اعلموا رحمكم الله
أنَّ خروج الحسين لم يكن طلباً للخلافة ولكنه طُلِبَ لها ، وأنَّ الحسين لم يبايع يزيد ، فإنَّ بيعة يزيد لم تتم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم و لا على سنة الخلفاء من بعده ، ولا شهد البيعة أهل الحل و العقد ، وأُسقط مبدأ الشورى من البيعة ، وكان ذلك عن غير رضا من أكابر الصحابة واعترض الكثير منهم في مسجد المدينة النبوية على تولية يزيد وعلى مبدأ التوريث كما في جاء صحيح البخاري ، ولم يكن الخليفة من قبل يعهد لأحد من بعده حال صحته ، وهذا ما فعله معاوية ، كما أنه باختياره لابنه متجاهلا أفاضل الصحابة من السابقين ومن المهاجرين ومن غيرهم ، ممن هم خير من يزيد ومن معاوية نفسه ، فلم يكن لمن كان يرى بنور الله مثل الحسين أن يسكت على هذا الباطل ، وخروجه لم يكن للقتال ، و إنما كان لإعادة الأمر شورى بين المسلمين ، وهذا غاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ينكره إلا من كان من حزب الشيطان أو قل حزب السلطان ، وقد تبين أن خروج الحسين كان صواباً فما فعله الهالك يزيد بأهل المدينة من قتل و نهب وانتهاك للحرمات ، ثم تسييره للجيش لحصار عبد الله بن الزبير العائذ بالحرم ورميهم للحرم والكعبة بالمجانيق فأحرقوها وأوهوا أركانها وهذا من الظلم الذي فُعِلَ بأمر يزيد ، مما يدل على بصيرة ثاقبة للحسين بعدم أهلية يزيد لتولي مقاليد أمور المسلمين ، وصدق رسول الله القائل :
"هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء"
أخرجه البخاري في الصحيح ، وفي لفظ أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة :
" أن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش" .
قال ابن حزم الأندلسي في المحلى ( ج11 /98) :
ومن قام لعرض دنيا فقط , كما فعل يزيد بن معاوية , ومروان بن الحكم , وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير , وكما فعل مروان بن محمد في القيام على يزيد بن الوليد , وكمن قام أيضا عن مروان , فهؤلاء لا يعذرون , لأنهم لا تأويل لهم أصلا , وهو بغي مجرد . وأما من دعا إلى أمر بمعروف , أو نهي عن منكر , وإظهار القرآن , والسنن , والحكم بالعدل : فليس باغيا , بل الباغي من خالفه - وبالله تعالى التوفيق . وهكذا إذا أريد بظلم فمنع من نفسه - سواء أراده الإمام أو غيره - وهذا مكان اختلف الناس فيه : فقالت طائفة : إن السلطان في هذا بخلاف غيره , ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلما . ....
قال أبو محمد رحمه الله: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم - رضي الله عنهم - يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين إذ أمره بقبض " الوهط " ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه منه غير واجب , وما كان معاوية - رحمه الله - ليأخذ ظلما صراحا , لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك , ورأى عبد الله بن عمرو أن ذلك ليس بحق , ولبس السلاح للقتال , ولا مخالف له في ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم وهكذا جاء عن أبي حنيفة , والشافعي , وأبي سليمان , وأصحابهم : أن الخارجة على الإمام إذا خرجت سئلوا عن خروجهم ؟ فإن ذكروا مظلمة ظلموها أنصفوا , وإلا دعوا إلى الفيئة , فإن فاءوا فلا شيء عليهم , وإن أبوا قوتلوا , ولا نرى هذا إلا قول مالك أيضا . فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن نرد ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه , إذ يقول تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. ففعلنا : فلم نجد الله تعالى فرق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره , بل أمر تعالى بقتال من بغى على أخيه المسلم - عموما - حتى يفيء إلى أمر الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} وكذلك قوله عليه السلام: "من قتل دون ماله فهو شهيد" أيضا - عموم - لم يخص معه سلطانا من غيره , ولا فرق في قرآن , ولا حديث , ولا إجماع ولا قياس : بين من أريد ماله , أو أريد دمه , أو أريد فرج امرأته , أو أريد ذلك من جميع المسلمين . وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله , وهذا لا يحل بلا خلاف - وبالله تعالى التوفيق..أهـ