التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف
الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف على منهاج أهل السنة والجماعة
يمنع وضع أي مادة تخالف منهج أهل السنة والجماعة و سنضطر لحذف أي مادة مخالفة دون الرجوع لكاتبها
تنويه هام:الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف لا يقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط

إعلانات


تتقدم إدارة الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف بالشكر لإعضاءها الـ النشيطين هذا اليوم  وهم :
Users online today


العودة   > >

ملتقي الشباب تحت 20 سنة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 17th December 2009 , 20:24   [1]
الكاتب


.:: عضو متميز ::.

الصورة الرمزية سيف الدين جادو

الملف الشخصي
 
 
 
 

افتراضي الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمـة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلي آلة وصحبة أجمعين وبعد
إن خير المصلحين علي وجه الأرض وخير المرسلين هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أخرج الناس من الظلمات إلي النور بهدىً من الله ورضوان . يقول الله تعالي "إن الدين عند الله الإسلام " ويقول عز من قائل "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلي يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ".
ترجع أهميه هذه الدراسة تناول أحد جوانب الصراع الديني في أوروبـا و التي نشأ عنة ظهور مذاهب تخالف المذهب الكاثوليكي الذي كان سائداً وقت ذاك ،و في مقدمتها المذهب البروتستانتي الذي رفع لواءه المصلح الديني مارتن لوثر في المانيا.

الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا
نعرف أن المسيحية تعرضت إلى مجموعة من أحداث أدت إلى ضرورة قيام إصلاحات دينية في أوربا تطالب بإعادة المسيحية إلى أصلها ، وكان هذا الإجراء يتطلب تغييرات جذرية في الكنيسة ومؤسساتها الدينية والإدارية .
فكانت أولى الأحداث التي أضعفت الكنيسة المسيحية وأنقصت من سموها وهيبتها ما حدث من انقسام ديني خطير في المسيحية حول طبيعة السيد المسيح عليه السلام. فانقسم العالم المسيحي إلى جماعة هم: أتباع أريوس وسموا بالأريوسيين، يقولون بأن السيد المسيح بشر ومخلوق وهو مشابه لله فقط، وإلى جماعة أخرى اتبعت مذهب أثناسيوس وسموا بالاثناسيوسيين ، يقولون بأن السيد المسيح يشبه الله ويماثله في كل الصفات، ومن هنا كان ظهور أصحاب الطبيعة الواحدة وأصحاب الطبيعيتين وكان هذا الانقسام في الفكر الديني المسيحي قد عرّض الكنيسة المسيحية إلى خطر كبير في القرن الرابع الميلادي.
و قد تعرضت البابوية في يوم من الأيام إلى قيام حركات دينية هرطقية ( الحادية ) مثل: حركة الألبيجنسية التي تقول بوجود قوتين متنازعتين ومتنافستين هما: قوة الخير وقوة الشر مع نفيها لوجود الله . فظهرت هذه الحركة في مدينة البي في مقاطعة لانجدوك الفرنسية . ويمكن القول أن حركة الألبيجنسية هذه كانت من الأخطار الكبيرة التي هددت الكنيسة الغربية التي صرفت جهداً كبيراً قبل أن تستطيع القضاء علي هذه الحركة وأتباعها بعد أن وظفت البابوية الكثرة من أتباعها في محاكم التفتيش ضد أتباع الحركة في جنوبي فرنسا بخاصة وربوع أوربا بعامة .
وكان من بين الأخطار التي تعرضت إليها البابوية , وبالتالي أدت إلي قيام الإصلاحات الدينية الكبرى في أوربا : نمو الشعور الوطني في بلاد أوربا الذي جعل الإنسان يتجه إلي وطنه وأمته , فبدا الفرد الأوربي يؤيد الحركات الوطنية التي تطالب بالإصلاح الديني . وكان من بين الذين هذا الاتجاه البر فسير حنا ويكلف الإنجليزي وحنا هس البوهيمى فنادى كلاهما برفض تعاليم الكنيسة الكاثوليكية . وقالا بوجوب الرجوع إلى الكتاب المقدس والاحتكام إليه في المسائل الدينية ورفضا الواسطة الدينية المتمثلة بأعمال رجال الدين وتوسطهم بين الإنسان الأوربي وربه . ورفضا كذلك أن يكون لرجال الدين سلطان دنيوي , وقالا أن الواجب الأول والأخير لرجال الدين ، من البابا إلي القسيس هو الانصراف إلي الأمور الدينية وترك الأمور الدنيوية والمسائل العلمانية . ومن هنا رفضنا استئثار البابوية بالأموال الطائلة التي تأتيها عن طريق الإقطاعيات والأديرة المنتشرة في عامة أوربا وعن طريق الصفقات والتبرعات الدينية والأوقاف…..الخ .
