بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصر الأمل لابن أبي الدنيا بسم الله الرحمن الرحيم (1/1)
1 - أخبرنا الشيخ أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين المعروف بالسراج البغدادي القاري ، قدم علينا من دمشق قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز ، قراءة عليه في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة ، وقال : أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى ابن المنصور ابن برية الهاشمي في يوم الجمعة قبل الصلاة مستهل جمادى الآخرة ، من سنة أربع وأربعين وثلاثمائة في منزله من مدينة المنصور أبي جعفر قال : حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي المعروف بابن أبي الدنيا قال : حدثنا خالد بن خداش بن عجلان المهلبي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ببعض جسدي ، فقال : « يا عبد الله بن عمر ، كن في الدنيا كأنك غريب ، وكأنك عابر سبيل (1) ، وعد نفسك من أهل القبور » قال مجاهد : ثم قال لي ابن عمر : « يا مجاهد ، إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك لموتك ، ومن صحتك لسقمك ، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا » . حدثنا عبد الله قال : حدثنا عمرو بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه
__________
(1) السبيل : الطريق (1/2)
2 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي ، قال : حدثنا محمد بن الحسن الأسدي ، قال : حدثني اليمان بن حذيفة ، عن علي بن أبي حنظلة مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أشد ما أتخوف عليكم خصلتين (1) : اتباع الهوى (2) ، وطول الأمل . فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق . وأما طول الأمل فالحب للدنيا » ثم قال : « إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض (3) . وإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان ، ألا إن للدين أبناء ، وللدنيا أبناء . فكونوا من أبناء الدين ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا . ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ، والآخرة قد ارتحلت مقبلة ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ألا وإنكم توشكون في يوم حساب وليس فيه عمل »
__________
(1) الخصلة : خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رزيلة
(2) الهوى : كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه
(3) البغض : عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت (1/3)
3 - حدثنا عبد الله قال : حدثني الحسين بن محمد يعني الزعفراني ، قال : حدثنا معاوية بن معاوية ، قال : حدثنا علي بن . . . ، قال : حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أخوف ما أخاف على أمتي : الهوى (1) وطول الأمل فأما الهوى فيصد عن الحق . وأما طول الأمل فيصد عن الآخرة . وهذه الدنيا مرتحلة . وهذه الآخرة قادمة ، ولكل واحد منهما بنون ، فكونوا بني الآخرة ولا تكونوا من بني الدنيا ، فإنكم اليوم في دار العمل ، وأنتم غدا في دار جزاء ولا عمل »
__________
(1) الهوى : كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه (1/4)
4 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو إسحاق الآدمي ، قال : حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثنا علي بن ثابت ، عن الوازع بن نافع ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أم المنذر ، قالت : اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عشية إلى الناس فقال : « أيها الناس ، أما تستحيون (1) من الله ؟ قالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : » تجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون ، وتبنون ما لا تعمرون «
__________
(1) استحيا : انقبض وانزوى (1/5)
5 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني العباس بن جعفر ، قال : حدثنا محمد بن المصفى ، قال : حدثنا محمد بن حمير ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : اشترى أسامة بن زيد بن ثابت وليدة (1) بمائة دينار إلى شهر ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر ؟ إن أسامة لطويل الأمل ، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي ، ولا رفعت طرفي (2) فظننت أني واضعه حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت » ، ثم قال : « يا بني آدم ، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى ؛ والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت ، وما أنتم بمعجزين »
__________
(1) الوليدة : الأمة أو الجارية المملوكة
(2) الطرف : النظر (1/6)
6 - حدثنا عبد الله قال : حدثني عصمة بن الفضل ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى ، عن عبد الله ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن حنش ، عن ابن عباس ، : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان يهريق (1) الماء ، فيتمسح بالتراب ، فأقول : يا رسول الله ، إن الماء منك قريب ؟ ، فيقول » وما يدريني لعلي لا أبلغه «
__________
(1) يهريق : يريق ويسيل ويسكب (1/7)
7 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو الحسن الهيثم بن خالد البصري ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا عبد الله بن المثنى بن أنس ، قال : حدثني رجل من آل أنس ، عن أنس ، قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قد اتخذ قبالا (1) من حديد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أما أنت فقد أطلت الأمل ، وزهدت في الأجر ، وكرهت الحسنات ، إن أحدكم إذا انقطع شسعه (2) فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كان عليه من ربه الصلاة والهدى والرحمة ، فذاك خير له من الدنيا »
__________
(1) القِبال : السير من سيور النعل يُربط بين الإصبعين
(2) الشسع : سير يمسك النعل بأصابع القدم (1/8)
8 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن جده أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع أنامله على الأرض فقال : « هذا ابن آدم ، وهذا أجله من خلفه ، وثم أمله ، وأشار بيديه » (1/9)
