وهمك، فالله بخلاف ذلك}. وكان ذو النون يرى أن الاستغفار يجمع معاني عدة هي:
الندم على ما مضى
والعزم على الترك
وأداء ما ضيعت من فرض
ورد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها
وإذابة كل لحم ودم نبت على الحرام
وإذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية
ومن يطالع أقوال ذي النون في المعرفة اللدنية والمحبة الإلهية والفناء يدرك تماماً أن الرجل ترك علامة قوية في تاريخ التصوف برمته، حين طلع على الناس بكلام جديد لا عهد لهم به في المقامات والأحوال والكشف والظاهر والباطن، فكانت له الريادة والسبق في هذا عن متصوفة مصر جميعاً.
ويُنسب إلى ذي النون أنه كان أول من عرف التوحيد بمعناه الصوفي، وأول من وضع تعريفات للوجد والسماع، وأول من استخدم الرمز في التعبير عن حاله. وهام ذو النون عشقاً في ربه، وعبر عن هذا شعراً في نظمه:
أطلبوا لأنفسكــم: مثلما وجدت أنـا
قد وجدت لي سكناً: ليس في هواه عنا
إن بعدت قربني: أو قربت منه دنا
ويناجي ذو النون ربه أن يلهمه نور المعرفة وأسرار المحبة، ويكشف عنه الحجب، ليقترب منه أكثر، فها هو يقول: {إلهي، لا تترك بيني وبين أقصى مرادي حجاباً إلا هتكته، ولا حاجزاً إلا رفعته، ولا وعراً إلا سهلته، ولا باباً إلا فتحته، حتى تقيم قلبي بين ضياء معرفتك، وتذيقني طعم محتبك، وتبرد بالرضى منك فؤادي، وجميع أحوالي، حتى لا أختار غير ما تختاره، وتجعل لي مقاماً بين مقامات أهل ولايتك، ومضطرباً فسيحاً في ميدان طاعتك}.
وقد سئل ذو النون ذات يوم: بم عرفت ربك؟ فقال:{عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي}. وكانت المعرفة لديه هي يقين يناله الإنسان بثلاثة أمور ترتبط جميعها بالذات الإلهية، أولها: النظر في الأمور كيف دبرها، وفي المقادير كيف قدرها، وفي الخلائق كيف خلقها.

ومفتاح العبادة لدى ذي النون هو الفكرة، وآية الوصول مخالفة النفس والهوى، ومخالفتها في ترك الأماني، وإن كل من داوم على التفكير يرى علم الروح في قلبه. ولذا كان ينصح دائماً كل من يسعى إليه بقوله:{لا تصحب مع الله تعالى إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة}.
وكان ذو النون ملامتياً، أي متعمق في إخلاصه، متحرياً للصدق في عبادته، لا يظهر خيراً ولا يضمر شراً، متكتماً على أحواله وأعماله. وهنا يقولثلاثاً من علامات الإخلاص: استواء الذم والمدح من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، وترك اقتضاء ثواب العمل في الآخرة.

ولم يكن الإخلاص لدى ذي النون منفصلاً عن الخوف والمراقبة واليقين والتوكل والحياء والصدق والذكر، وكلها من مقامات المتصوفة وأحوالهم. فها هو يقول عن الأول:{الناس على الطريق، ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف، ضلوا عن الطريق}. وسئل ذات مرة: متى يتيسر على العبد سبيل الخوف؟ فقال: {إذا أنزل نفسه منزلة السقيم يحتمي من كل شيء مخافة طول السقام}. أما المراقبة فإن علامتها ودليل تحققها لديه هما {إيثار ما آثر الله تعالى، وتعظيم ما عظم الله تعالى، وتصغير ما صغر}.

وفي ما يخص اليقين يرى ذو النون أن ثمة {ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة، وترك المدح في العطية، والتنزه عن ذمهم عند المنع. وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تعالى في كل شيء، والرجوع إليه في كل أمر، والاستعانة به في كل حال}. أما التوكل فيعرّفه بأنه{ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة، وإنما يقوى العبد على التوكل، إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ويرى ما هو فيه}. ويرى ذو النون أن الحياء هو {وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى}. ويؤمن بأن الصدق هو {سيف الله، ما وضع على شيء إلا قطعه}. وأخيراً كان يرى أن {من ذكر الله ذكراً على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله تعالى عليه كل شيء وكان له عوضاً عن كل شيء}.
وقد ظل ذو النون وفياً لهذا الوجدان الصوفي الرائق حتى وافته المنية، بعد أن حفر علامة في تاريخ التصوف المصري خصوصاً، إذ يبدأ به حديث المؤرخين عن الصوفية على ضفاف النيل، ويركَّز عليه كحالة من {التصوف الفردي الجواني} قبل أن تتحول الصوفية المصرية إلى ظاهرة اجتماعية تسير في ركاب السلطة على يد صلاح الدين الأيوبي، حين أنشأ تكايا أو {خانقاوات} للمتصوفة توفر لهم الدولة فيها كل احتياجاتهم مقابل تفرغهم للعبادة، ورام الأيوبي من هذا استعمال أهل التصوف في محاربة المذهب الشيعي.

ويروي حيان بن أحمد السهمي أن ذا النون مات في الجيزة، وعبروا بجثمانه إلى مصر المحروسة في مركب خوفاً من زحمة الناس على الجسر، لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين ومائتين وقال آخر: مات سنة ثمان وأربعين، وهذا اختلاف بسيط قياساً إلى الخلاف والجدل حول أفكار ذي النون ومواجيده وارتباطاته وتاريخه المتفرق على كتب قليلة.

يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 03:21 AM   [6]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية الجعفري المغربي

الجعفري المغربي

الملف الشخصي
 
 
 


افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

مشروعية التصوف لا أساس لها و لذلك عمدوا-اي المتصوفة-الى الزج ببعض التابعين و الصالحين في التاريخ الصوفي لاضفاء نوع من الشرعية لهذا المنهج الذي تأثر ببعض الفلسفات كاليونانية

الجعفري المغربي غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 03:31 AM   [7]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

الجنيد
طاووس العلماء وسيّد الطائفة العاشقة


لم يمر الجنيد مروراً عابراً في طريق التصوف الإسلامي، بل ترك علامة على حياته ووجوده، حملها تلاميذه الذين يُعرفون بـ{الجنيدية}، وحواها أسلوبه الذي جعل ابن تيمية يصفه بأنه {واحد من أهم المتصوفين المعتدلين}، وضمتها أضابير الكتب الكثيرة التي تسطرت صفحاتها بسير الزاهدين، ومنهم الشيخ الجنيد، الذي كان يقول دوماً: {الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد}. والجنيد، كما قيل عنه، كان {شيخ وقته، ونسيج وحده}.

إنه أبو القاسم الجنيد بن محمد الخراز القواريري، من أعلام التصوف وربما لدى جمهرة من المتصوفين، هو رائد حركة التصوف برمتها. يعود مسقط رأسه إلى نهاوند في همدان(مدينة آذرية)، أما مولده ومنشأه فكانا في بغداد. صحب جماعة من المشايخ، واشتهر بصحبة خاله السري، والحارث المحاسبي. درس الجنيد الفقه على أبي ثور أحد تلامذة الإمام الشافعي، وكان يفتي في حلقته بحضرته، وهو ابن عشرين سنة. والجنيد هو ابن أخت القطب الصوفي المشهور السري السقطي.

تعلم الجنيد وتذوّق التصوّف من خاله، فها هو يقول: {كنت بين يدي سري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر؛ فقال لي: {يا غلام، ما الشكر{ فقلت: {الشكر ألا تعصي الله بنعمه}. فقال لي: {أخشى أن يكون حظك من الله لسانك!{ قال الجنيد: {فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها لي السري}.

وقال أيضاً: قال لي خالي سري السقطي: تكلم على الناس. وكان في قلبي حشمة من ذلك، فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة في المنام، رسول الله ـ وكانت ليلة جمعة ـ فقال لي: {تكلم على الناس!}. فانتبهت، وأتيت باب سري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: {لم تصدقنا حتى قيل لك!}. فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أني قعدت أتكلم، فوقف عليّ غلام نصراني متنكر وقال: {أيها الشيخ! ما معنى قوله : اتقوا فراسة المؤمن. فإنه ينظر بنور الله فأطرقت، ثم رفعت رأسي فقلت: {أسلم! فقد حان وقت إسلامك، {فأسلم}.

تصوّف لا يخالف الشرع
حجّ الجنيد ثلاثين مرة، تقرباً إلى الله، وكانت له في الحج أحوال العاشقين، لكنه لم يخرج عن حدود ما يفرضه الشرع في أداء تلك الفريضة، فالجنيد كان يؤمن بالجمع بين الحقيقة والشريعة، ولا يرى أي فصل بينهما، بل إنه اشترط على نور الحقيقة أن يكون موصولاً بنور الشرع الإلهي.

وكان الجنيد يقول لمريديه دوماً: {من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا ( قاصداً التصوف) مقيد بالكتاب والسنة}. وكان يقول أيضاً: {كل الطرق مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته، ولزم طريقه، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه}.

ولم يكن الجنيد يستنكف أبداً أن يظهر تواضعه وزهده بين من عرفوا حسبه ونسبه، بل إنه حرص على كسر الكبر في نفسه، وتطويعها لتخضع للخالق العظيم. وقد أبدى أحد من حوله ذات يوم عجبه من الجنيد حين رآه يأخذ في يده سبحة، على رغم نسبه، فقال لمن تعجب منه: {طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه}. إذ كان يعتبر السبحة أحد طرق الوصول إلى الوجد.
وقارن الجنيد بين حالة الحضور التي طالبنا بها الأنبياء والمشاهدة التي يقول بها الأولياء، وكان يفضّل الصحو على حالة السكر لدى المتصوفة. أما في علم الكلام فهو يسلم بأن معرفة الله إنما تكون عن طريق النظر.

الفناء بطريقة مختلفة
من أهم القضايا التي عني بها الجنيد {الفناء}، لكن رؤيته هنا تختلف عن تلك التي نجدها لدى الحلاج والبسطامي. فالجنيد لم يكن يذهب إلى تبني الحلول والاتحاد في قوله بالفناء، إنما كان حريصاً على أن يبقى الصوفي واعياً صاحياً مستيقظاً، ويرفض الشطح، ويقصر الفناء على توحيد إرادة العبد مع إرادة الخالق. ولهذا كان ابن تيمية، المعروف بصرامته في الالتزام بقواعد الشرع الفقهية، يستشهد أحياناً بأقوال الجنيد عن الفناء في معرض رده على من يؤمنون بالحلول والاتحاد.