وقالا بأن زيادة تدفق الأموال على البابوية بهذا الحد يؤدى بها إلى الزيادة في الإسراف والبذخ والترف .
وتأسيساً علي المعلومات السابقة الذكر فإننا نلاحظ أن حركتي حنا ويكلف وحنا هس كانتا تهدفان في المقام الأول إلي تقليص سلطة البابوية عن طريق مجموعة من الأساليب والوسائل التي أشرنا إلي أصولها هنا.وكان الشعور الوطني في أوربا قد غذي هذه الأفكار وشجعها وكان هذا ضربة قاصمة في فكرة سمو البابوية وشمولها وعالميتها في نطاق العالم الأوربي .
وقامت حركة في أوربا تطالب البابوية بإصلاح مفاسدها و الرجوع إلى بساطة المسيحية ونقاوتها وتزعم هذه الحركة حنا روخلن ( 1455 – 1522) الألماني الأصل والذي استعان باللغة في تفسير العهد القديم من الكتاب المقدس فكان لهذه الكتابات ضجة كبيره في أنحاء أوبا بعامه وألمانية بخاصة هذا ما جعل الدين ينخرطون في حركته مثل الأب "فون هتن" الأماني الأصل والمنشأ والذي كان له دور كبير في حركه الإصلاح الديني في المانيا وكان روخلن واتباعه يقلون بضرورة إصلاح الكنيسة الكاثوليكية مما شابها من بدع و خرافات وبهذا يكون روخلن قد كون كتله من معاديه للبابويه في بوهيميا وحنا ويكلف الذي شكل كتله معاديه للبابويه في إنجلترا أما أرازمس ( 1467 – 1536 )الهولندي الأصل فقد ساهم كذلك في إثارة الرأي العالم الأوربي ضد البابوية وذلك عندما ترجم الكتاب المقدس من الإغريقية إلي اللاتينية , وعندما نشر العهد الجديد للناس في أوربا باللغات الأوربية المحلية فأحدث بعمله هذا أثراً كبيراً ساعد في تخليص الفكر الإنساني الأوربي من سيطرة رجال الدين الكاثوليكي .وأظهر للأوربيين أن نسخة الكتاب المقدس اللاتينية التي اعتمدتها الكنيسة لم تكن هي الوثيقة الأصلية و أن هذه النسخة تحوي أ خطاء حتى في موضوعاتها . ولهذه يكون أرازمس قد ساهم فعليا في إصلاحات الدين التي شملت أوروبا الغربية بأسلوب سلمي لين لم تلجأ فيه إلى العنف ومع أن كلا من روخلن و أرازمس لم يكونا من الثوار الدينيين القائلين بالخروج عن الكنيسة, الكاثوليكية فإنهما بعملهما هذا قد مهدا لقيام انقسام في الكنيسة الكاثوليكية , وكانا قد مهدا لقيام حركة الإصلاح الدينية الكبرى في أوربا , وكانا قدّما جهداً كبيراً في الإصلاحات الدينية إلى جانب ما قدّمه هس و ويكلف وغيرهما .
والملاحظ أن هناك من الأمور التي حدثت في الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت قد مهّدت لقيام حركة الإصلاحات الدينية, مثل نقل البابوية روما إلى آفنيون في ولاية بروفنس الفرنسية في عهد البابا كلمنت الخامس في القرن الرابع عشر الميلادي كما مر معنا من قبل. وبهذا الإجراء فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت قد فقدت الكثير من صفات زعامتها العالمية ، وزانت البلبلة والاضطرابات والفوضى في جسم البابوية بعد عودتها ثانية إلى مقرها الأول في روما. بسبب الانقسام الذي حدث في الرأي الأوربي حول هذا الموضوع, ولأن الحركة في ذاتها كانت قد شجعت على إيجاد جانب قوي من رجال الدين ضد البابوية, هذا إلى جانب الخطر الذي نتج عن انتشار وباء الطاعون في أوربا في الوقت نفسه, والذي أفني الكثير من الأوربيين المسيحيين وأفني الكثير من الكاثوليك المقيمين في الأديرة المنتشرة في أنحاء البلاد الأوربية، هذا ما ساعد علي ضعف البابوية بعد أن تناقضت الجماعة المؤيدة لها في البلاد الأوربية .