9 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا علي بن الجعد الجوهري ، قال : أخبرني علي بن علي الرفاعي ، عن أبي المتوكل الناجي ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعواد ، فغرز عودا بين يديه ، والآخر إلى جنبه ، وأما الثالث فأبعده ، وقال : « هل تدرون ما هذا ؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : « هذا الإنسان ، وهذا الأجل (1) ، وذاك الأمل ، يتعاطاه ابن آدم ويختلجه دون الأمل » حدثنا عبد الله قال : حدثني أبو هريرة الصيرفي ، قال : حدثني حرمي بن عمارة ، عن علي بن علي الرفاعي ، قال : حدثنا أبو المتوكل ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه
__________
(1) الأجل : هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ، والحين والزمان ، والأجل العُمر (1/10)
10 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي ، قال : حدثنا خلاد بن يحيى ، قال : حدثنا بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصاتين ، فرمى بهما ، وقال : « هذا الأجل ، وهذاك الأمل » (1/11)
11 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن فراس الضبعي ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا أبو العوام ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية (1) ، إن أخطأته المنايا (2) وقع في الهرم (3) »
__________
(1) المنية : الموت
(2) المنايا : جمع منيَّة وهي الموت
(3) الهرم : كِبر السّن وضعفه (1/12)
12 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو خيثمة ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد ، قال : قال ابن مسعود : « هذا المرء وهذه الحتوف حوله شوارع إليه ، والهرم (1) وراء الحتوف ، والأمل وراء الهرم ، فهو يأمل ، وهذه الحتوف شوارع إليه ، فأيها أمر به أخذه ، فإن أخطأته الحتوف قتله الهرم ، وهو ينظر إلى الأمل »
__________
(1) الهرم : كِبر السّن وضعفه (1/13)
13 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو خيثمة ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، قال : حدثنا أبي ، عن أبي يعلى ، عن ربيع بن خثيم ، عن عبد الله ، قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا ، وخط وسطه ، وخط خطوطا هكذا إلى جانب الخط ، وخط خطا خارجا فقال : « أتدرون ما هذا ؟ » قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : « هذا الإنسان للخط الذي في وسط الخط ، وهذا الأجل محيط به ، وهذه الأعراض (1) الخطوط تنهشه ، إن أخطأ هذا نهشه ذا ، وذلك الأمل للخط الخارج »
__________
(1) الأعراض : الأمور التي تتعرض له من الأمراض والأحوال المتغيرة والآفات (1/14)
14 - قال : حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، قال : حدثنا ابن أبي الزناد ، عن عمر بن عبد العزيز بن وهيب ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فأدار مدة ، فقال « هذه الدنيا » ، ثم أدار أخرى من ورائها فقال : « هذا الموت » ، ثم أدار أخرى من ورائها ، فقال : « هذا الأمل » . ثم نكت (1) بيده في . . الأولى فقال : « هذا ابن آدم ، فنفسه تتوق إلى الأمل ، والأجل . . . »
__________
(1) النكت : قرعك الأرض بعود أو بإصبع أو غير ذلك فتؤثر بطرفه فيها (1/15)
15 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن أبي عتاب ، قال : حدثنا محمد بن بكار ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل الإنسان والأجل والأمل ، فمثل الأجل (1) إلى جانبه ، والأمل أمامه ، فبينما هو يأمل ، إذ أتاه أجله فاختلجه (2) »
__________
(1) الأجل : هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ، والحين والزمان ، والأجل العُمر
(2) اختلج : انتزع (1/16)
16 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو خيثمة ، قال : أخبرنا وكيع ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يهرم (1) ابن آدم ويبقى منه اثنتان : الحرص (2) والأمل »
__________
(1) الهرم : كِبر السّن وضعفه
(2) الحرص : الرغبة الشديدة في الشيء والشَّرَه إليه (1/17)
17 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا خلف بن هشام ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يهرم (1) ابن آدم ، وتشب منه اثنتان : الحرص على المال ، والحرص على العمر »
__________
(1) الهرم : كِبر السّن وضعفه (1/18)
18 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا سلمة بن شبيب ، قال : حدثنا مروان بن محمد ، عن ابن لهيعة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل » (1/19)
19 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن عباد بن موسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : « قد بلغت ثلاثين ومائة سنة ، فما مني شيء إلا قد عرفت فيه النقصان إلا أملي ، فإنه كما هو » (1/20)
20 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن عباد ، قال : حدثنا غسان بن مالك ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، وحميد ، قالا : « بينما عيسى جالس ، وشيخ يعمل بمسحاته (1) يثير بها الأرض ، فقال عيسى : » اللهم انزع منه الأمل « فوضع الشيخ المسحاة واضطجع . فلبث (2) ساعة ، فقال عيسى : » اللهم اردد إليه الأمل « . فقام ، فجعل يعمل ، فقال عيسى : » ما لك بينما أنت تعمل ألقيت مسحاتك واضطجعت ساعة ، ثم إنك قمت بعد تعمل ؟ « فقال الشيخ : بينما أنا أعمل ، إذ قالت لي نفسي : إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير ؟ فألقيت المسحاة واضطجعت . ثم قالت لي نفسي : والله ما بد (3) لك من عيش ما بقيت ؛ فقمت إلى مسحاتي »
__________
(1) المسحاة : الفأس أو الجاروف وهي مجرفة من حديد
(2) اللبث : الإبطاء والتأخير والانتظار والإقامة
(3) بد : مفر ومحالة (1/21)
21 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثني سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن معمر بن برعمة ، عن الحسن ، قال : « لولا السهو والأمل ما مشى المسلمون في الطريق » (1/22)
22 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا داود بن المحبر ، عن عبد الواحد بن زيد ، عن الحسن ، قال : « السهو (1) والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم »
__________
(1) السَّهْوُ في الشيء : تَرْكُه عن غَيرِ علْم. والسَّهوُ عنه تَرْكُه مع العِلْم (1/23)
23 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد ، قال : حدثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين ، قال : حدثنا سهيل أخو حزم ، عن غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : قال مطرف بن عبد الله : « لو علمت متى أجلي (1) لخشيت على ذهاب عقلي ، ولكن الله من (2) على عباده بالغفلة عن الموت . ولولا الغفلة ما تهنئوا بعيش ، ولا قامت بينهم الأسواق »