والفناء الذي كان يتحدث عنه الجنيد ويتبناه هو نهاية التوحيد الحقيقي، فعندما يشعر العبد بفناء إرادته وانقضائها أمام إرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته، يصبح العبد شبحاً بين يدي الخالق العظيم، خاضعاً لقدرته، مستسلماً لحكمه، ممتثلاً لتدبيره. وهنا يذهب حسه عن محسوسه، وقد عرف المتصوفة هذا النوع من الفناء في ما بعد بـ{الفناء عن السوي{ أو {الفناء عن الأغيار}. وهو مسلك محمود لدى الفقهاء ودارسي الشرع، على حد سواء.

وهنا يقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتابه {من قضايا التصوف في ضوء الكتاب والسنة{ إن فناء من هذا القبيل يدل على أن {صاحبه لم ير في فنائه إلا إرادة الله وقضائه ومشيئته الكونية. أما إرادته الدينية وقضاؤه الديني، ومشيئته الدينية، فقد غابت عنه، حال فنائه. ومعلوم أننا لم نطالب بالوقوف على حقائق هذه الصفات الكونية، ولا العمل بمقتضاها، ولا العلم بها، لأنها أمر غيبي قد استأثر الله بعلمها وحجبه عن أصفيائه ورسله، وقد طلب الشرع منا أن نؤمن بها فقط، دون العمل بمقتضاها. أما الإرادة الدينية والقضاء الديني، فإن الله تعالى قد أمرنا أن نتعبد بهما، ونعمل بمقتضاهما، ويجب علينا أيضاً العلم بهما، ولذلك فإن الرسل لم يأمرونا بالقضاء الكوني، وإنما أمرونا بتنفيذ ما قضاه الله ديناً، وما أراده شرعاً، وهذا ما قد جاءت به الأوامر والنواهي التشريعية، وفصلته السنة}.

وما سبق يضع يده على نقطة فاصلة في مسار التصوف كله ومصيره، فبعض المتصوفة نقل مجال اهتمامه من النطاق المقدور عليه، والذي بالإمكان التفكير والاجتهاد فيه، والقطع فيه برأي أو دليل، إلى ما لا يمكن للإنسان مهما حاول أن يصل فيه إلى شيء ذي بال، إلا إذا أراد الله. ولهذا كثر كلام المتصوفة عن الكشف والإلهام والحدس والمعرفة اللدنية، ليحدثوا الناس عما لا يمكن لهم أن يدركوا جوهره خالصاً، ولا تفاصيله كاملة، والتي لا يمكن أن يتهادى إلا لعبد نوراني، يكون الله عينه التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، ويده التي يبطش بها، كما جاء في الحديث القدسي.

ولم يكن الجنيد من بين الذين يغالون في رؤية الإنسان بصورة أكبر مما هو عليها كمخلوق ضعيف، يستمد أي قوة فيه من خالقه. وقد اعتمد الجنيد في مذهبه على دقائق التوحيد وأسراره، حتى كان الناس ينقولون عنه عبارته الشهيرة: {التوحيد إفراد القديم عن الحدث}، وهو تعريف يرسم لنا معالم مذهب الرجل، فليس توحيده حلولاً، ولا اتحاداً، ولكنه تمييز واضح بين الخالق والمخلوق. وقد نص الجنيد في كثير من أقواله على أن الخالق مباين لخلقه، عليّ عليهم غير حال في شيء من مخلوقاته. وكان مذهبه في ذلك يمثل تصوف الفقهاء في عصره، لأنه يعتمد في منهجه ـ كما يرى ذلك كثيرون ومنهم الدكتور الجليند ـ على الكتاب والسنة.

فعل يطابق القول
على هذه الأرضية تأتي رؤية الجنيد للتصوف، أو تتهادى تجربته الروحية، وكذلك ممارساته العملية، التي تدل عليها شواهد عدة، منها تلك الواقعة التي رواها عبد الله المكانسي، قائلاً: كنت عند الجنيد، فأتت امرأة، وقالت: ادع الله تعالى، فإن ابناً لي ضاع، فقال: اذهبي واصبري. فمضت ثم عادت، ففعلت مثل ذلك مرات، والجنيد لا يكثر لها في القول عما قال. فقالت له: عيل صبري. ولم يبق لي طاقة، فادع لي. فقال الجنيد: إن كان كما قلت، فاذهبي فقد رجع ابنك. ففعلت ثم عادت تشكر له، فقيل للجنيد: بم عرفت ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء}.

اهتم الجنيد بتربية المريد، وكان يرى أن {المريد الصادق غني عن علم العلماء، فأما الفرق بين المريد والمراد، فكل مريد على الحقيقة مراد، إذ لو لم يكن مراد الله عز وجل بأن يريده، لم يكن مريداً. إذ لا يكون إلا ما أراده الله تعالى. وكل مراد مريد، لأنه إذا أراده الحق سبحانه بالخصوصية وفقه}. وقد سئل الجنيد عن المريد والمراد فقال: {المريد تتولاه سياسة العلم، والمراد تتولاه رعاية الحق سبحانه، لأن المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق الطائر السائر}.

وكان الجنيد يهتم بصفات محددة في تلاميذه منها الصدق، الذي يقول عنه: {حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب}. والمريد الصادق لديه هو الذي {لا يسأل ولا يعارض وإن عورض سكت}. ومنها الإخلاص الذي يراه {سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله}. ومنها كذلك الحياء وهو في نظره: {حال يولد من بين رؤية الآلاء، ورؤية التقصير}. وثمة كذلك المراقبة، والتي يقول بشأنها: {من تحقق من المراقبة خاف على فوت حظه من ربه عز وجل، وليس غيره}. وتوجد صفة أخرى أساسية، هي قاسم مشترك بين كبار المتصوفة، وهي المحبة: التي يعرّفها الجنيد بأنها: {دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب ... وهي ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك، وروحك، ومالك، ثم موافقتك له سراً وجهراً، ثم عملك بتقصيرك في حبه}، والمحب لديه هو {عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظراً إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار عن أستار عيبه، فإن تكلم بالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله}.

كذلك على المريد، في نظر الجنيد، أن يشعر دوماً بالافتقار إلى الله. وقد سئل الجنيد عن الافتقار إلى الله تعالى أهو أتم أم الاستغناء بالله؟ فقال: إذا صح الافتقار إلى الله عز وجل فقد صح الاستغناء بالله. وإذا صح الاستغناء بالله تعالى كمل الغنى به، فلا يقال أيهما الافتقار أم الغنى، لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى.

ويجمل الجنيد تصوّره عن المتصوفة بقوله: {تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع: عند الأكل لأنهم يأكلون عن فاقة. وعند المذاكرة، لأنهم يتحاورون في مقامات الصديقين وأحوال النبيين. وعند السماع، لأنهم يسمعون بوجد، ويشهدون حقا}.
أما مجالس الذكر فإن أشرفها وأعلاها في نظر الجنيد هي {الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسّم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر بحسن الظن لله عز وجل}.

ويفرق الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان، فيقول: {النفس إذا طالبتك بشيء ألّحت فلا تزال تعاودك ولو بعد حين، حتى تصل إلى مرادها، ويحصل مقصودها، ما لم تغلبها بصدق المجاهدة. وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة فخالفته، فإنه ينتقل بوسوسته إلى زلة أخرى، لأن جميع المخالفات عنده سواء، وإنما يريد أن يكون داعياً أبداً إلى زلة ما، ولا غرض له في تخصيص زلة دون زلة}.

عظات لما بعد الموت
تعددت أقوال الجنيد ونصائحه لمريديه ليعدوا العدة لما بعدالرحيل الأبدي عن الدنيا، فها هو يقول: {اتق الله، وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك إعجابُ أهلها زهدًا فيها وحذرًا منها فإن الصالحين كانوا كذلك}.

ويقول أيضاً: {اعلم يا ابن آدم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء}.

وعن لحظة موت الجنيد يقول أبو محمد الجريري: {كنت واقفاً على رأس الجنيد وقت وفاته -وكان يوم جمعة- وهو يقرأ، فقلت: {أرفق بنفسك!{ فقال: {ما رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوى صحيفتي}. وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعداً يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: {ما هذا يا أبا القاسم!}، قال: {هذه نعم!. الله أكبر}. فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: {لو اضطجعت!}، قال: {يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر}. فلم يزل ذلك حاله حتى مات}. وقال ابن عطاء: {دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: {اعذرني! فإني كنت في وردي}، ثم حول وجهه إلى القبلة ومات}.

توفي الجنيد في بغداد سنة 297 هـ، وغسله أبو محمد الجريري، وصلى عليه ولده، ودفن بتربة مقبرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد، لدى خاله سري السقطي. وصلى عليه جمع غفير من الناس قدِّر عددهم بالآلاف.

وقبل موته ترك الجنيد عظة عظيمة حول الموت لا يمكن نسيانها، وقد حوتها نصيحته التي يقول فيها: {يا ابن آدم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفىء، وعذاب لا ينفد أبدًا، ونفس لا تموت، يا ابنَ آدم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مم في يديكَ لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسؤول ولا تجد جواباً، إنك لا تزال بخير ما دمت واعظاً لنفسك محاسباً لها وإلا فلا تلومنّ إلا نفسك}.

ويقول أيضا: {إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقِراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت، آتٍ وقد مات قبلك من مات}.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 03:42 AM   [8]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

الشبلي
تاج الصوفية الذي شغلته العناية عن الرواية


رغم أن أبا بكر الشبلي ترك رواية الحديث وتدريس الفقه وراء ظهره وغاص في بحر التصوف حتى طمرته مياهه الصافية المتدفقة، فإن الرجل لم يجنح بعيداً عن مقتضيات الشرع، التي انطوى عليها ما تعلّمه وقام بتدريسه في حياته الأولى. لهذا يبقى الشبلي واحداً من رموز التصوّف المعتدلين، وهو إن لم يترك لنا مؤلفات يشار إليها بالبنان، كما هو الحال عند محيي الدين بن عربي وأبي حامد الغزالي والحلاج، فقد خلّف وراءه سيرة مفعمة بالحركة والعمل والالتزام، بما يجعله قدوة لكل من أراد أن يجعل من تصوّفه عبادة وزهداً وورعاً ومسلكاً للقرب من الله، وليس مجرد فلسفة أو علم كلام أو بيان أو أقوال غامضة تلفت الانتباه لذاتها ولا يروم صاحبها من ورائها غير ذلك.