وحدث أمر هام داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، وهو أن رجال الدين الكاثوليك أنفسهم رأوا القيام بإصلاحات دينية في الكنيسة الكاثوليكية تتناسب مع الأوضاع الحاضرة، وعقدوا من أجل هذا الغرض الكثير من المجالس الدينية لكنهم فشلوا في مسعاهم هذا في نهاية الأمر، لأنهم كانوا يصدرون قرارات فوق قرارات البابا من أجل أن تحد من سلطته الواسعة وتمنع عنه بعض الأموال التي تتدفق علي الكنيسة، إلا أن البابوية تغلبت علي هذه الإجراءات عندما تولي كرسي البابوية البابا نقولا الخامس سنة 1447 م، وكان لهذا الانتصار البابوي نتيجتان هما: فشل المجالس الدينية في إصلاح عيوب الكنيسة أولاً وضعفت سيطرة الكنيسة الروحية حتى أفقدها هذا الضعف زعامتها الدينية في أنحاء أوربا الغربية ثانياً .
ويمكن القول أن أوربا في أواخر العصور الوسطى كانت تحس باضطراب فكري وقلق روحي عظيم سببه أن الكنيسة الكاثوليكية خضعت لسلطة بعض البابوات الذين انغمسوا في الترف والبذخ واستخدموا الواسطة والمصلحة في أشغال الوظائف الدينية الكبرى ويمثل هؤلاء البابوات البابا اسكندر السادس ويوليوس الثاني اللذان يعتبران بحق أنهما مسئولان عن معظم الأضرار التي لحقت بمركز البابوية قبيل قيام حركة الإصلاح الديني الكبرى في أوربا.
وهكذا فإن التطرف في السلوك الإنساني في أوربا بعد تحطيم قيود وأغلال العصر الوسيط فيها،وما جره هذا التطرف في السلوك الإنساني من هبوط وانحطاط عام في المستوي الخلقي وانصراف البابوية عن الشئون الدينية واهتمامها بالشئون الدنيوية وظهور بعض البابوات بمظهر الأمراء العلمانيين يجمعون الثروة ويعملون في تقوية الولايات البابوية والعمل علي جمع الأموال الطائلة عن طريق بيع صكوك الغفران، وتبذير هذه الأموال في إقامة المباني والقصور والكنائس والكاتدرائيات والإسراف في زخرفتها،كل هذا أثار غضب الناس في أوربا ضد البابوية، وجعله يعملون علي فقدها بشكل علني, وبهذا فقدت البابوية صفتها العالمية التي كانت تتحلى بها في القديم, وهكذا أصبحت في أوربا أرض صالحة لقيام حركة دينية تتخذ طابع الثورة الدينية بدلاً من طابع الانتقاد السلمي تمثلت هذه في قيام حركة مارتن لوثر في سكسونيا وكلفن في فرنسا وسويسرا وزونجلي في سويسرا .
ثورة مارتن لوثر
ولد مارتن هانس لوثر في بلدته ابشلبن في سكسونيا بالمانيا في 10 /1 /1483 م وتوفي سنة 1546 م وكان لوثر من أبوين فقيرين كان يعمل في أحد المناجم .ويبدو أن فقر أسرة لوثر أثر إلى حد كبير على نشأته. فنشأ لوثر في ظل حياة صعبة وقاسية. تعلم مارتن لمثر في مانسفيلد وفي ماجد برج أصول اللغة والترتيل الديني. وأتم دراسته اللاتينية في بلدة ابشلبن. وبعد أن تعلم اللغة اللاتينية والأصول الدينية الكاثوليكية اتجه لدراسة الحقوق في جامعة أرفوت سنة 1501 م تلبية لرغبة والده هانس الذي كان يحلم في أن يري ابنه رجل قانون، لأن الحقوق آنذاك كانت من الموضوعات اللامعة والمؤثرة في الحياة الاجتماعية.