__________
(1) الأجل : هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ، والحين والزمان ، والأجل العُمر
(2) المن : الإحسان والإنعام (1/24)
24 - حدثنا عبد الله قال : حدثني سريج بن يونس ، قال : حدثنا أبو سفيان المعمري ، عن سفيان الثوري ، قال : بلغني « أن الإنسان خلق أحمق لولا ذلك لم يهنه العيش » (1/25)
25 - حدثنا عبد الله قال : حدثني سريج بن يونس ، قال : حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، قال : « إنما عمرت الدنيا بقلة عقل أهلها » (1/26)
26 - حدثنا عبد الله قال : أخبرنا سريج ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، أو غيره قال : قال مطرف بن عبد الله : « كلهم أحمق فيما بينهم وبين ربهم ، ولكن بعض الحمق أهون من بعض » (1/27)
27 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا خالد بن مرداس السراج ، قال : حدثنا حماد بن يحيى الأبح ، عن أبيه ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي ، قال : « ثلاث أعجبتني ، ثم أضحكتني ، مؤمل الدنيا والموت يطلبه . وغافل وليس بمغفول عنه . وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه . وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني : فراق محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه (1) والأحبة . وهول المطلع . والوقوف بين يدي ربي ، لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار »
__________
(1) حزبه : أعوانه (1/28)
28 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا يحيى بن بسطام ، قال : حدثنا يحيى بن ميمون ، قال : حدثني واصل مولى أبي عيينة ، قال : حدثني رجل من بلحريش يقال له صالح البراد ، قال : رأيت زرارة بن أوفى بعد موته في منامي ، فقلت : أي الأعمال أبلغ فيما عندكم ؟ قال : « التوكل ، وقصر الأمل » (1/29)
29 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أحمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا أبو سعيد التميمي ، عن مالك بن مغول ، عن الحسن ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « أكلكم يحب أن يدخل الجنة ؟ قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : » قصروا الأمل ، وأثبتوا آجالكم بين أبصاركم ، واستحيوا من الله حق حيائه (1) «
__________
(1) الحياء : الانقباض والانزواء (1/30)
30 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن العباس قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان قال : « الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ (1) ، ولا لبس العباء (2) »
__________
(1) الغليظ : الطعام الغليظ : الخشن
(2) العباء : كساء مشقوق واسع بلا كمين يُلبس فوق الثياب (1/31)
31 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن معمر ، قال : سأل المفضل بن فضالة ربه « أن يرفع عنه الأمل ، فذهب عنه الطعام والشراب . ثم دعا ربه ، فرد عليه الأمل ، فرجع إلى الطعام والشراب » (1/32)
32 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا رستم بن أسامة ، قال : حدثنا سويد الكلبي ، قال : حدثني داود الطائي ، قال : سألت عطوان بن عمرو التميمي ، قلت : ما قصر الأمل ؟ قال : ما بين تردد النفس . قال رستم : فحدثت به الفضيل بن عياض ، فبكى وقال : يقول : يتنفس ، فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه . لقد كان عطوان من الموت على حذر (1/33)
33 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد ، قال : حدثني رستم بن أسامة ، قال : حدثنا محمد بن السماك ، قال : « ما رأيت أحدا أشد حذرا للموت من عطوان بن عمرو » (1/34)
34 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن عباد بن موسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن الحسن : أن ثلاثة علماء اجتمعوا ، فقالوا لأحدهم : ما أملك ؟ قال : ما أتى علي شهر إلا ظنت أني أموت فيه . قال صاحباه : إن هذا لأمل فقالوا للآخر : ما أملك ؟ قال : ما أتت علي جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها . قال : صاحباه إن هذا لأمل . فقالوا للآخر : ما أملك ؟ قال : « ما أمل من نفسه في يد غيره ؟ » (1/35)
35 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا الحميدي ، عن سفيان ، قال : قال مالك بن مغول : يقال : « من قصر أمله هان عليه عيشه » . قال سفيان : يعني في المطاعم والملابس (1/36)
36 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أبو علي الجروي ، قال : حدثنا أبو حفص التنيسي قائم بن عبد الله ، عن هشام بن يحيى الغساني ، عن أبيه ، أنه قال : « ما نمت يوما قط (1) فحدثت نفسي ، أني أستيقظ منه »
__________
(1) قط : بمعنى أبدا ، وفيما مضى من الزمان (1/37)
37 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا سعدويه ، وإسحاق بن إبراهيم ، عن أبي معاوية ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : قيل : يا أبا سعيد ، ألا تغسل قميصك ؟ قال : « الأمر أعجل (1) من ذلك »
__________
(1) أعجل : أسرع (1/38)
38 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الحسن ، قال : « قال بني له : يا أبه ، إن هذا السهم (1) قد انكسر . قال : أيه ؟ قال : هذا . فلحظ (2) إليه لحظة ثم قال : الأمر أسرع من ذلك »
__________
(1) السهم : عود من خشب يسوَّى في طرفه نصل يُرمَى به عن القوس
(2) لحظ : نظر بمؤخر عينه من أي جانبيه كان يمينا أو شمالا ، وقيل : اللحظة : النظرة من جانب الأذن (1/39)
39 - حدثنا عبد الله قال : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا يحيى بن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن الحسن ، قال : « الموت معقود (1) بنواصيكم ، والدنيا تطوى من ورائكم »
__________
(1) معقود : ملازم لها كأنه معقود ومربوط فيها (1/40)
40 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن عباد العكلي ، قال : حدثنا الأسود بن عامر ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد الطويل : أن بكر بن عبد الله المزني ، لقي أبا جميلة ، فقال : « يا أبا جميلة ، كيف أنت ؟ » ، قال : « أنا والله هكذا ، كرجل ماد عنقه والسيف عليها ، ينتظر متى تضرب عنقه » (1/41)
41 - قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا القاسم بن عمرو بن محمد ، قال : حدثنا سويد بن عمرو ، قال : سمعت داود الطائي ، يقول : « لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما . وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى (1) الخلق في ساعات الليل والنهار »