لفت التزام الشبلي كثيرين فمدحوه على مجاهداته وحرصه الشديد على أن يتّسق فعله مع قوله، ويأتي ما يسلكه موافقاً لما يفكر فيه ويعتقده. هنا يقول عنه العروسي، كما ورد في حاشية {الرسالة القشيرية} الذائعة الصيت: {كان الشبلي لا نظير له في مجاهداته ومعاملاته لربه، وفي كياسته وخوفه، وذكاء قريحته، وتنبيهه على مكملات الرجوع إلى الحق، باستحلال الخلق، وإن تحقق الخلو من خوفهم اتهاماً للنفس بالذهول والتقصير}. أما عبد الوهاب الشعراني فيقول عن الشبلي: {لقد صار أوجد أهل الوقت علماً وحالا وظرفاً}. رأى فيه بعض المؤرخين: {أحد مشايخ الصوفية الكبار، وصاحب الجنيد ومن في عصره، وهو من صار أحد مشايخ الوقت حالا وقالا}.

والشبلي هو واحد من المتصوفة الكبار الذين وجد فيهم الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق} مثالا ناصعاً على أن التصوف لا يعني التناقض، في كل الأحوال والأوضاع، مع الشرع، وأن الإيمان بالحقيقة لا يغني ولا يلهي أبدا عن الالتزام بالشريعة، إن وجد في المتصوف عزماً لا يلين على أداء الفرائض والالتزام بوسطية الإسلام، وأن هناك من المتصوفة الأوائل من يستحقّ أن يقتدى بهم، جنباً إلى جنب مع رموز الفقه والفكر والدعوة الإسلامية على مرّ العصور}. وقد كان الشبلي من هؤلاء الذين تأثر بهم الإمام عبد الحليم محمود نفسه في رحلته الصوفية، التي زاوج فيها بين الفكر والعمل.

النسب والمنشأ
هو أبو بكر جحدر بن دلف الشبلي، ولد في سامراء في العراق سنة 247 هـ، وسمي الشبلي نسبة إلى {شبلة} وهي قرية من قرى {أسروشنة} في إقليم خراسان. ينتمي الشبلي إلى أسرة ذات جاه، إذ كان أبوه يعمل حاجب الحجاب للخليفة الموفق، وكان خاله أمير أمراء الإسكندرية. عنيت أسرته بتعليمه على أفضل مستوى، فدرس اللغة العربية وعلوم الشرع دراسة مستفيضة، ثم سلك طريق الوظائف حتى وصل إلى حاجب الموفق حين كان ولياً للعهد وتولى منصب والي دنباوند، وهي ناحية من نواحي رستاق الري في جبال خراسان، وتولى كذلك حكم البصرة.

لكن الوظائف لم تلهِ الشبلي عن الاهتمام بالعلم، فكتب الحديث ورواه وتفقّه على مذهب الإمام مالك بن أنس، وحفظ القرآن الكريم، كذلك الأحاديث التي وردت في {موطأ مالك}، إلى أن أصبح صاحب حلقة يدرّس فيها علمه وفقهه، حتى قال عنه أبو عبد الله الرازي: {لم أرَ في الصوفية أعلم من الشبلي}، وهي شهادة لم يجرحها أحد على الأرجح.

أساتذة وروافد
وفي غمرة الرواية والكسب تقابل الشبلي مع ولي الله خير النساج، الذي ترك الدنيا وراء ظهره وتجرد لعبادة الله تعالى. امتلأ الشبلي بما كان يسمعه من النساج، حتى رجع إلى البلدة التي كان والياً عليها وقال لأهلها:{أنا كنت صاحب الموفق، وكان ولاني بلدتكم هذه، فاجعلوني في حلّ}، فكان له ما أراد، لكن الناس تشككوا في أن قراره ليس حراً إنما هو ناجم عن غضب الموفق منه، فأشفقوا عليه، وجمعوا له هدايا ومالا، وعرضوهما أمام عينيه فرفض أن يأخذ شيئاً، مؤثراً الذهاب إلى أبعد حدّ في طريق الله الفسيح.

تغيرت حياة الشبلي تماماً، وانقلبت إلى حال جديد لم يعرفه هو نفسه من قبل ولم يألفه أصحابه ومن حوله عنه. صادق الشبلي في هذه المرحلة الشيخ أبو القاسم الجنيد (ت 297 هـ)، الذي كان وقتها قطباً من أقطاب التصوف، عميق العلم والمعرفة، قانتاً زاهداً عابداً، وكان الكتبة يحضرون مجلسه لعذب بيانه ودقة ألفاظه، والفقهاء لتقريره، والفلاسفة لعمق نظره وصواب معانيه، والمتكلمون لاهتمامه بالتحقيق، والمتصوفة لإشاراته وحقائقه.
ظهر تأثير الجنيد في الشبلي، شأنه شأن الكثيرين من رموز التصوف ومريديه في زمانه، لا سيما في مسائل ثلاث وهي التوحيد والمعرفة اللدنية والمحبة، كذلك في ربط الحقيقة بالشريعة، إذ كان الجنيد يجمع بينهما في مذهبه ويراهما ممتزجين لا فصل بينهما، بل إن الحقيقة عنده يجب أن تستمدّ نورها الغامر من نور الشرع الإلهي.

ارتبط الشبلي بالجنيد ارتباطاً روحياً شديداً، فكان يجتهد في أن يأخذ عنه بقدر ما يستطيع، ويبحث عنه في كل مكان، ويسعى وراءه أينما حلّ. وقيل إنه بحث عنه ذات يوم في المسجد فلم يجده، فذهب إلى بيته، ووقف أمام الباب وأنشد يقول:
عودوني الوصال والوصل عذب
ورموني بالصد والصد صعب
زعموا حين أزمعوا ذنبي
فرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحق الخضوع عند التلاقي
ما جزى من يحب إلا بحب

وسمعه الشيخ الجنيد فتأثر تأثرا شديداً وقابل إنشاده بإنشاد ورد عليه قائلاً:
وتمنيت أن أراك فلما رأيتكا
غلبت دهشة السرور فلم أملك البكا

وكان الشيخ الجنيد يقول لأصحابه حين يرى فيهم اندهاشاً من تعلق الشبلي به: {لا تنظروا إلى أبي بكر الشبلي بالعين التي ينظر بها بعضكم إلى بعض، فإنه عين من عيون الله تعالى}.
عني الجنيد بتلميذه وكان حريصاً في كل الأوقات على تعليمه وتصويب مسلكه. وهناك واقعة تدلّ على ذلك، فذات مرة قال الشبلي وكان بين يدي أستاذه: {لا حول ولا قوة إلا بالله}. فالتفت الجنيد إليه وقال: {قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء}. فصمت الشبلي ولم يعقب.

الصوفية والتصوف
كان الشبلي يرى أن الصوفية سميت بهذا الاسم لبقية علقت على المتصوفة من نفوسهم، ولولاها لما تعلقت بهم تلك التسمية الجلية. أراد الشبلي من هذا، كما يقول الدكتور عبد الحليم محمود، {أن يبين أن الاتجاه إلى الله والقرب منه سبحانه ـ وهذا هو التصوف، يقتضي أن يتجرد الإنسان من النزعات والشهوات والنفس الأمارة بالسوء، وأن تذوب شخصيته في جو الأخلاق الربّانية، وتمحى إراداته في إرادة الله، وأن يكون هواه تبعاً للشريعة}.

كان الشبلي يرى في التصوف {ترويحا للقلوب بمراوح الصفاء، وتجليلا للخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء، والبشر في اللقاء}، وكان يقول عن المتصوف: {لا حال يقلّ، ولا سماء يظلّ}، قاصدا بذلك أن المتصوفة لا يثبتون على حال، بل يسعون دوماً إلى التقدّم في الحب الإلهي، والترقي في الزهد والتعبد، والبحث الذي لا ينتهي عن تحصيل رضاء المحبوب. وكان الشبلي نفسه خير مثال لهذا الأمر، إذ آمن دوماً بأنه {ليس لمريد فترة}، ووعى جيداً قول أستاذه الجنيد عن التصوف: {إنه عنوة لا صلح فيها}، ولهذا كان الشبلي إذا دخل عليه شهر رمضان الكريم أكثر من الطاعات، قائلا: {هذا الشهر عظّمه الله، فأنا أقوم بتعظيمه}.
لهذا أيضا داوم الشبلي على الذكر، واعتبره علاجا للروح، وتقوية للنفس في مواجهة الشدائد، ولهذا كان يقول: {ذكر الله على الصفاء، ينسي العبد مرارة البلاء}، ويقول: {ليس للأعمى من الجوهرة إلا لمسها... ولا للجاهل من الله إلا ذكره باللسان}. وقد سئل ذات يوم عن الصاحب الذي يصطفيه فقال بكل ثقة: {ألهجهم بذكر الله، وأسرعهم مبادرة لرضاه}.

كان الشبلي يطالب الناس دوماً بأن يبحثوا عما يأخذهم بعيداً عن الدنيا ومفاتنها. فها هو يقول: {ما أحوج الناس إلى سكرة}. فقيل له: {أي سكرة؟} فقال: {سكرة تغنيهم عن ملاحظة أنفسهم، وأفعالهم وأحوالهم، والأكوان وما فيها}. ثم فسر هذا المعنى في عبارة بليغة تقول: {ليس يخطر الكون ببالي، وكيف يخطر الكون ببال من عرف المكون}.
وكان الشبلي ينظر إلى الناس اللاهين في الحياة، والساعين إلى مزيد من القوة والتمكن في العاجلة، ويقول: {مساكين هؤلاء المماليك، نظروا بعيونهم إلى الملكوت المخلوق، ورضوا بالجنان المخلوقة، فبقوا معها خالدين فيها، وأما الملوك فلم يرضوا بها، فنظروا بقلوبهم إلى مالك الملوك، فبقوا معه في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. ويبالغ الشبلي في دعوته إلى التعلق الدائم الدائب بالذات الإلهية فيقول: {طرفة عين في غفلة عن الله لأهل المعرفة شرك}.