كان لوثر معقداً نفسياً. وكان خياله ملتهباً. وظل ضميره يؤنبه فتشكلت عنده عقدة بالذنب. فقرر أن يترك دراسة القانون ويتجه ألي الدراسات الدينية. فدخل في أحد أديرة القديس اوغسطس في ارفوت سنة 1505م آملا في تخليص نفسه وتطهيرا من الذنوب والخطايا ليتوب , هذا هو السبيل الوحيد للوصول ألي رحمة الله . عهد لمارتن لوثر تدريس مادة الفلسفة في جامعة فتامبرج سنة1805 م بعد أن كان قد درس المسائل الدينية واللاهوت , وفي سنة 1510 م زار روما لمدة شهر واطلع بنفسه على أخطاء ومساوئ الكنيسة الكاثوليكية. ركز مارتن لوثر في زيارته على الأخطاء التي عبرت عنها بهارج الأحبار وترفهم والمظاهر العصرية والسياسية والعسكرية التي طبعت بها حياة رجال الدين في أوربا. لذا فإن لوثر لم يغضب لما وجده من فن ديني يخدم الدين ولا من تعاليم الكاثوليكية هناك، بل الذي جلب انتباهه انحراف رجال الدين عن بساطة المسيحية ونقاوتها الأولي. ومن هنا كان انطباعه عن البابوية انطباعاً سيئاً أثر في نفسيته ودفعه بالتالي إلي النقد ثم الثورة الدينية علي البابوية بعد أن تشبثت بمواقفها.
ظل لوثر مضطرباً وقلقاً إلى أن توصل إلي وثيقة عقيدة التبرير بالإيمان وهي الرسالة الدينية التي أرسلها الرسول بولس إلي أهل مدينة روما, توصل لوثر إلي أن "البار بالإيمان يحيا" فاطمأن لوثر وأحذ يبني مذهبه الجديد علي قاعدة "عقيدة التبرير بالإيمان" فقال: أن السلام بالإيمان وحده وأن العمل الصحيح هو العمل الذي يستند علي الكتاب المقدس لا علي الأعمال التي يتطلبها رجال الدين في روما من أتباعهم المسيحيين في أوربا".ومن هنا أصبحت هذه الأفكار هي فلسفة البروتستانت أصحاب المذاهب الإصلاحية بعد أن تبنوا علي عاتقهم ضرورة إصلاح لسوء فهم وإدراك بعض الباباوات ورجال الدين من ذوي المناصب الدينية الكبرى.
وعندما جاء حنا تتزل إلي سكسونيا سنة 1517 م من أجل بيع صكوك الغفران, رأي عندها لوثر أن الفرصة مواتية للكشف عن خبايا نفسه ونواياه الإصلاحية, والجدير بالذكر أن صكوك الغفران كانت في الأساس تقوم علي ندم الفرد وتوبته والتكفير عن ذنبه إما بالصلاة أو بالزكاة أو بالصوم,لكن بعض الباباوات قالوا يمكن أن يتم التكفير عن الخطيئة بأن يحج الخاطئ إلي روما أو أن يشارك في حرب صليبية ضد المسلمين.
مبادئ حركة مارتن لوثر:
كان من أهم المبادئ التي حددها لوثر لحركته الإصلاحية التي دعا إليها :
(أولا) إخضاع رجال الدين للسلطة الزمنية "المدنية" وهذا المبدأ كان بالغ الأهمية إذا كان يعني أحياء الشعور القومي في المانيا لأن إخضاع رجال الدين للسلطة المدنية يؤدى إلى مزيد من النفوذ السياسي لحكام المقاطعات الألمانية ومزيد من أموال المؤسسات الدينية في المانيا يذهب إلى خزائن أولئك الحكام بدلا من تحويلها إلى كنيسة روما التي أصبحت في نظر الشعب الألماني كنيسة أجنبية فقدت طابعها العالمي وتحولت إلي كنيسة إيطالية وكان هدف لوثر من إحياء الشعور القومي في اتخاذ دعامة تستند إليه حركته ضد البابوية كما أن إخضاع رجال الدين للسلطة المدنية تدل علي رغبته في اتخاذ حكام المقاطعات الألمانية سنداً قوياً لحركته .
(ثانياً ) ليس للبابا الحق في احتكار تفسير الإنجيل . وكان ذلك يعنى أن يبحث الناس عن الحقيقة بأنفسهم في الكتاب المقدس .
(ثالثاً) إباحة الزواج للقس (رجال الدين )
(رابعا) إباحة الطلاق للمسيحيين .
(خامساً) عدم إنشاء أديرة جديدة وإلغاء عدد من الأديرة القائمة وتحويلها ونزلائها إلي الحياة المدنية,ثم أعلن إلغاء الحياة الديرية والرهبنة .
وكانت هذه المبادئ في حد ذاتها ضربة عنيفة وجهت إلي الكنيسة الكاثوليكية ورجالها ورئيسها, خاصة وأن هذه المبادئ وجدت أصداء واسعة لدي الشعب الألماني ولدي حكام المقاطعات ولذا فقد رأى لوثر أن يتخذ خطوة أخرى أراد بها أن يحسم الموقف كتابة بدلاً من المناظرات .