__________
(1) تغشى : تغطي ، والمراد هنا أنها تفجؤهم (1/42)
42 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا محمد ، قال : حدثنا القاسم بن أبي سعيد ، قال : حدثني إبراهيم بن خازم بن سلمة الفراء ، قال : سمعت محمد بن النضر الحارثي ، يقول : « إلى الله أشكو طول أملي ، وعند الله أحتسب (1) عظيم غفلتي »
__________
(1) الاحتساب والحسبة : طَلَب وجْه اللّه وثوابه. بالأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البِدَارُ إلى طَلَب الأجْر وتحصيله بالتَّسْليم والصَّبر، أو باستعمال أنواع البِرّ والقِيام بها على الوجْه المرْسُوم فيها طَلَباً للثَّواب المرْجُوّ منها (1/43)
43 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن العباس ، قال : حدثنا يحيى بن المتوكل ، قال : حدثنا المبارك ، عن الحسن ، قال : « كان أحدهم يتخذ القصبة ، ويجعل فيها خيطا يعلقها في إصبعه فيها ماء ، يريد إذا بال أن يتوضأ ، مخافة أن يأتيه أمر الله » (1/44)
44 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو بلال الأشعري ، قال : حدثنا جابر بن سليمان ، عن أبي عمير المكي ، عن حوشب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : « اللهم إني أعوذ (1) بك من دنيا تمنع خير الآخرة ، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات ، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل »
__________
(1) أعوذ : ألجأ وأحتمي وأعتصم (1/45)
45 - حدثنا عبد الله قال : حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي ، قال : حدثنا أيوب بن سويد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين : في حب المال ، وطول الأمل » قال يونس : دخلت على ابن شهاب في أرض وهو يغرس ، فكلمته في ذلك ، فأخبرني بهذا الحديث (1/46)
46 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أبو محمد البزاز ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، عن همام بن يحيى ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، : أن النبي صلى الله عليه وسلم « خط خطوطا ، وخط منها خطا ناحية فأبعده ، وقال : » أتدرون ما مثل هذا ؟ هذا مثل المتمني ، وذلك الخط البعيد الأمل ، بينما هو يتمنى ، إذ جاءه الموت « (1/47)
47 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا يعقوب بن عبيد ، قال : أخبرنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا سفيان الثوري ، عن زبيد الإيامي ، عن مهاجر العامري ، قال : قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه : « إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتباع الهوى (1) ، وطول الأمل ، فأما اتباع الهوى : فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل : فينسي الآخرة ، ألا وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، ولكل واحد منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل »
__________
(1) الهوى : كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه (1/48)
48 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو عبد الله الأزدي ، عن الحسن بن محمد الخزاعي ، عن رجل من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أن عمر بن عبد العزيز قال : في بعض خطبه : « إن لكل سفر زادا (1) لا محالة ، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه ، ترغبون وترهبون ، ولا يطولن عليكم الأمل فتقسو قلوبكم ، وتنقادوا لعدوكم ، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه ولا يمسي بعد صباحه ، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا ، فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغترا ، وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله ، وإنما يفرح من أمن أهوال القيامة ، فأما من لا يداوي كلما (2) ، إلا أصابه (3) جارح من ناحية أخرى ، فكيف يفرح أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي ، وتظهر عولتي ، وتبدو مسكنتي في يوم يبدو (4) فيه الغنى والفقر ، والموازين فيه منصوبة ، لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم انكدرت (5) ، ولو عنيت به الجبال لزالت ، ولو عنيت به الأرض لتشققت . أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة ؟ وأنكم صائرون إلى أحدهما ؟ »
__________
(1) الزاد : هو الطعام والشراب وما يُتَبَلَّغُ به، ويُطْلق على كل ما يُتَوصَّل به إلى غاية بعينها
(2) الكَلْم : واحد الكلوم وهو الجرح
(3) أصابه : نزل به
(4) بدا : وضح وظهر
(5) انكدرت : تساقطت وتهاوت (1/49)
49 - حدثنا عبد الله قال : حدثني إبراهيم بن سعيد الأصبهاني ، قال : كتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد إلى بعض إخوانه : « أقرئ من أقرأتنا منه السلام السلام ، وتزود لأخراك ، وتجاف عن دنياك ، واستعد للموت ، وبادر الفوت ، واعلم أن أمامك أهوالا وأفزاعا قد أرعبت الأنبياء والرسل ، والسلام » (1/50)
50 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا الحسين بن عبد الرحمن ، عن رجل ، من قريش ، قال : كتب رجل إلى أخ له : « أما بعد ، فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة ، والمتوسط بينهما الموت ، ونحن في أضغاث ، والسلام » (1/51)
51 - حدثنا عبد الله قال : حدثني بعض أصحابنا ، قال : كتب رجل إلى أخ له : « إن الحزن على الدنيا طويل ، والموت من الإنسان قريب ، وللنقص في كل وقت منه نصيب ، وللبلاء في جسمه دبيب ، فبادر (1) قبل أن تنادى بالرحيل ، والسلام »
__________
(1) بادر الشيءَ وله وإليه : عجل إليه واستبق وسارع (1/52)
52 - حدثنا عبد الله قال : أنشدنا أبو بكر بن علي قوله : « قل للمؤمل إن الموت في أثرك وليس يخفى عليك الأمر من نظرك فيمن مضى لك إن فكرت مفتكر ومن يمت كل يوم فهو من نذرك (1) دار تسافر فيها من غد سفرا فلا تئوب إذا سافرت من سفرك تضحى غدا سمرا للذاكرين كما صار الذين مضوا بالأمس من سمرك (2) » قال : وأنشدني قوله : نودي بصوت أيما صوت ما أقرب الحي من الموت كأن أهل الغي في غيهم قد أخذوا أمنا من الموت كم مصبح يعمر بيتا له لم يمس إلا خارب البيت هذا وكم حي بكى ميتا فأصبح الحي مع الميت
__________
(1) النذر : إذا أوجبتَ على نفسِك شيئا تبرُّعا؛ من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك.