بالطبع فهو يقصد بأهل المعرفة، هؤلاء الذين توغلوا راحلين في طريق الله، فحصلوا من الإلهام ما لم يؤتَ لغيرهم، لذا فعليهم من المقتضيات والمتطلبات ما يزيد عما هو على غيرهم، ممن هم في أول الطريق، أو بالأحرى الذين لم يدخلوه بعد. وكان الشبلي يريد هنا أن يقول {إن من ذاق عرف، ومن عرف التزم وأمسك}.
وقد ذكر بعض من عاصروا الشبلي أنه بمجرد {التوبة} ونزوله بحر الصوفية الزاخر بالروحانيات والمعرفة اللدنية، كان مجتهداً في عبادته إلى أقصى حد مستطاع، بل فوق أي حدّ متوقع. كان يؤمن بأن توسل المجاهدة في طلب الحق لن يجعل المريد يصل إلى ما طلبه، أما من طلب الله به فسيصل إليه. وكان ينشد في خدمة هذا المعنى قائلا:
أيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استهلت
وسهيل إذا استهل يماني

وكان الشبلي زاهداً، والزهد لديه هو {تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء}. وكان متوكلا على الله، معتبراً أن التوكّل الحقّ يعني الرضاء بفعل الله وما قضى به وقدره، وهنا يذكر في عبارة حوارية: {يقول أحدهم: توكلت على الله، وهو يكذب عليه، لو توكل عليه رضى بفعله}. وقد بلغت مراقبة الله ومراعاة حبه عند الشبلي أنه قال حين سئل عن الاستقامة: {الاستقامة هي أن تشهد الوقت قيامة}.

وكان الشبلي يغار لله تعالى، فيغضب حين يجد أمامه مخالفة للحق، واتباعاً للهوى. وها هو يقول في هذه المسألة: {الغيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع في ما سوى الله تعالى، والواجب أن يقال: {إن الغيرة غيرتان، غيرة الحقّ سبحانه على العبد، وهو ألا يجعله للخلق، فيضنّ به عليهم، وغيرة العبد للحقّ، وهو ألا يجعل شيئاً من أحواله وأنفاسه لغير الحقّ تعالى. فلا يقال أنا أغار على الله تعال، ولكن يقال: أنا أغار لله تعالى، وإذن فالغيرة على الله جهل، وربما تؤدي إلى ترك الدين، والغيرة لله تعالى توجب تعظيم حقوقه، وتصفية الأعمال له. ومن سنّة الحق تعالى مع أوليائه أنهم إذا ساكنوا غيراً، أو لاحظوا شيئاً، أو ضاجعوا بقلوبهم سواه، شوش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه، فارغة عما ساكنوه أو ضاجعوه}.

آمن الشبلي بأن المعرفة الحقة لا حدود لها، وأن بدايتها هي الله، الذي علم آدم الأسماء كلها. وهنا يقول: {ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، والمعرفة أولها الله تعالى، وآخرها ما لا نهاية}.

كأس المحبة

كان الشبلي منادياً بالمحبة، التي رأى فيها {صراط الأولياء}، وهي عنده {اتباع أوامر المحبوب، وتجنب نواهيه... والفراغ للحبيب، وترك الاعتراض على الرقيب... وهي كأس لها وهج، إن استقرت في الحواس قتلت، وإن سكنت في النفوس أسكرت، فهي سكر في الظاهر، ومحبة في الباطن... المحبة الكاملة أن تحبه من قبله}.

وكان شرط المحبة الأساسي لديه هي الهمة، ولذا ردد دوماً: {من ملت همّته، ضعفت محبته}. كذلك المحبة عنده الرق للمحبوب وطاعته وعدم الغفلة عنه. لذا أنشد ذات مرة في جماعة من المريدين كانوا عنده، ووجدهم قد غفلوا عن ذكر الله وتسبيحه:
كفى حزناً بالواله الصبّ أن يرى
منازل من يهوى معطلة قفرا

وأنشد ذات مرة حين سئل عن قلوب المشتاقين:
أسر بمهلكي فيه لأني
أسر بما يسر الألف جدا
ولو سئلت عظامي عن بلاها
لأنكرت البلى وسمعت جحدا
ولو أخرجت من سقمي لنادى
لهيب الشوق بي يسأله ردا

وهناك أبيات من الشعر دالة في هذا المقام، أنشدها الشبلي تباعاً وفي أوقات متفرّقة، لكنه كان في جميعها على حال من الوجد والهيام في حبّ الخالق العظيم:
لتحشرن عظامي بعد إذ بليت
يوم الحساب وفيها حبكم علق
وأنشد أيضا يقول:
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة
وأيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكدت بلا وجد أموت من الهوى
وهام على القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري
شهدتك موجوداً بكل مكان
فخاطبت موجوداً بكل تكلم
ولاحظت معلوماً بغير عيان

لم يكن الشبلي مجافيا للشرع في تصوّفه، بل كان {يبالغ في تعظيم الشرع المطهّر} حسب قول بعض المؤرخين والمتصوفة. وكان يعتبر التمسّك بالشريعة من معجزات المتصوف، حيث نقل عنه أنه قال ذات مرة: {كل صديق لا يكون له معجزة كذاب}. فسأله علي بن عيسى الوزير يوماً: {أين معجزتك أنت؟} فرد على الفور: {موافقة الله في أوامره ونواهيه}. وهناك رواية أخرى تقول إنه رد على الوزير: {معجزتي أن تعرض خاطري في حال صحوي على خاطري في حال سكري، فلا يخرجان عن موافقة الله تعالى}. ويتفق هذا مع إجابته عن سؤال {كيف يكون الشخص مريداً؟} بقوله: {إذا استوت حالاته في السفر والحضر، والمشهد والمغيب}.

ولذا كان الشبلي ينصح المتصوفة دائماً، ويقول للواحد منهم: {لا تأمن على نفسك وإن مشيت على الماء، حتى تخرج من دار الغرور إلى دار الأمن}، وكان يقول أيضا: {أعمى الله بصراً يراني، ولا يرى في آثار القدرة. فأنا أحد آثار القدرة، وأحد شواهد العزة، لقد ذللت حتى عزّ في ذلي كلّ ذل، وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي، أو بمن تعززت به، وما افترقنا، وكيف نفترق ولم يجرِ علينا حال الجمع أبدا}.

وقبيل رحيله إلى الرفيق الأعلى أنشد الشبلي:
كل بيت أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا
يوم تأتي الناس بالحجّ

توفي الشبلي سنة 334 هـ بعد أن عاش سبعة ثمانين عاما كاملة، ودفن في بغداد في مقبرة الخيزران، وظل قبره شاهداً يزوره الناس، من دون أن يعرف أغلبيتهم الكثير عن صاحب المقام، الذي عاش عالماً زاهداً تقياً ملتزما بالشرع، هائماً على وجهه في عشق الخالق العظيم، جلّ شأنه وعظمت قدرته.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 03:56 AM   [9]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

أبو حامد الغزالي
حجّة الإسلام وفيلسوفه الكبير


ما إن يُذكر اسم أبي حامد الغزالي حتى ترد إلى الأذهان موسوعته ذائعة الصيت {إحياء علوم الدين}، وعلى حاشيتها كتابه الجدلي {المنقذ من الضلال}، إضافة إلى كتابه {تهافت الفلاسفة}، الذي شكل مادة أثارت قريحة الفيلسوف الكبير ابن رشد، فأفرد حولها مؤلفاً مهماً بعنوان {تهافت التهافت}، لكن ذلك كله لا يحجب دفقة التصوف التي فاضت بها روح الفقيه والفيلسوف الكبير، الذي وصفه تابعوه ومحبوه ومنصفوه بأنه {حجة الإسلام}.

ولد أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي في عام 1057، في منطقة غزالة في قرية طوس من أعمال خراسان في بلاد فارس، وقيل إنه استمد كنيته من مسقط رأسه، لكن قال البعض إنما سمي الغزالي لأن أسرته كانت تشتغل بالغزل. وفي مطلع حياته العلمية درس علم الكلام على يدي إمام الحرمين الجويني في نيسابور، وألم بالفقه السني الأشعري، وأجاد ما فيه من أبواب إجادة ملموسة، تجلت في مساجلاته ومجادلاته، فذاع صيته حتى بلغ مسامع الوزير السلجوقي نظام الملك، فاستدعاه إلى بغداد، وكلفه بتدريس الفقه، وتجهيز الرد على الشيعة {الإسماعيلية}.

ويقول أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل خطيب نيسابور عن الغزالي: {هو حجة الإسلام والمسلمين، إمام أئمة الدين، من لم تر العيون مثله، لساناً، وبياناً، ونطقاً، وخاطراً، وذكاءً، وطبعاً. شدا طرفاً في صباه، بطوس، من الفقه، على الإمام أحمد الراذكاني. ثم قدم نيسابور مختلفاً إلى درس إمام الحرمين، في طائفة من الشبان من طوس. وجد، واجتهد، حتى تخرج عن مدة قريبة، وبذ الأقران، وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه، وواحد أقرانه، في أيام إمام الحرمين. وكان الطلبة يستفيدون منه، ويدرس لهم، ويرشدهم، ويجتهد في نفسه. وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف. وكان الإمام مع علو درجته، وسمو عبارته، وسرعة جريه في النطق والكلام، لا يصفى نظره إلى الغزالي سراً؛ لإنافته عليه فى سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصانيف، وإن كان متخرجاً به، منتسباً إليه، كما لا يخفى من طبع البشر، لكنه يظهر التبجح به، والاعتداد بمكانه، ظاهراً خلاف ما يضمره}.

انخرط الغزالي في حاشية نظام الملك، ولم يكن عمره آنذاك قد تجاوز الثامنة والعشرين، ليصبح أحد أدواته القوية في محاربة الحركة الإسماعيلية التي كان يتزعمها آنذاك الحسن الصباح، والمعروفة تاريخياً باسم {الحشاشين}. وفي معرض رده عليهم كتب الغزالي بأمر من الخليفة العباسي المستظفر بالله أسماه {فضائح الباطنية}، وأهداه إلى الخليفة نفسه.

خلال هذه الفترة كتب الغزالي {مقاصد الفلاسفة} الذي لخص فيه جوانب عدة من مباحث الفلسفة ومضاربها، من دون أن يوجه إليها انتقاداً ظاهراً، لأنه رام دحض دعوة التعليم {العرفانية} أو {الغنوصية} التي تبناها الباطنيون، وراح يستدعي المنطق الأرسطي، ليجعل منه {أيديولوجية} الدولة السلجوقية. لكن الأشاعرة، الذين كانوا يعتقدون أن دراسة الفلسفة وعرضها تشكل خطراً على العقيدة والشرع، عابوا عليه عدم نقده التفلسف، فدفعوه دفعاً إلى تأليف كتاب {تهافت الفلاسفة} الذي حوى انتقاده لهذا العلم ورجاله.