أما البابا ليو العاشر فقد اكتفي بالتكفير عن ذنب الخاطئ بأن يحج إلي روما ويزور الرسل هناك.ثم تطور هذا المفهوم تدريجياً عندما قال بعض الباباوات بأن التكفير يمكن أن يتم عن طريق دفع أموال إلى الكنيسة لتنفقها على الأمور الدينية,ويمكن إرسال هذه الأموال إلى روما مباشرة أو عن طريق دفعها إلى في المدن الأوربية والمصارف بدورها تحولها إلى البابا في روما مقابل أن يمنح الفرد الخاطئ صكاً دعي بصك الغفران.
ونلاحظ هنا أن العملية تحولت من كونها مسألة دينية فيها صدق التائب عن الذنب بعد أن يقوم بالصلاة والزكاة والصوم وإعلان شعوره عن الندم، إلي أن أصبحت المسألة عبارة عن قضية تجارية , الغاية منها جمع الأموال من المسيحيين عن طريق رجال الدين والمصارف.
ونلاحظ كذلك أنه ترتب علي هذه العملية نتائج خلقية لأنه لا مانع أن يرتكب الفرد الأوربي الخطأ ويكفر عنه بدفع الأموال وبعدها يدخل الجنة مقابل وصول الأموال إلي الكنيسة.وهذا التصريح البابوي يجعل الفرد المسيحي لا يتورع أن يقوم بذنوب كثيرة وأخطاءً دينية كثيرة ما دام بإمكانه محوها عن طريق شراء صكوك الغفران .
وقضية صكوك الغفران استندت علي تأويل بابوي لها هو أن للمسيح عليه السلام بركات واسعة في الغفران,تلك البركات تحولت إلي البابا خليفة المسيح ,والبابا بدوره يقوم بمهمة المسيح في الغفران.
لقد استنكر مارتن لوثر عملية بيع صكوك الغفران هذه وقال أن النجاة والعقاب والقصاص لا تأتي عن طريق شراء صكوك الغفران, وإنما تأتي عن طريق الإيمان بالله. فاستغل لوثر تجمع الناس في كنيسة وتنبرج نوفمبر سنة 1517 م فقام بتعليق احتجاج علي مساوئ الكنيسة الكاثوليكية وكان هذا الاحتجاج مؤلفاً من 95 حجة ضد صكوك الغفران. ولم يقتصر هجوم لوثر علي صكوك الغفران بل تعداه إلى الغفران نفسه. وقال أن الغفران مربوط بالإيمان برحمة الله. ووجه لوثر الدعوة لكل من أراد المناقشة في هذه الآراء الدينية وفي حججه التي علقها علي باب كنيسة وتنبرج. وفي مناقشة له مع يوحنا تتنزل وجون ايك المؤيدان لكنيسة روما قال لوثر إن الكتاب المقدس وحده هو القانون الذي يجب الاعتماد عليه في تفسير العقائد, وفي المسائل المختلف عليها,وأنكر أن المجالس الدينية منزهة عن الخطأ. وصرح بأنه يجب على النبلاء والفرسان أن يتزعموا الإصلاح الديني الذي يطالب به, وقال إنه ليس للبابا وحده حق تفسير الإنجيل,بل طالب أن يكون كذلك من حق العلمانيين,وطالب لوثر البابا بأن يأمر بإنقاص عدد الأديرة المنتشرة في ربوع أوربا, وقال كذلك لا ضرورة للحج إلى روما ويجب السماح للقس بالزواج.
رسائل الإصلاح :
وضع لوثر فيها أساس عقيدته الدينية وعقيدته السياسية التي تضمنت علاقة الكنيسة بالحكومة وتحدد موقعه إزاء مبادئ الكنيسة الأساسية وهي ثلاث رسائل عرفت باسم
( الرسائل الثلاث العظمي في حركة الإصلاح الديني ).
كانت الرسالة الأولي وعنوانها إلي هيئة النبلاء المسيحيين من الأمة الألمانية بصدد إصلاح العالم المسيحي وكانت الرسالة عبارة عن نداء وجهه لوثر إلى قادة الفكر من غير رجال الدين في المانيا حثهم في هذا النداء علي الشروع في إصلاح الكنيسة بأنفسهم .
وكانت الرسالة الثانية بعنوان حرية الرجل المسيحي ووجه رسالته إلي البابا ليو العاشر علي أنها نداء للسلام اتهم فيها رجال الكنيسة بالفساد ووجه لهم نقداً عنيفاً وأبدى استعداده للاستمرار في المقاومة حتى يتحقق النجاح للعقيدة الجديدة.