(2) المُسامرة : وهو الحديثُ بالليل (1/53)
53 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني بكر بن محمد ، قال : حدثنا السكن بن إسماعيل ، عن حوشب ، عن أبي المتوكل الناجي ، قال : قال لي سليمان بن عبد قيس : يا أبا المتوكل . قلت : لبيك . قال : « عليك بما يرغبك في الآخرة ، ويزهدك في الدنيا ، ويقربك إلى الله » . قلت : وما هو يا عبد الله ؟ ، قال : « تقصر عن الدنيا همتك ، وتسمو إلى الآخرة بنيتك ، وتصدق ذلك بفعلك » . قلت : فكيف لي ما أستعين به على ذلك ؟ ، قال : « تقصر أملك في الدنيا ، وتكثر رغبتك في الآخرة ، حتى تكون بالدنيا برما ، وبالآخرة كرثا . فإذا كنت كذلك لم يكن شيء أحب إليك ورودا من الموت ، ولا شيء أبغض (1) إليك من الحياة » . ، قال : قلت : أيا عبد الله ، ما كنت أحسبك تحسن مثل هذا ، قال : « كم من شيء أحسنه وددت أني لا أحسنه ، وكم من شيء لا أحسنه وددت أني أحسنه ، وما يغني ما أحسن من الخير إذا كنت لا أعمل به . والله لو جاءني النذير من ربي عند الموت ، فأخبرني أني من أهل النار ، وأنه لم يبق من أجلي (2) إلا ساعة من نهار ، ما . . نفسي عن نفسي بهلاكها ، ولا اجتهدت نفسي فيما بقي من عمرها لتكون أعذر لها عندي إذا نزل الموت »
__________
(1) البغض : عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت
(2) الأجل : العمر (1/54)
54 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن صالح الحناط ، قال : حدثني أبو عبد الله محمد بن مرثد قال : حدثني بعض أصحابنا « أنهم خرجوا إلى مكة فنزلوا منزلا ، فجاءهم رجل ليس معه إداوة (1) ولا حذاء (2) ، فقال : أتريدون أن أجيئكم بماء ؟ فأعطوه إداواتهم ، فجاءهم بماء ، فناوله بعضهم رغيفا ، فأخذه ، فقام غير بعيد ، فأكله ، ثم غطى رأسه ، فنام . فزوله صاحب الرغيف وكانوا قد طعموا فعمد إلى رغيفين ، فجعل بينهما لحما ، ثم أتاه ، فأيقظه ، فقال : قم فكل . فقال : لا حاجة لي فيه . فحرص به ، فأبى (3) فقال له المعطي : لما استغرق أهل الولاية الولاية . قال : يقول له الرجل : لعلك تريد أن تقول : بما استتم (4) به . قال : نعم . قال : بقطعهم الأمل . قال : وكيف قدروا على قطع الأمل ؟ ، قال : بقلة الادخار . قال : وكيف قدروا على قلة الادخار ؟ قال : بأخذهم الشيء على الحاجة . قال : فيكون العطاء والمنع عندك واحدا ؟ قال : لو زاد أحدهم على الآخر مقياس شعيرة لم يكن ثم رضا ، ثم مضى نحو مكة ، وترك الرغيفين . قال : فبينا أنا أطوف ، إذا هو في الطواف ، فعرفني ، فقال : صاحب الرغيفين ؟ قلت : نعم . قال : الأمر والله على ما قلت . ثم غاب في الزحام ، فلم أره »
__________
(1) الإداوة : إناء صغير من جلد يحمل فيه الماء وغيره
(2) حذاءَ الشيء : بموازاته وجانبه ومحاذاته
(3) أبى : رفض وامتنع
(4) استتم : استكمل (1/55)
55 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن مسعر ، أو غيره عن عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : « ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غدا من أجله (1) ، كم من مستقبل يوما لا يستكمله . وكم من مؤمل لغد لا يدركه . إنكم لو رأيتم الأجل (2) ومسيره ، لأبغضتم (3) الأمل وغروره »
__________
(1) الأجل : العمر
(2) الأجل : هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ، والحين والزمان ، والأجل العُمر
(3) البغض : عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت (1/56)
56 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا عبد الله بن عيسى الطفاوي ، قال : حدثنا عبيد الله بن شميط بن عجلان ، قال : سمعت أبي يقول : « إن المؤمن يقول لنفسه : إنما هي أيام ثلاثة : فقد مضى أمس بما فيه ، وغدا أمل لعلك لا تدركه ، إنك إن كنت من أهل غد فإن غدا يجيء برزق غد ، إن دون غد يوما وليلة تخترم فيه أنفس كثيرة ، لعلك المخترم فيها . كفى كل يوم همه . ثم قد حملت على قلبك الضعيف هم السنين والأزمنة ، وهم الغلاء والرخص ، وهم الشتاء قبل أن يجيء الشتاء ، وهم الصيف قبل أن يجيء الصيف ، فماذا أبقيت من قلبك الضعيف لآخرته ؟ كل يوم ينقص من أجلك (1) وأنت لا تحزن ، وكل يوم تستوفي رزقك وأنت لا تحزن ، أعطيت ما يكفيك فأنت تطلب ما يطغيك ، لا بقليل تقنع ، ولا من كثير تشبع ، وكيف لا يستبين (2) بعالم جهله وقد عجز عن شكر ما هو فيه ، وهو مغتر في طلب الزيادة ؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا ينقطع من الدنيا شهوته ، ولا تنقضي منها نهمته ؟ فالعجب كل العجب لمن يصدق (3) بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور »
__________
(1) الأجل : العمر
(2) يستبين : يتضح ويظهر
(3) صدق : استخرج الزكاة أو الصدقة (1/57)
57 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا عبيد الله بن سعد القرشي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا هشام بن حسان ، قال : سمعت الحسن ، يقول : « كان آدم صلى الله عليه وسلم قبل أن يخطئ : أمله خلف ظهره ، وأجله بين عينيه . فلما أصاب (1) الخطيئة حول ، فجعل أمله بين عينيه ، وأجله خلف ظهره »
__________
(1) أصاب : وقع في ذنب أو معصية أو جرم (1/58)
58 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني الخليل بن عمر بن إبراهيم ، قال : سمعت عبيد الله بن شميط بن عجلان ، يقول : قال أبي : « طالت آمالكم ، فجددتم منازلكم من الدنيا ، وطيبتم منها معايشكم ، وتلذذتم فيها بطيب الطعام ، ولين اللباس ، كأنكم للدنيا خلقتم أولا تعلمون أن الموت أمامكم ؟ أولا تعلمون أن ملك الموت موكل بآجالكم ، لا يذهب عنه من المدة شيء ؟ ثم يقول : لا تكونوا رحمكم الله أقل شيء بالموت اكتراثا ، وأعظم شيء عن الموت غفلة ، فما ينتظر الحي إلا الموت ، وما ينتظر المسافر إلا الظعن (1) »