هجر الفلسفة؟
يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أن الغزالي لم يهجر الفلسفة تماماً، إنما فارق فلسفة ليأتلف مع غيرها، إذ ترك فلسفة أرسطو وتلامذته ومن راق لهم من فلاسفة المسلمين، ليذهب إلى فلسفة أفلاطون، والأفلاطونية المحدثة عموماً، وظل على إخلاصه لها حتى وافته المنية. لكن الدكتور عبد المنعم الحفني يخالفه الرأي، ويقول إن ما حواه {إحياء علوم الدين} يدلّ على أن الغزالي قد هجر الفلسفة فعلاً، لا سيما أن هذا الكتاب الضخم والمتسع هو المعبر شبه النهائي عن رؤية الغزالي ومواقفه.

أما ابن سبعين، فينتقد الغزالي ومسلكه في الفلسفة والفقه والتصوف واصفاً إياه بأنه مطنطن، وأنه ناعم مراوغ كالثعبان، لا تستطيع أن تقبض عليه، فهو فيلسوف مع الفلاسفة، ومتكلم مع المتكلمين، ثم هو صوفي مع المتصوفة. لكن الدكتور فيصل بدر عون يرى أن هذا الحكم الذي أراد صاحبه أن يذم الغزالي ويقدح في عطائه، هو مدح له، وأمر يحسب له وليس عليه، لأنه يدل على موسوعية الغزالي وإحاطته بعلوم متعددة، وهذا كان شأن كثيرين في الزمان الأول.

وأعطى الإمام أبو حامد الغزالي كلمة الإحياء معناها الديني، العقدي والفقهي، حين وضع مؤلفه ذائع الصيت {إحياء علوم الدين}، أحد أهم كتبه، لذا نسخ على ضخامته أكثر من 250 مرة قبل اختراع الطباعة، وترجم إلى لغات عدة، وقُدمت له شروحات كثيرة، ولخص 26 مرة أو أكثر.

يحتوي الكتاب على معارف كثيرة في العقيدة والفقه والتصوف والفلسفة، تصفها إصلاح عبد السلام الرفاعي في سياق عرضها للكتاب بقولها: {هو يتأسس على كلمة الإخلاص لله بالتوحيد، والإخلاص للدين بالرجوع إلى حظيرته، والعمل بجوهره، ويحاول فيه مؤلفه أن يصحح مسائل كثيرة تناولها سابقوه من الفقهاء وعلماء الدين، بحل ما عقدوه، وكشف ما أجملوه، وترتيب ما بددوه، ونظم ما فرقوه، وإيجاز ما طولوه، وضبط ما قرروه، وحذف ما كرروه، وإثبات ما حرروه، وتحقيق أمور غامضة استعصت على الأفهام}.

وينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، الأول عن العبادات وتناول فيه الغزالي العلم وقضاياه، العقيدة وقواعدها، الطهارة وأسرارها، أركان الإسلام ومغزاها، آداب تلاوة القرآن، الأذكار والدعوات، وأوراد الليل. والثاني عن العادات وشمل آداب الأكل والنكاح، الكسب والمعاش، الألفة والصحبة، العزلة والسفر، السماع والوجد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أوجه الحلال والحرام والشبهات، وأخلاق النبوة. والثالث عن المهلكات وتطرق فيه إلى أوضاع القلب، رياضة النفس، آفات اللسان، كسر شهوتي البطن والفرج، وذم الغضب والحسد والحقد والبخل وحب المال والجاه والرياء والكبر والعجب والغرور والدنيا بأسرها. والرابع عن المنجيات وبيّن فيه حقيقة التوبة، فضل الصبر والشكر، طبيعة الخوف والرجاء، أوضاع الفقر والزهد، أحوال السائلين والسالكين، قضية التوحيد والتوكل، المحبة والشوق والأنس والرضا، النية والإخلاص والصدق، المراقبة والمحاسبة، التفكر، وذكر ما بعد الموت.

وهذا الشمول الذي سيطر على كتاب الغزالي انتقل إلى كثيرين من بعده، فاستخدموا لفظ {الإحياء} مراراً وتكراراً كلما اعتقدوا أن الناس قد انصرفوا عن {الدين الصحيح}، وأن العقيدة قد خالطتها شوائب وجرحتها ألوان عدة من الشرك الخفي، واللهو الظاهر. وارتبط الإحياء هنا بمسألة العودة إلى الدين في صورته النقية التي كان عليها وقت نزول الوحي وتكليف محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وقدم علماء الإسلام وفقهائه المحدثين مثل هذا التصور، من أمثال محمد بن عبد الوهاب ورشيد رضا.

لكن بلوغ الغزالي مشارف الفلسفة، ثم توغله فيها، كان مرده أيضاً مرور الرجل بفترة من الشك العنيف، المصحوب بمخاوف من أن يكون إيمانه قائماً على التقليد الأعمى، وليس إيمان المتبصر الواعي المدرك المقتنع، الذي لا توجهه تربية معينة توجيها مباشراً، لا يكون فيه الإنسان ممتلكاً لحرية الاختيار.

كان أبو حامد مدرسة فقهية تسير على قدمين، ورجالاً في رجل. تجاذبته أمواج عصره المتلاطمة، وأفكاره المتضاربة، ورمت به إلى شاطئ التصوف، فراح يلتقط أنفاسه التي ألهثتها معارك الفقهاء، وجدال علماء الكلام، وفساد الملك، وتراخي أغلب الناس عن مقاومة الظلم. ففي التصوف وجد الغزالي ضالته المنشودة، حيث الخلاص الروحي والسكينة، التي طالما بحث عنها خلال أيامه المترعة بالرغبة في حيازة الحقيقة الجلية، أو على الأقل الاقتراب منها.

تركت السنوات التي أمضاها الغزالي في خدمة السلطة بنفسه مرارة وحسرة، حين أدرك أن العلم الذي حصله يستخدمه لتثبيت شرعية كراسي يجلس عليها ظالمون، وأن المعرفة التي وهبها الله له مجرد سوط في يد الحكام يضربون به أعداءهم، الذين يصارعونهم على السلطة، أو يتمردون عليهم. فهذه النتيجة تركت الغزالي حائراً حزينا، فتملكه يقين بأن معرفته جاءت لتحرره من عبودية الأشياء، وتلقي به في خضم عبودية الواحد الديان، لكنه لم يكن قادراً على فك ارتباطه بالسلطة في يسر وسهولة، فأمضى فترة عصيبة عاشها في صراع نفسي هزه من الأعماق، وهو يحاول أن يجيب عن تساؤلات راحت تمطر على رأسه كالسيل المنهمر: هل يترك بغداد أم يمكث فيها مدة أخرى؟ وهل حربه على الباطنية حق وصواب؟ وهل هذه الحرب كانت ابتغاء مرضاة الله أم لمصلحة صاحب السلطة؟

وراح يصطنع الحيل كي يخرج من هذه الورطة الحياتية فكان له ما أراد. وعاد إلى مسقط رأسه يبحث عن ذاته مجدداً. ومكث سنتين كاملتين متفرغاً للعبادة، لا يلهيه عنها أي عرض دنيوي. اختلى بنفسه وراح يحاسبها، ويفرط في الحساب، ويروض شهوة الاقتراب من السلطة، والانتفاع مما لديها، ويجاهد كل ما علق في نفسه من أيام نظام الملك، حتى قهر الرغبات العارضة والدفينة، وخلص من كل ما شابه وأتعبه، وصار قلبه أبيض كصفحة نهار أبلج، صاف كماء رقراق. وفي رحلة بحثه عن مزيد من التقوى والزهد والاقتراب من رحاب ذي الجلال والإكرام، ذهب الغزالي إلى بيت المقدس، ومنه إلى بيت الله الحرام.

وعلى رغم أن الغزالي عاد بعد ذلك إلى بغداد، فإنه لم يرجع إلى بلاط الخليفة، بل ركن إلى رحاب رب الخليفة، ورب كل العالمين، فراح يعبده بكل ما أوتي من طاقة، ويقنت إليه بكل ما يملك من قنوت وورع، حتى قال فيه الناس: {محمد عشق ربه}. وفي هذه المرحلة ألف الغزالي كتابه الشهير {المنقذ من الضلال}، الذي وضع فيه كل ما ألفه وعرفه وأدركه من رحلته الروحية، المفعمة بتفاصيل كثيرة.

سأل الغزالي عن الطريق إلى الكشف والمعاينة، فكانت الإجابة أنه {علم وعمل} فترك كل شيء وخرج هائماً على وجهه في الصحارى والقفار، ذاهباً تارة إلى الشام، وأخرى إلى الحجاز، وثالثة إلى مصر. ذلك كله كان فراراً بنفسه من الناس، وجرياً وراء الخلوة، كي يحقق من يؤدي إلى {قطع علائق القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله، وهو ما لا يتحقق إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق، بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه}.

فرائض ورواتب
بعد أن عاش الغزالي هذه الحياة الروحية راح يقول عن التصوف: {أن تخلو بنفسك في زاوية، تقتصر، من العبادة على الفرائض والرواتب وتجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلاً بذكرك على الله، ذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله، فلا تزال تقول: الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده، ثم يصير مواظباً عليه، إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئات الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضراً في قلبك على اللزوم والدوام، ولك اختيار إلى هذا الحد فحسب، ولا اختيار بعده لك، إلا في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة، ثم ينقطع اختيارك فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء}.

وفي رسالته التي وسمها بـ {منهاج العارفين}، يبين العزالي أن من يعتزل الناس زاهداً، لا بد له أن يتحلى بعشر خصال، إن فقد إحداها أضيرت خلوته، وهي: علم الحق والباطل، والزهد، واختيار الشدة، واغتنام الخلوة، والنظر في العواقب، وأن يرى غيره أفضل منه، ويعزل عن الناس شره، ولا يفتر عن العمل، فإن الفراغ بلاء، ولا يعجب بما هو فيه، ويخلو بيته من الفضول، وهو ما فضل عن يومك لأهل الإرادة، وما فضل عن وقتك لأهل المعرفة، ويقطع ما يقطعه عن الله تعالى}.

وكان الغزالي يرى أن القلب إذا طهر من أدران المعاصي، وصقل بالطاعات، أشرقت صفحته، فانعكس عليها من اللوح المحفوظ ما شاء الله أن يكون، وهذا هو المعروف بالعلم اللدني أخذاً من قول الله تعالي في محكم آيات القرآن الكريم {وآتيناه من لدنا علما}. ومن يصل إلى هذه الحال لا يهمه ولا يحزنه بحثاً عن رزق، لأن الله تعالى قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}.