وكانت الرسالة الثالثة وعنوانها :" مقدمه عن الأسر البابلي الكنسي " ووجهها إلي رجال الفقه الديني أظهر فيها ضعف البابوية وتدهور أخلاق رجال الدين .
واحتوت هذه الرسائل الثلاث بصفة عامة نقد لوثر للكنيسة فقد هاجمها في سلطاتها وفي عقيدتها معاً حيث تضمنت مبادئ واتجاهات الحركة اللوثرية من أن الكتاب المقدس دون سواء هو المرجع في السائل الدينية وأن العبد يجب أن يتصل بربه مباشرة دون وساطة أو تدخل أحد رجال الدين كما ندد لوثر بالموقف العدائي الذي تقنعه الكنيسة من مصالح الشعب الألماني .
وإزاء هذا النقد اللاذع والتحدي السافر الذي بدأ من لوثر وإصراره علي موقفه, أصدر البابا ليو العاشر قرار الحرمان من الكنيسة ضد لوثر في أكتوبر 1520 م خارجاً عن تعاليم كنيسة روما واستند البابا إلي أن لوثر يعتنق آراء جعلت منه مارقاً خارجاً عن المسيحية, فما كان لوثر إلا أن قابل قرار للبابا بالمزيد من التحدي حيث أحرق قرار الحرمان هذا علانية وبصورة رسمية أمام الناس في ساحة مدينة فيتنبرج في العاشر من ديسمبر 1520 م كما أعمل النار في عدة مجلدات اشتملت عليها مجموعات كاملة من المراسيم البابوية ولقوانين الكنيسة وتفاقم الأمر حتى أن البابا طلب من الإمبراطور شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة تأسيساً على أن لوثر يقيم في إقليم سكسونيا الداخل في نطاق تلك الدولة أن يلقي القبض علي لوثر وأن يقمع حركته وينفذ قرار الحرمان البابوي الصادر ضده باعتباره مارقاً خارجاً عن المسيحية .
محاكمة مارتن لوثر – المجلس الإمبراطوري في فورمز 1521 م :
أراد الأمير الشاب شارل الخامس ( 1519 – 1556 ) أن يضع حداً لحركة مارتن لوثر فوجه الدعوة لاجتماع المجمع الإمبراطوري ( الريشتاج أو الدايت ) في مدينة فورمز Worms وقد أحيطت دعوة لوثر للحضور من فيتنبرج إلى فورمز بضمانات خاصة حيث منحه الإمبراطور أماناً شخصياً في الذهاب والعودة, ومثل لوثر في 17 ,18 من أبريل 1521 م أمام هذا المجمع الإمبراطوري الذي عالج – في بداية الأمر – مسألة حركة لوثر برفق ولين وطلب إلي لوثر أن ينكر مبادئ الخروج علي السلطة البابوية وان يسحب ما كان قد كتبه ضد هذه السلطة وأن يضع ما عدا ذلك من كتاباته محل البحث في فرصة أخري أي أن لوثر دعي إلي الاندماج في مجموعة المصلحين أمثال أرز مس وغيره الذين اقتصروا في دعوتهم علي إصلاح الكنيسة من غير أن يخرجوا عليها ولكنه أجاب في كبرياء أنه طالما أخطأ باباوات وأخطأت مجامع دينية فإنه لن يسحب شيئاً منها ما لم يكن متعارضاً مع نصوص الكتاب المقدس وبذلك وقف لوثر موقف الثائر علي رجال العهد القديم بل وعلي رجال النهضة الذين كان يمثلهم أرز مس, ولم يكن أمام الإمبراطور شارل الخامس سبيل للاختيار بين موقفين :
(1) إما أن يؤيد حركة دينية اتخذت الطابع القومي الألماني ويكون الإمبراطور بذلك زعيماً لثورة ألمانية قومية ضد كنيسة روما .
(2) وإما أن يتصدى لسحق هذه الحركة حفاظاً علي تقاليد أسرته وتقاليد منصبه الملكي في أسبانيا ومنصبه الإمبراطوري في المانيا وتربيته الدينية المحافظة .
وأمام كل هذه الاعتبارات لم يجد الإمبراطور بداً من ضرورة القضاء علي الحركة باعتبارها هرطقة في نظره,وأصدر الإمبراطور شارل بياناً مؤرخاً في 19 من أبريل 1521 م أعلن فيه سخطه علي حركة لوثر ونعته بأنه راهب غدا شريدا بعد صدور قرار الحرمان البابوي ضده واتهمه بأنه يبغي أن يزعزع إيمان المسيحيين بدينهم, وتلاقت بذلك رغبة الإمبراطور مع رغبة معظم أعضاء مجمع فورمز فكان أن أصدر في 26 من مايو 1521 م قراراً من المجمع بطرد لوثر خارج القانون ( أي حرمانه من الحقوق المدنية في الإمبراطورية ) وإهدار دمه باعتباره هر طيقا وحظر تداول كتب لوثر ومنع طبع كل ما كتبه أو يكتبه .