__________
(1) الظعن : الارتحال والسفر (1/59)
59 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني أحمد بن سهل ، قال : حدثني أبو علقمة المدني ، قال : كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فإذا أراد أن يخرج بكى وقال : « أخاف أن لا أعود إليه » (1/60)
60 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا شعيث بن محرز ، قال : حدثني إسماعيل بن زكريا ، وكان جار الحبيب أبي محمد رحمه الله ، قال : « كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه ، وإذا أصبحت سمعت بكاءه . فأتيت أهله ، فقلت : ما شأنه يبكي إذا أمسى ، ويبكي إذا أصبح ؟ قال : فقالت لي : يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح ، وإذا أصبح أن لا يمسي » (1/61)
61 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن العباس ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن بن عائشة ، قال : حدثني أبو زكريا ، قال : قالت امرأة حبيب : كان يقول : « إن مت في اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني ، وافعلي كذا ، واصنعي كذا » . فقيل لامرأته : أرأى رؤيا ؟ قالت : هذا يقوله في كل يوم (1/62)
62 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أبو علي الجروي ، قال : حدثنا أبو حفص التنيسي ، قال : حدثنا رجاء أبو الأشيم ، عن إبراهيم بن نشيط ، قال : قال لي أبو زرعة : « لأقولن لك قولا ما قلته لأحد سواك ، ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنة فحدثت نفسي أن أرجع إليه » (1/63)
63 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا عون بن عمارة ، قال : حدثنا عمارة بن زاذان ، قال : سمعت زيادا النميري ، يقول : « لو كان لي من الموت أجل أعرف مدته ، لكنت حريا بطول الحزن والكمد حتى يأتيني وقته ، فكيف وأنا لا أعلم متى يأتيني الموت صباحا أو مساء ؟ » ثم خنقته العبرة (1) ، فقام
__________
(1) العبرة : الدمعة (1/64)
64 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير ، قال : حدثنا عبيد الله بن شميط ، قال : سمعت أبي يقول : « أيها المغتر بطول صحته ، أما رأيت ميتا قط من غير سقم (1) ؟ ، أيها المغتر بطول المهلة ، أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة ؟ ، إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك . أبالصحة تغترون ؟ ، أم بطول العافية تمرحون ؟ ، أم للموت تأمنون ؟ ، أم على ملك الموت تجترئون ؟ ، إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك ، ولا كثرة احتشادك . أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب وغصص وندامة على التفريط (2) ؟ ثم يقول : رحم الله عبدا عمل لساعة الموت . رحم الله عبدا عمل لما بعد الموت . رحم الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت »
__________
(1) السقم : المرض
(2) فرط في الشيء : قصر فيه وضيعه حتى فات (1/65)
65 - حدثنا عبد الله قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إدريس ، عن أبي زكريا التيمي ، قال : بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتي بحجر منقور ، فطلب من يقرؤه . فأتي بوهب بن منبه ، فقرأه ، فإذا فيه : ابن آدم إنك لو رأيت قريب ما بقي من أجلك (1) لزهدت في طول أملك ، ولرغبت في الزيادة من عملك ، ولقصرت من حرصك (2) وحيلك . وإنما يلقاك غدا ندمك (3) ، لو قد زلت بك قدمك ، وأسلمك أهلك وحشمك ، فبان منك الولد القريب ، ورفضك الوالد والنسيب . فلا أنت إلى دنياك عائد ، ولا في حسناتك زائد . فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة ، أظنه قال : فبكى سليمان بكاء شديدا
__________
(1) الأجل : العمر
(2) الحرص : الرغبة الشديدة في الشيء والشَّرَه إليه
(3) الندم : الحزن والأسف (1/66)
66 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني ، قال : وجدت كتابا عند جدي عبد الرحمن بن يوسف : من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف . سلام عليك . « فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإني محذرك متحولك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك ، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها ، فيأتيك منكر ونكير ، فيقعدانك وينتهرانك ، فإن يكن الله معك فلا بأس ولا وحشة (1) ولا فاقة (2) ، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع . ثم تتبعك صيحة الحشر ، ونفخ الصور (3) ، وقيام الجبار لفصل قضاء (4) الخلائق ، وخلاء الأرض من أهلها ، والسماوات من سكانها . فباحت الأسرار ، وأسعرت النار ، ووضعت الموازين ، وجيء بالنبيين والشهداء ، وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (5) ، فكم من مفتضح ومستور . وكم من هالك وناج . وكم من معذب ومرحوم . فياليت شعري ما حالي وحالك يومئذ ؟ ففي هذا ما هدم اللذات ، وسلا عن الشهوات ، وقصر الأمل ، فاستيقظ النائمون ، وحذر الغافلون . أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم ، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعهما من قلوب المتقين . فإنما نحن به وله »
__________
(1) الوَحْشَة : وهي ضدّ الأُنْس. والوَحْشة : الخَلْوَة والهَمّ. وقيل الخلاء الذي لا ساكن به.