وقد طبّق الغزالي هذا المنهج على نفسه حتى صقل قلبه، كما يخبرنا قائلاً: {وانكشف لي أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به، أني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خصوصاً، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به... وأنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد}.

لكن الغزالي لم يسقط أبداً في شطحات المتصوفة، بل ظل طيلة حياته منحازاً إلى {الشريعة} وليس إلى {الحقيقة}، كما يراها أهل التصوف، وظل يهاجم من قالوا إن الثانية فوق الأولى، والتصوف فوق التكاليف، وكان يقول دائماً: {خلاصة العلم أن تعلم أن الطاعة والعبادة ما هي؟ ... واعلم أنهما متابعة الشارع في الأوامر والنواهي بالقول والفعل، فالعلم والعمل بلا اقتداء الشرع ضلالة، وينبغي ألا تغتر بشطج الصوفية وكراماتهم، لأن سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة، وقطع شهوة النفس، وقتل هواها بسيف الرياضة، لا بالطامات والترهات}.

ويذهب الغزالي في {إحياء علوم الدين} إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يقر بأن {من يقل بسقوط التكاليف فقتله أفضل في دين الله}. ويبرر هذا بقوله: {إن هذا ضرره في الدين أعظم لأنه يفتح باباً من الإباحة لا ينسد}، ثم يصف كلام أصحاب الشطحات بأنه ليس إلا تشويشاً للقلوب، وحيرة للعقول والأذهان.
والتصوف عند الغزالي يعتمد اعتماداً كلياً على القلب، إذ ذهب، رغم إيمانه بدور الحس والعقل في تحصيل المعرفة، إلى أن هناك معرفة لا تدرك إلا بالقلب، لأننا ندرك به معقولات لا نظير لها في عالم المحسوسات. ويرى الغزالي أن القلب محل العلم ويشبهه بمرآة تعكس الصور، فإن كانت نظيفة تجلت الصور كما هي، وإن كانت غير ذلك ظهرت الصور على صفحتها مشوهة، لا تعبر عن ذاتها تعبيراً حقيقياً. وهنا يقول: {قلب الطيع الصالح ليس يتضح فيه جلية الحق، لأنه ليس يطلب الحق، وليس محاذياً بمرآته شطر المطلوب، بل ربما يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية، أو بتهيئة أسباب المعيشة. ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية، والحقائق الخفية والإلهية، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال، وخفايا عيوب النفس، إن كان متفكراً فيها، أو مصالح المعيشة إن كان متفكراً فيها. وإذا كان تقييداً لهم بالأعمال وتفصيل الطاعات مانعاً عن انكشاف حقيقة جلية الحق فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات الدنيوية ولذاتها وعلائقها، فكيف لا يمنع عن الكشف الحقيقي}.

ويطلب الغزالي من الشيخ أن يوضح لمريديه معالم الطريق، ويشرح له مشقته، ويبين له أن هذا الأمر ليس سهلاً، وأن الدرب إلى الله طويل، والسفر فيه صعب لا يقدر عليه إلا من ألقى الدنيا وراء ظهره، ونفذ من العالم الحسي المادي المباشر إلى فضاء اللامحسوس واللاملموس. ويرى أن المريد يجب أن يتحصن بأمور أربعة هي الخلوة والصمت والجوع والسهر. فالخلوة ضرورية لتصفية قلب المريد من شواغل الدنيا، والصمت ضروي لأنه يبعد ما يشغل القلب، ولأنه ينقح العقل، ويجلب الورع ويعلم التقوى. والجوع يبيض القلب فيشرق بنور الله، ويقلل من دمه، ويزيل عنه الشحم الجاسم عليه. أما السهر فيساعد على تصفية القلب، ويخلع عنه الكسل، ويفتح للمرء باباً وسيعاً لمناجاة الله خالياً.

لم يعش أبو حامد الغزالي سوى 54 عاماً، وتوفي عام 1111، لكنه أنتج في عمره القصير آلاف الصفحات في مختلف ألوان المعرفة الإنسانية، وفرض على كل من أتى بعده أن يرجع إليه في أمور شتى.

أشهر كتبه
{إحياء علوم الدين، بداية الهداية، المنقذ من الضلال، مقاصد الفلاسفة، تهافت الفلاسفة، معيار العلم (مقدمة تهافت الفلاسفة)، محك النظر، ميزان العمل، الاقتصاد في الاعتقاد، المستصفى في علم أصول الفقه، الوسيط في المذهب، الوجيز في فقه الإمام الشافعي، فضائح الباطنية، القسطاس المستقيم، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، التبر المسبوك في نصيحة الملوك، آداب النكاح وكسر الشهوتين، أيها الولد المحب، كيمياء السعادة (بالفارسية)، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، المنخول في علم الأصول}.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 11:28 AM   [10]
::.عضو متميز.::


ياسر داؤد

الملف الشخصي
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

Ok رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك أستاذنا الجليل عبد الرازق
على ما قدمت من تعريفات صحيحة لعلم التصوف الاسلامي
وهذا هو ما نريده من محبي التصوف ومريدينه أن يوضحوا
للناس ماهية التصوف الحقيقي وتنقيته مما يدعيه الناس
عليه هذه الأيام.

ياسر داؤد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 12:45 PM   [11]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الجعفري المغربي مشاهدة المشاركة
مشروعية التصوف لا أساس لها و لذلك عمدوا-اي المتصوفة-الى الزج ببعض التابعين و الصالحين في التاريخ الصوفي لاضفاء نوع من الشرعية لهذا المنهج الذي تأثر ببعض الفلسفات كاليونانية
أخى الفاضل الجعفرى المغربى بارك الله فيك على مداخلتك الكريمة
وكنت أود توضيح أسباب عدم الشرعية التى ذكرتها
وما رأيك فيما قاله بعض اعلام التصوف عن التصوف

فقد أجمل أصوله الشيخ محمد أمين الكردي في مؤلفه القيم (تنوير القلوب) بقوله: وأصول التصوف خمسة:
1ـ تقوى الله في السر والعلانية، وتتحقق بالورع والاستقامة.

2ـ واتباع السنة في الأقوال والأفعال. ويتحقق بالحفظ وحسن الخلق.

3ـ والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، ويتحقق بالصبر والتوكل.

4ـ والرضا عن الله في القليل والكثير، ويتحقق بالقناعة والتفويض.

5ـ والرجوع إلى الله في السراء والضراء، ويتحقق بالشكر في السراء والالتجاء إليه في الضراء.
وهذه أقوال بعض العارفين

ـــ التصوف إسترسال النفس مع الله تعالى على ما يريده " رويم"

ـــ التصوف ألا تملك شيئا ولا يملكك شيء " سمنون"

ـــ التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني "الجريري"

ـــ التصوف أن يكون العبد في كل وقت مع ما هو أولى "عمرو بن عثمان المكي"

ـــ التصوف خلق: فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في التصوف "الكتاني"

ـــ التصوف الاناخة على باب الحبيب وإن طرد عنه "الوذباري"

ـــ التصوف الإنقياد للحق "المزين"

ـــ التصوف صدق التوجه لله تعالى " زروق"

" القائمون بعقولهم على همومهم والعاكفون عليها بقلوبهموالمعتصمون بسيدهم من شر نفوسهم هم الصوفية"عبد الواحد بن زيد

" الصوفي هو الذي لايتعبه طلب ولا يزعجه سلب" ذو النون المصري

" الصوفي مأخوذ من الصفاء وهو القيام لله عز وجل في كل وقت بشرط الوفاء" أبو الحسن القتاد

" الصوفية هم العلماء بالله وبأحكام الله العاملون بما علمهم الله تعالى المتحققون مما استعملهم الله عز وجل الواجدون بما تحققوا الفانون بما وجدوا لأن كل واجد قد فني بما وجد" السراج الطوسي

" الصوفي من صفا قلبه لله عز وجل"بشر الحارث

" الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ من العبر وانقطع لله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر"سهل التستري

الصوفية في صدر الإسلام

سؤال: لماذا لم تنتشر الدعوة إلى الصوفية في صدر الإسلام، ولماذا لم تظهر إلا بعد عهد الصحابة والتابعين، وهل جاءت بجديد أم هي امتداد لدعوة الإسلام؟

جواب: لم تكن هناك حاجة إلى هذه الدعوة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة كانوا بسبب قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، أهل ورعٍ وتقوى، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمزكي والمربي، فليست هناك حاجة لتلقينهم علوماً ترشدهم إلى أمور، هم قائمون عليها، وهم القدوة الحسنة والمثل الأعلى بها. فالرجال الذين سبقوا التسمية باسم (الصوفية) من الصحابة والتابعين، وإن لم يَتَسَمَّوا بالصوفية، كانوا في حقيقة الأمر صوفيين، ولا يهمنا الاسم بقدر الجوهر والحقيقة. وإلا فما هي الصوفية إن لم تكن تعني إلا أخلاق الصحابة والتابعين، الذين هم خير من أقبل على الله بالقلب والروح في السر والعلن، في السراء والضراء، وهم الذين قاموا بفرائض الإسلام وعقائد الإيمان، وتحققوا من مرتبة الإحسان، فاستنارت بصائرهم، وهم الذين تربوا على يدي مرشد البشر وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم !.

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 01:03 PM   [12]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسر داؤد مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك أستاذنا الجليل عبد الرازق
على ما قدمت من تعريفات صحيحة لعلم التصوف الاسلامي
وهذا هو ما نريده من محبي التصوف ومريدينه أن يوضحوا
للناس ماهية التصوف الحقيقي وتنقيته مما يدعيه الناس
عليه هذه الأيام.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أخى الكريم الأستاذ ياسر
مرورك الكريم تشريف لنا جزاك الله كل الخير على مداخلتك مانقدمه هو نقطة فى بحر المعرفة لهذا العلم وأقطابه الحقيقيون مستندا إلى شريعة الإسلام، دعامته الفضائل الخلفية الإسلامية،
فجوهر التصوف هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى وهذا التقرب يتم بالقيام بالفرائض كلها ثم بالنوافل، وهذه لا تشمل العبادات المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج فحسب، وإنما تتعدى ذلك إلى فعل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة، هذا بإيجاز هو وصف التصوف الإسلامي الصحيح والمقبول.

تقبل تحياتى وتقديرى

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 15-04-10 , 01:45 PM   [13]
::.عضو متميز.::


عبدالرازق محمد

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

أبو مدين الغوث
أستاذ الألف شيخ وإمام الزاهدين
.