وكان حظ مارتن لوثر أن الإمبراطور شارل الخامس حافظ علي كلمته وأذن للوثر أن يبرح آمناً مدينة فورمز ولم انقضى هذا الأمان طلب الإمبراطور من الأمراء حكام المقاطعات أن يمتنعوا من تقديم أية مساعدة لمارتن وإلقاء القبض عليه وتسليمه للسلطات الإمبراطورية ورغم تحالف البابا والإمبراطور ضد لوثر ظل مؤيداً من فردريك ( ناخب سكسونيا) الذي ظل مؤيداً للوثر حتى ذلك الوقت العصيب وأضفي حمياته عليه وأنزله في قلعة ورتبرج الحصينة حيث جعله بمنأى عن بطش البابوية والإمبراطورية معاً وكان من حسن حظ لوثر أن الدستور الألماني كان في معظم فصوله حبراً علي ورق , فقد ظل حكام الوحدات السياسية في ألما نيا يناضلون قروناُ متعاقبة من أجل البقاء علي البعثرة السياسية في المانيا حفاظاً علي امتيازاتهم واستقلالهم , واصبح كل أمير حراً تجاه قرارات المجلس الإمبراطوري ينفذ ما يروقه منها ويتجاهل ما عداها ,لذا كان في استطاعة ناخب سكسونيا أن يضفي حمايته علي لوثر دون اعتبار لقرار المجلس الإمبراطوري كما أن البابا ليو العاشر (1523-1521) كظم غيظه ولم يصدر ضد فردريك قرار الحرمان لان البابا خشي أن يزداد الموقف توتراً فقد يؤدي قرار الحرمان إلي تكتل سائر حكام المقاطعات الألمانية ضد البابوية اشتداد ساعد الحركة اللوثرية ,في قلعة ورتبرج أقام لوثر بمعزل عن الناس لمدة عام ترجم في خلاله الإنجيل إلى اللغة الألمانية في أسلوب قويم جعله في متناول العامة بعد أن كانوا حكرا علي رجال الدين وكان لهذه الترجمة أثرا كبيرا في إحياء الأدب الألماني جعلت من لوثر أحد رواد الإعلام في النهوض بالغة الألمانية واحد واضعي دعائمها و أبان وجود لوثر في مخبئه توثقت العلاقة بين الفيلسوف الألماني فيليب ملانكتون إذا اصبح نعم المساعد في وضع فلسفة واضحة لحركة لوثر , وفي تلك الأثناء اضطر شارل الخامس إلى مغادرة المانيا لمعالجة بعض الشئون العاجة في أسبانيا إلا أن ثورة الإصلاح الديني لم تتوقف واكتسحت اللوثرية معظم الطبقات في المانيا ثم انفجرت تلك الثورة في صور شتي تبعا للظروف الاقتصادية الاجتماعية التي كانت تعيشها المانيا في ذلك الحين .
اقتران حركة الإصلاح بأعمال العنف:
رأت بعض الطبقات في حركة لوثر سبيلا لتحقيق ما كانت تطمع فيه من الجهر بآراء خاصة كانوا يؤمنون بها أو إصلاح أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية واتخذت هذه الطبقات العنف وسيلة للوصول إلى أهدافها ووقعت مصادمات انقلبت إلي ثورات خطيرة أدت إلى الصدام بين السلطة والشعب وانزعج لوثر من هذا التطور الذي لحق بحركته واضطر إلى الخروج من مخبئه لكبح جماح الجماهير
وكان من أهم حوادث الاضطرابات ثلاث حركات هي:
المطالبون بإعادة التعميد.
حركة الفرسان .
ثورة الفلاحين .