(2) الفاقة : الفقر والحاجة
(3) الصور : القَرنْ الذي يَنْفُخ فيه إسرافيل عليه السلام عند بَعْثِ الموْتى
(4) القَضاء في اللغة على وجوه : مَرْجعها إلى انقطاع الشيء وتَمامه. وكلُّ ما أُحكِم عَملُه، أو أتمّ، أو خُتِم، أو أُدِّي، أو أُوجِبَ، أو أُعْلِم، أو أُنفِذَ، أو أُمْضيَ فقد قُضِيَ.
(5) سورة : الزمر آية رقم : 75 (1/67)
67 - حدثنا عبد الله قال : حدثني الحسين بن عبد الرحمن ، قال : قال بعض الحكماء : « تيقظوا لأمر الله فقد . . ألسنة عنه . واحبسوا على أنفسكم ما يمر لها صفحا من العبر ، وعلى أسماعكم لما يمر بها مختارا من المواعظ ، وليحرك التخويف منكم خوفا ، وليحدث التذكير لكم اعتبارا ، أو ليزدكم ببغض الدنيا إليكم لها بغضا (1) ، ولمصارعها حذرا . وأغلقوا عليكم باب الأمل ، فإنه يفتح عليكم باب القسوة . وأحلوا الخوف منكم محل الرجاء . وأمهدوا في دار مقامكم قبل الرحلة ، وبادروا بذلك الموت ، وحسرات الفوت ، وضيق المضطجع ، وهول المطلع ، والموقف للحساب ، فكأن قد أظلكم . فبادروا (2) في بقية آجالكم فناءها ، وبصحبة أجسامكم سقمها . وكونوا من الله على حذر ، ومن لقائه على عتاد . فاستدل مستدل بما يرى ، أو اعتبر معتبر بما يسمع ، أو نظر ناظر فأبصر ، وفكر مفكر فانتفع . ولا . . حظوظكم من الله ، فقد حضرت النقلة ، وطال الاغترار »
__________
(1) البغض : عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت
(2) بادر الشيءَ وله وإليه : عجل إليه واستبق وسارع (1/68)
68 - حدثنا عبد الله قال : حدثني أبو علي الجروي ، قال : حدثني أبو عبد الملك بن الفارسي قال : حدثني خطاب بن عبد الدائم بن دينار ، قال : كتب أبو عتبة عباد الخواص إلى سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر : « أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى الله ، وحسن النظر مما هو منظور فيه من أمرك ، وأعرض نفسك قبل عرض الله إياك ، وبادر الأجل (1) بصالح العمل قبل فوت ذلك والأسف عليه ، فالعجب لموقع هذا الخطر من القلوب مع المعرفة بفنائه والعلم بما مضى منه ومن أهله ، هل فيهم مغبوط بشيء كان فيه ؟ ، أم هل منهم ظاعن (2) بشيء معه ؟ ، أم هل منهم مردود إلى معتمد ، فأتى كتابك فسررت بعافية الله ؟ إياكم . . غلبة الهوى (3) على المعرفة ، قد كان السرور بالموت أحق ، ولكنا نسأل الله لنا ولك بركة عطائه ، واللطف بالسلامة فيما أخرنا له ، فقد . . . الموت الصالحون قبلنا عند وقوع أوائل . . . في جمهورها . إنما وصف . . . منها . . . لا نعرفه من أنفسنا ، ولا نناله إلا بالله تعالى . نحن معافون ، وما يأتينا من نعم الله عظيم »
__________
(1) الأجل : هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ، والحين والزمان ، والأجل العُمر
(2) الظاعن : المسافر
(3) الهوى : كل ما يريده الإنسان ويختاره ويرضاه ويشتهيه ويميل إليه (1/69)
69 - حدثنا عبد الله قال : حدثنا أبو عبد الرحمن النحوي عبد الله بن محمد بن هانئ النيسابوري ، قال : أخبرنا مرحوم بن عبد العزيز ، عن القعقاع بن عجلان ، قال : خطب عمر بن عبد العزيز ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وقال : « أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى . وإن لكم معادا يجمعكم الله للحكم فيكم والفصل فيما بينكم فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء ، وجنته التي عرضها السماوات والأرض ، وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف الله واتقى ، وباع قليلا بكثير ، وفانيا بباق ، وشقوة بسعادة . ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيخلفه بعدكم الباقون ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا (1) أو رائحا إلى الله ، قد قضى نحبه (2) ، وانقطع أمله ، فيضعونه في بطن صدع (3) من الأرض غير موسد ولا ممهد ، قد خلع الأسلاب ، وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ؟ ، وايم (4) الله إني لأقول لكم مقالتي هذه ، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ؛ ولكنها سنن من الله عادلة ، أمر فيها بطاعته ، ونهى فيها عن معصيته . وأستغفر الله » . ووضع كمه على وجهه فبكى حتى لثقت لحيته ، فما عاد إلى مجلسه حتى مات رحمه الله
__________
(1) غاديا : ذاهبا راجعا
(2) النَّحبُ والنَّحيب : البكاء بصوت طويل ومدٍ.