تمرّد على حاله وهو طفل غرير، بعد أن خطف رجال الله بصره وقلبه، فهرول وراءهم بقدر ما أسعفته طاقته المهيضة. ترك رعي الغنم، ليرعى المعرفة ويربيها على مهل، يهضمها ويتذوقها ويتدبرها فتدور بين عقله وقلبه ونفسه وتنتهي في ما بعد إلى لسانه فينطق بها حكمة صافية وآراء غاية في البساطة والعمق وشعراً وتواشيح عذبة في العشق الإلهي. ساح كثيراً في الأرض، ومشى في مناكبها على قدر استطاعته، فلما اختار منها مكاناً ليقطنه، آنس إليه خلق كثير، يستزيدون من علمه، ويقفون على مواجيده وأذواقه، فلم يبخل عليهم بشيء.

وُلد شعيب بن حسين الأنصاري سنه 515 هـ على الأرجح في قرية حسن قطنيانة التابعة لأشبيلية في بلاد الأندلس. توفي والده وتركه طفلاً بين أخوة أكبر منه، فأسندوا إليه مهمة رعي أغنام قليلة ورثوها. وكان في غدوه ورواحه يمر بمقارئ القرآن، وحلقات الذكر، فيتوقف أمامها متدبراً مسحوراً، وفي نفسه أمل عريض أن ينضم يوماً إلى قافلتهم الرائعة. وهنا قال هو: {إذا رأيت من يصلي، أو من يقرأ القرآن، أعجبني، ودنوت منه، وأجد في نفسي غماً، لأنني لا أحفظ شيئاً من القرآن، ولا أعرف كيف أصلي}.

لم يفارق هذا المشهد الطيب الأثير نفس شعيب، فدبر أن يعيشه مهما كان. وذات يوم فرّ من أخوته ومهمته، وراح يسرع إلى حيث أهل الذكر. لكن إخوته فطنوا إلى هروبه، فتعقبه أحدهم حتى لحق به، وزجره وهدده بالقتل إن لم يرجع معه، فعاد كسيف البال، محسوراً، إلا أنه لم يقطع الأمل أبداً في أن ينال يوماً ما يريد.
وذات ليلة، ظل أبو مدين ساهراً، حتى ظن أن إخوته قد غشيهم النوم، ففر هارباً، وسلك طريقاً آخر، ممنياً نفسه بألا يكتشف أحد منهم أمره، وأن يصل في النهاية إلى مراده. لكن أخاً له تعقبه مرة ثانية، بعد أن اكتشف غيابه عن الدار، وبلغ الغيظ بالأخ حداً مفرطاً، فرفع سيفه ليضرب شعيب، لكن الغلام صد السيف بعصا كانت في يده فانكسر. وعندها وقف أخوه الأكبر والاندهاش يكاد يعقد لسانه، وهو ينظر إلى العصا السليمة والسيف المكسور. وأدرك في لحظة أن هناك ما هو أكبر وأعلى من قدرة الأخ الأصغر وعصاه، فأطاع الهاتف الذي هز أعماقه، وقال لأخيه: {لك ما تريد}. فكانت أولى خطوات أبو مدين في طريق الله.
وسار بعدها الغلام إلى البحر، فألفى خيمة عامرة بالناس، ووقف عندها ينتظر، وبعد برهة خرج شيخ وسأله عن غايته، فبث له الفتى خواطره، فأمره أن ينصرف إلى تعلم العلم، وقال له ما لم ينسه أبداً: {إن الله لا يُعبد إلا بالعلم}.

وبعدها عبر أبو مدين البحر، بعد أن صار عاملاً على متن إحدى السفن، حتى وصل إلى طنجة، فلم يجد فيها بغيته، فسار إلى سبتة، ومكث فيها فترة عمل خلالها مساعداً لبعض الصيادين، لكن هذه المدينة لم تمنحه ما يريد، فما كان منه إلا أن سار إلى مراكش، وهناك التقى بعض أهل الأندلس فألحقوه للعمل بالجندية، ليجد أناساً غليظي القلوب، لا يستنكفون أن يأكلوا عطاءه، ويهضموا حقه، ويلحوا عليه في أن يقسو على الناس. وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فأسر إلى أحدهم بالسبب الذي أخرجه من داره وأطلقه إلى هنا، فقال له: {اذهب إلى فاس وستجد هناك ما تسعى إليه}.

أيام التلمذة
لما وصل أبو مدين فاس لزم مسجدها، وتعلّم الوضوء والصلاة، ثم اختار لنفسه حلقة ذكر وجلس إليها، وتنقل بين حلقات عدة، لكن عقله لم يلتقط الكثير، وكأن الشيوخ يتحدثون إلى مريديهم بلغة أعجمية. لكن ذلك لم يوهن من عزيمة أبي مدين فاستمر في تردده على مجالس العلماء، ونهل من معارفهم حتى ارتوى، فاكتمل له ما يجعله واحداً منهم. وكانت فاس آنذاك تعج بأفكار الموحدين التي قامت على علوم الكلام والفقه، وبرز في هذا المضمار علماء كثر. وساقه القدر أخيراً إلى حلقة الشيخ أبو الحسن بن حرزهم، الذي كان يتحدث بطريقة غير مستغلقة على الأفهام، في الفقه والتصوف. كذلك تعلم أبو مدين على يد الشيخ صالح أبو عبد الله الدقاق، وهو من كبار المتصوفة.

ذات مرة دنا أبو مدين من ابن حرزهم بعد أن فرغ من الدرس، وقال له: {حضرت مجالس كثيرة، فلم أثبت على ما يقال، وأنت كلما سمعت منك حفظته}. فرد عليه الرجل: {هم يتكلمون بأطراف ألسنتهم، فلا يجاوز كلامهم الآذان، وأنا قصدت الله بكلامي، فيخرج من القلب}.

وسرد أبو مدين طريقته في تلقي العلم، التي بيّنت حرصه على أن يتعدى مجرد حفظ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إلى تدبر معانيها، وتذوق مراميها، والإلمام بأحكامها: {كنت إذا سمعت تفسير آية من كتاب الله تعالى، ومعه أحد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قنعت بهما، وانصرفت إلى خارج فاس، لموضع خال من الناس، اتخذته مأوى للعمل بما يفتح عليّ من الآية والحديث، ثم أعود إلى فاس فآخذ آية وحديثاً وأخرج إلى خلوتي}.
وبعدها ساح في بلاد أفريقيةشتى، وزار مكة، والتقى هناك الصوفي الكبير عبد القادر الجيلاني الحسني، مؤسس الطريقة القادرية، فأخذ عنه في الحرم الشريف كثيراً من الأحاديث، وألبسه خرقة الصوفية، وأودعه كثيراً من أسراره. وكان أبو مدين يفتخر بهذه الصحبة، ولم ينس الكثير من أوراد القادرية، وكان أول من نقلها إلى المغرب.

اكتمال المقام
استقر المقام بأبي مدين في {بجاية} التي كانت آنذاك قد بلغت أوج إشعاعها الثقافي والحضاري على عهد الحماديين: (408 -547 هـ) ثم الموحدين. وجاء أبو مدين إلى بجاية يسبقه صيته، فالتف الناس حوله، ونهض المريدون إليه، فتعلّم على يديه أكثر من ألف تلميذ، أضافوا الكثير إلى مسيرة التصوف والفقه. وقد أطلق عليه تلامذته كثيراً من الألقاب مثل: {شيخ المشائخ}، {الجامع بين الحقيقة والشريعة}، {صاحب مقام التوكل}، مخرج الألف شيخ}، {علم العلماء}، {الحافظ}، {المفتى}، {صاحب الكرامات والخوارق}، و}القطب الغوث}.

وكان ما قال أبو مدين في بجاية يخالف مذاهب فقهاء الموحدين، فأثار قلقهم، لا سيما بعد أن بلغت شهرته الآفاق، وزاد عدد مريديه إلى حد ملأ الأسماع والأبصار. وأحد الكتب التي كان يطلب من تلامذته مطالعته على الدوام {المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى} لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، الذي ينطوي على بعض أسرار علم المكاشفة.

قال عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني: {هو أحد أعيان مشايخ المغرب، وصدور المربين، وشهرته تغني عن تعريفه}. أما صاحب {الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية} فيصفه بأنه {الأستاذ الأعظم، العارف الأفخم، عظيم الأكابر، رأس الصوفية في وقته، ورئيسهم المشهور، علم نعته زاهر، زاهد مراقب مشاهد، يقضد ويزار، من جميع الأقطار، وببنان العرفان إليه يشار}.

ووصفه صاحب شذرات الذهب: {كان من أهل العمل والاجتهاد منقطع القرين في العبادة والنسك، بعيد الصيت}. أما صاحب طبقات المالكية فقال في حقه كلمات مؤثرة، إذ وصفه بأنه {شيخ المشايخ، وسيد العارفين، وقدوة السالكين. شيخ الطريقة، جمع الله له علم الشريعة والحقيقة. كان من الفضلاء وأعلام العلماء، ومن حفاظ الحديث، خصوصاً الترمذي، وكان يقوم عليه. وكانت ترد إليه الفتاوى في مذهب مالك، فيجيب عنها في الوقت. مناقبه شهيرة، وكراماته كثيرة}. وأوضح الشيخ أبو الصبر: {أبو مدين زاهد فاضل عارف بالله تعالى، خاض بحار الأحوال، ونال أسرار المعارف، خصوصاً مقام التوكل. لا يشق غباره، ولا تجهل آثاره}. وأخيراً يشير الدكتور عبد الحليم محمود إلى أن الآلاف خرجوا من ظلمة المعاصي إلى نور الهداية من خلال أبي مدين‏، ولما انتهت به الحياة‏، كان أثره ضخماً ورصيده في الخير كبيراً‏‏

تصوفه وشعره
حدد أبو مدين الغوث معالم طريق القرب من الله بقوله‏: {‏من اشتغل بطلب الدنيا ابتلى فيها بالذل}.‏ وحذّر من الميل إلى غير الله بقوله‏:‏ {إياك أن تميل إلى غير الله فيسلبك لذة مناجاته}‏.‏
وكان يردد دائماً العبارات التالية:
-‏ {الله الحق‏. ‏وكلماته كلها مدارها الحق}.
- {الحضور مع الحق جنة‏،‏ والغيبة عنه نار‏، والقرب منه لذة‏، والبعد عنه حسرة‏، والأنس به حياة‏،‏ والاستيحاش منه موت}.
- {نسيان العبد للحق طرفة عين خيانة}‏.‏
- {لا تقنط الناس وذكرهم بأنعم الله تعالى}.
- {من خدم الصالحين ارتفع بخدمته}.
- {أبناء الدنيا يخدمهم العبيد والإماء، وأبناء الآخرة الأحرار والكرماء}.
- {شاهد مشاهدته لك، ولا تشاهد مشاهدتك له}.
- {القريب مسرور بقربه، والمحب معذب بحبه}.
- {ليس للقلب إلا وجهة واحدة، متى توجه إليها حجب عن غيرها}.
- {لا يصلح سماع هذا العلم إلا لمن حصلت له أربعة، الزهد، والعلم والتوكل واليقين}.

والتقوى عنده أن ترى الله في أعمالك كافة، والتوكل الاعتماد على الله‏،‏ فلا يغلب على ذكرك إلا الله‏، والتصوف التسليم لله‏،‏ وحقيقته ألا تذكر ولا تشاهد سواه‏‏: {‏الله ربي لا أريد سواه‏،‏ هل في الوجود الحي إلا الله}.
والطريق عند أبي مدين يبدأ بالتوبة‏،‏ ثم الإرادة‏‏: {‏طلب الإرادة قبل تصحيح التوبة غفلة‏.‏ ومع التوبة تكون الطاعات‏،‏ فمن يهمل الفرائض ضيع نفسه‏}.

وكان أبو مدين فقيهاً مفتياً، يقصده الناس أو يراسلونه من أطراف الأرض للاستفتاء فيفتيهم، وكانت له مواقف ومخاطبات صوفية على شاكلة مواقف البسطامي والنِّفَّري ومخاطباتهما الصوفية، وكانت لـه منامات رمزية، وذكر صاحب الكواكب الدرية أن الشيخ قد ترك تصانيف منها كتاب {أس التوحيد}، لكن معظم تراثه لا يزال في حكم الضياع، وينتظر من ينقب عنه، ويعثر عليه.

وكان الشيخ قوّالاً للحكمة ناظماً للشعر، بما في ذلك الموشحات والأزجال، من أشهرها {القصيدة اللامية} في الاستغاثة والأدعية، وتتألف من 25 بيتاً، أبرزها:
لأَِلْطَافِكَ الحُسْنَى مَدَدْتُ يَدَ الرَجَا
وَحَالِي كَمَا تَدْرِي، وَأَنْتَ المُؤَمَّلُ
قَصَدتُكَ مَلهُوفًا فُؤَادِي لـِمَا طَرَا
وَ أَنْتَ رَؤُوفُُ مُحسِنُُ مُتَفَضـِّلُ
...
وَ أَزْكَى سَــلاَمٍ لاَ يَزَالُ عَبِيرُهُ
يَفُوقُ عَلَى المِسْكِ الذَّكِيِّ وَ يَفْضُلُ
وَآلٌ وَ أَصْحَابُُ، بـُدُورُُ وَسَادَةُُ
تَحَلُّوا فَكُـلُُّ فِي حُـلاَّهُ مُكَمَّـلُ

ثمة أيضاً قصيدة {النونية الخمرية} التي يُقال إن عمر بن الفارض تأثر بها، حين نظم {ميميته} الشهيرة:
أَدِرْهَا لَنَا صِرْفًا وَ دَعْ مَزْجَهَا عَنَّـا
فَنَحْنُ أُنَاسٌ لاَ نَعْرِفُ الْمَزْجَ مُذْ كُنَّا
وَ غَنِّ لَنَا فَالْوَقْتُ قَدْ طَابَ بِاسْمِهَا
لأِنَـا إِلَيْهَا قـَدْ رُحـْنَا بِهَا عَـنَّا
أما آخرها قال:
وَحَتَى غُصُونُ الْبَانِ مَالَتْ تَرَنُّمًا
وَغَنـَّتْ عَلَيْهِ كـُلُّ صَادِحَةٍ شَجْنَا
أَهَلْ عَائِدٌ لِيَ وَقْتٌ كَيْ أَرَى بِهَا
خَيَالَ سِوَى زَائِرِ مَـضْجَعِي وهَـْنَا.

الاستعداد للرحيل


ولما اشتهر أمره ببجاية وشي به بعض علماء الظاهر عند الخليفة الثالث للدولة الموحدية يعقوب المنصور، الذي امتدت ولايته من 580 إلى 595 هـ، قالوا له في وشايتهم: إنه خطر على دولتكم، فإن له شبهاً بالإمام المهدي، وأتباعه كثر في كل بلد، فوقع في قلبه، وأهمه شأنه، فبعث إليه يطلب منه القدوم عليه ليختبره، وكتب لصاحبه أن يحمله خير محمل.

فلما أخذ أبو مدين يستعد للسفر إلى مراكش، عاصمة الدولة الموحّدية، للمثول بين يدي المنصور شق ذلك على أصحابه، فطمأنهم الشيخ وكان مما قاله لهم: {شعيب شيخ كبير ضعيف لا قوة له للمشي، ومنيته قدّرت بغير هذا المكان، ولا بد من الوصول إلى موضع المنية، فقيض الله لي من يحملني إلى مكان الدفن برفق، ويسوقني إلى مرام المقادير أحسن سوق، والقوم لا أراهم ولا يروني (يقصد السّلطان)}، فرق حالهم لذلك، وطابت نفوسهم، لاعتقادهم أن ذلك من كراماته.

فلما وصل الموكب به إلى ولاية تلمسان، مرض الشيخ مرضاً شديداً، حتى وافته المنية في وادي يسر سنة 594 هـ، وحمل الجثمان إلى قرية العباد، مدفن الأولياء، وكانت جنازته يوماً مشهوداً، خرج فيها أهل تلمسان عن بكرة أبيهم، تقديراً منهم للولّي الكبير، ومنذ ذلك الحين، صارت تلمسان مدينة أبي مدين، يعرف بها وتعرف به.

وقيل إن أبا مدين ردد قبيل وفاته: {لا بأس من النوم في هذا المكان}. ثم كانت الإغماضة الأخيرة. وقال أبو علي الصواف: {لما احتضر الشيخ أبو مدين استحييت أن أقول له: أوصني، فأتيته بغير، وقلت له: هذا فلان فأوصه}. فقال: سبحان الله، وهل كان عمري كله معكم إلا وصية؟ وأي وصية أبلغ من مشاهدة الحال؟ وقال الصواف: {سمعته عند النزع الأخير قال: الله الله الله، الله الحق، الله الحي، حتى رق صوته، وصمت إلى الأبد}.
يتبع

سبحان الله وبحمده .. عدد خلقه .. وزنة عرشه .. ومداد كلماته

عبدالرازق محمد غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 30-04-10 , 09:00 AM   [14]
::.عضو جديد.::


صلاح عبده

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس

Urgent رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

الاخ الكريم والعا لم الفاضل حقا ماقلت هؤلاء هم الصوفيه

صلاح عبده متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 30-04-10 , 09:53 PM   [15]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: مفهوم التصوف وأركانه ورموزه وشيوخه الكبار،


 

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرازق محمد مشاهدة المشاركة
أخى الفاضل الجعفرى المغربى بارك الله فيك على مداخلتك الكريمة
وكنت أود توضيح أسباب عدم الشرعية التى ذكرتها
وما رأيك فيما قاله بعض اعلام التصوف عن التصوف

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل أود أن أجيبك على هذه العبارة وهى :
وما رأيك فيما قاله بعض اعلام التصوف عن التصوف .
فأقول لك أخى الحبيب : إن ما قاله بعض أعلام التصوف فإن وافق الحق فهو حق وعلى أى إنسان أن يأخذ بالحق على لسان من قال به كائنا من كان فهذا هو ديننا . وإن لم يوافق الحق فهو باطل ومن قال بالباطل رددنا عليه باطله أيضا كائنا من كان .
فنحن مع الحق لا ننظر إلى من قال ولكن ننظر إلى ما قال . ولا يهمنا إن كان من التصوف أم من غيره طالما أنه على الحق .

أعتقد أنك تتفق معى فى هذا .
ثم إن منهج الإنسان لايؤخذ من جملة أو جملتين أو عبارة أو عبارتين . ولكن يوزن الإنسان بميزان الشريعة جملة فإن وافقها فعلى العين والرأس وإن لم يوافقها طرحناه وما يقول . وأخذنا ما معه من الحق .
فكثير من الفلاسفة والمتكلمين والحكماء حتى وإن لم يكونوا مسلمين فإن لهم كلاما غاية فى الروعة . فطالما وافق قولهم الحق أخذنا وإن لم يكونوا مسلمين .
فقد صلى سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما في بيت نصرانية فقال لها أبو الدرداء رضى الله عنه : هل في بيتك مكان طاهر فنصلي فيه ؟ فقالت طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما فقال له سلمان رضى الله عنه : خذها من غير فقيه .
فانظر أخى الحبيب إلى قول سلمان وهو يقر ما قالته النصرانية : خذها من غير فقيه .

ياربّ إنْ عَظمت ذُنوبي كَثْرةًً ... فلقد عَلِمتُ بأنَّ عَفْوَك أعْظَـمُ
إن كان لا يَرْجوك إلا مُحْسِنٌ ... فَبِمـن يَلـوذ ويستجيرالمُجْرِمُ
أدْعُوك ربِّ كماأمرتَ تَضرُّعاً ... فإذا رَدَدْتَ يدِي فمن ذا يَرْحم
مالي إليك وسيلـةٌ إلا الرّجـا ... وجَميلُ عَفـوك ثم أني مُسْلِمُ
موقعنا على الفيس بوك
http://www.facebook.com/home.php?sk=...073729807&ap=1

محمود محمدى العجوانى متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التصوف فريضه فى شريعة الوصول الى الله متيم ال البيت الصوفية 1 03-06-10 08:21 PM



الساعة الآن 12:08 PM.


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

منتديات تهتم بامور آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكرام و انسابهم و ذريتهم و شؤونهم و صلة ارحامهم == جميع حقوق المواضيع و الابحاث محفوظة للمنتدى - أنسابكم
تنويه هام : المنتدى لايقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط
ان جميع المقالات و المشاركات و الاراء المنشورة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة أو اصحاب المنتدى و انما تعبر عن رأي كاتبها فقط . هذا و لا يعتبر المنتدى أو ادارته أو مسؤوليه, مسؤولين عن اي كتابة أو موضوع منشور في المنتدى يخالف شروط التسجيل و القوانين المعمول بها لدى ادارة المنتدى