(3) الصدع : الشق
(4) وايم الله : أسلوب قسم بالله تعالى وأصلها ايمُن الله (1/70)
70 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير ، قال : حدثنا عمران بن خالد الخزاعي ، قال : قال رجل لحسان بن أبي سنان : تركت المكاسب والتجارة ، وفرقت مالك فقال له حسان : « وأنت أيضا لو ظننت أنك تموت غدا لقصرت ؟ » ، قال : وكان الرجل من ملوك أهل البصرة (1/71)
71 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا الوليد بن صالح ، قال : حدثنا عطاء بن محمد ، قال : قال إبراهيم التيمي : قال أبي : خرجنا حجاجا ، فوجدنا أبا ذر بالربذة قائما يصلي ، فانتظرناه حتى فرغ (1) من صلاته ، ثم أقبل علينا ، فقال : « هلم (2) إلى الأخ الناصح الشفيق » ، ثم بكى ، فاشتد بكاؤه ، وقال : « قتلني حب يوم لا أدركه » ، قيل : وما يوم لا تدركه ؟ قال : « طول الأمل »
__________
(1) فرغ : انتهى
(2) هلم : اسم فعل بمعنى تعال أو أقبل أو هات (1/72)
72 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني محمد بن سلام الجمحي ، قال : سمعت الربيع بن عبد الرحمن ، يقول في كلامه : « قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة (1) الآجال ، فنحن في الدنيا حيارى ، لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا في أثرها (2) غفلة ، فيا إخوتاه نشدتكم (3) بالله ، هل تعلمون مؤمنا بالله أغر ، ولنقمه أقل حذرا ، من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين ، فطاشت عقولهم ، وضلت حلومهم عندما رأوا من العبر والأمثال ، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة ؟ فبالله يا إخواتاه ، هل رأيتم عاقلا رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالا ؟ والله عباد الله لتبلغن من طاعة الله رضاه أو لتنكرن ما تعرفون من حسن بلائه ، وتواتر نعمائه . إن تحسن أيها المرء يحسن إليك ، وإن تسئ فعلى نفسك بالعتب فارجع ، فقد بين وأعذر وأنذر ، فما للناس على الله حجة (4) بعد الرسل ، وكان الله عزيزا حكيما (5) »
__________
(1) مبادرة الآجال : تعجيل الخيرات
(2) في أثر الشيء وعلى أثره : بعده ووراءه
(3) نشده : سأله وأقسم عليه
(4) الحجة : الدليل والبرهان
(5) سورة : النساء آية رقم : 165 (1/73)
73 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد ، قال : حدثني عثمان بن زفر التيمي ، قال : حدثني مسكين بن دينار ، قال : كان في تيم الله شيخ متعبد ، يجتمع إليه فتيان الحي ونساكهم ، قال : فيذكرهم ، فإذا أرادوا أن يتفرقوا قال : « يا إخوتاه ، قوموا قيام قوم قد يئسوا من المعاودة لمجلسهم ، خوفا من خطفات الموكل بالنفوس » . قال : فيبكي - والله - ويبكي (1/74)
74 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن حاتم بن بزيع ، وغيره ، قالوا : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، عن المعمر بن سليمان ، قال : قال عبد الرحمن بن يزيد - وكان له حظ (1) من دين وعقل - فقال لبعض أصحابه : أبا فلان ، « أخبرني عن حالك التي أنت عليها ، أترضاها للموت ؟ » ، قال : لا ، قال : « فهل أزمعت التحويل إلى حال ترضاها للموت ؟ » ، قال : لا والله ما تاقت نفسي إلى ذلك بعد ، قال : « فهل بعد الموت دار فيها معتمل ؟ » ، قال : لا ، قال : « فهل تأمن أن يأتيك الموت وأنت على حالك هذه ؟ » ، قال : لا ، قال : « ما رأيت مثل هذه حالا رضي بها وأقام عليها - أحسبه قال - عاقل »
__________
(1) الحظ : النصيب (1/75)
75 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني محمد بن . . . المكي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : قال القعقاع بن حكيم : « قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة ، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء » (1/76)
76 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن قدامة الجوهري ، قال : حدثنا أيوب بن سليم ، قال : سمعت شيخا في المسجد يكنى أبا سهل النهدي يقول : سمعت سفيان الثوري ، يقول : رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول : « أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي ، لو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء ، ولا لي على أحد شيء ، ولا لأحد عندي شيء » (1/77)
77 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثنا الوليد بن صالح ، عن الحارث بن عبيد بن الطفيل بن عامر التميمي ، قال : سمعت يزيد الرقاشي ، يقول في كلامه : « إلى متى نقول : غدا أفعل كذا ، وبعد غد أفعل كذا ، وإذا أفطرت فعلت كذا ، وإذا قدمت من سفري فعلت كذا ؟ أغفلت سفرك البعيد ، ونسيت ملك الموت ؟ أما علمت أن دون غد ليلة تخترم فيها أنفس كثيرة ؟ أما علمت أن ملك الموت غير منتظر بك أملك الطويل ؟ أما علمت أن الموت غاية كل حي ؟ » قال : ثم يبكي حتى يبل عمامته ، ثم يقول : « أما رأيته صريعا (1) بين أحبابه لا يقدر على رد جوابهم ، بعد أن كان جدلا خصما ، سمحا كريما عليهم ؟ أيها المغتر بشبابه ، أيها المغتر بطول عمره » . قال : ثم يبكي حتى يبل عمامته
__________
(1) صريع : قتيل (1/78)
78 - حدثنا عبد الله قال : وحدثني أبو عبد الله التيمي ، عن أبيه ، قال : قال عمر بن ذر ، « ابن آدم إنما يتعجل أفراحه بكاذب آماله ، ولا يتعجل أحزانه بأعظم أخطاره » (1/79)
79 - حدثنا عبد الله قال : حدثني محمد بن الحسين ، قال : حدثني مالك بن ضيغم ، قال : ما سمعت أبي ينشد ، من الشعر شيئا إلا هذه الأبيات : « قل للمؤمل والمنايا شرع ماذا يغرك يا ابن من لم يخلد يا ابن الذين تقطعت أوصالهم (1) ترجو البقاء وأنت غير مخلد وأبوك مالك كان يأمل ما ترى حتى أتته منية (2) لم تردد » ، قال : فإذا قالها ، بكى وأبكى
__________
(1) الأوصال : المفاصل والأعضاء
(2) المنية : الموت