1-المطالبون بإعادة التعميد:
قالت الطائفة بعد الاكتفاء بتعميد الأطفال وهم في سن مبكرة لأنه لا يتمشى مع تعاليم الإنجيل , وطالبت في عام (1525) بإعادة التعميد مرة أخرى حين يبلغون الحلم . وكان حجتهم في ذلك أن أركان الحياة الدينية الصيحة ل تتوفر في إلا في التعميد المتأخر ونادوا بآراء أخرى غير التعميد منها لا يجوز لمسيحي أن يشهر السلاح في وجه مسيحي ولا يجوز المسيحي أن يقاضي أخاه المسيحي بل يجب أن تسوى المشكلات بينهم بالتراضي وبدأت هذه الحركة في جنوب المانيا أول الأمر ثم اتخذ أصحابها مدينة مونستر مركزا لنشاطهم وانضم إليهم آلاف للفقراء وامتدت إلى المناطق الأخرى من أملاك الإمبراطورية ونطرف بعض زعماء الحركة فنادى أحدهم بالشيوعية وتعدد الزوجات وجعل ‏من نفسه قدوة لأنصار الحركة فكانت له ستة عشر زوجة وقد تطرفوا في حركاتها ولجاءوا إلي العنف ووقعت اضطرابات دامية عرضت حركة لوثر للخطر وقد عدة قوى مع السلطات المدنية علي رأسها الإزراء الذين اعتنقوا المذهب اللوثري مع الهيئات الدينية في سحق هذه الحركة حتى تم التخلص منهم في يونيو (1513) بالقضاء علي مركز الطائفة في مدينة مونستر.
(2)حرب الفرسان:
كان الفرسان يكونون طبقة تختلف عن بقية أفراد الشعب حيث كان الفارس يملك إقطاعية صغيرة من الأرض يتوسطها قصره المشيد علي هيئه معقل أو قلعه واعتاد الفرسان أن يعيشوا علي الحرب وان يحققوا لأنفسهم عن طريقها مكاسب وامتيازات وكانوا لا يعترفون بالسيادة آلا للإمبراطور نفسه, ولم يمكن لأحدهم مقعد في الدايت الألماني, ومن هنا كان عليهم أن يعتمدوا علي قوتهم وتضامنهم لكي يحتفظوا بمراكزهم ضد أمراء الولايات من جهة وضد الإمبراطورية من جهة أخري ولكنهم في نهاية العصور الوسطي كانوا قد فقدوا ما كان لهم من هيبة سلطان بعد انحلال العهد الإقطاعي بوجه عام في غربي أوربا. ولما ضعفت شركة الفرسان كطائفة ازدادوا عتواً كأفراد وقد دفعهم سوء حالهم إلي التعويض عما وصلوا إليه بمحاولة إظهار القوة والبطش وكان بعضهم يهاجم أراضي الفلاحين لنهب محصولا تهم أو يبتز أموالهم من التجار حتى أمسوا أخطر طبقة في المانيا تهدد الحياة الاقتصادية والسلام الاجتماعي في أنحاء البلاد .
فلما ظهرت الحركة اللوثرية رأوا انتهازها كفرصة لاسترداد نفوذهم وثرائهم عن طريق ما نادي به لوثر من تحرير الكنيسة من أملاكها في المانيا واتخذ الفرسان من ذلك ذريعة لمهاجمة الكنيسة والاستيلاء علي أملاكها قاموا بحركة ثورية أضفوا عليها الطابع الديني فاقتحموا الكنائس وحطموا ما كانت تزخر به من تماثيل وصور وهجموا علي الأديرة وطردوا من بها من الرهبان والراهبات وكان أبرز الفرسان الثائرين أولرخ فون هتنUlrich Von Huten الذي تزعم حركة التأييد القومي لمارتن لوثر ضد البابا, وقد ساعد هتن في حركته فارس مشهور آخر اسمه فرانزفون سكنجن وهو الذي بدأ حرب الفرسان عندما نشب الخلاف بينه وبين أحد رؤساء الأساقفة وكان من الطبيعي أن يهيب الأمراء لمساندة الأساقفة ولذلك لم يقوى سكنجن علي الصمود أمام أسلحة الأمراء الحديثة فحوصر ولقي حتفه تحت أنقاض قلعته واضطر الفارس الآخر (هتن ) إلي الفرار إلي سويسرا ومات بها بعد فترة وجيزة عام (1532 م ) .
وهكذا فشلت حركة الفرسان بعد أن تمكن الأمراء من دك حصونهم فخسروا الحرب وحرموا من امتيازاتهم السياسية التي تبقت واستبعدوا منذ هزيمتهم كعامل هام في الحياة الألمانية .
ومما لاشك فيه أن حركة لوثر تأثرت بهذه الأحداث, وعلي الرغم أن لوثر نفسه لم يكن موافقاً علي استعمال القوة لتأييد حركة الإصلاح الديني ومعارضته للثورة المسلحة إلا أنه اعتبر في نظر البابا والسلطات الألمانية مسئولاً عما جري, كذلك أصبح الأمراء من أعداء الثورة, وكان ذلك إيذاناً بحدوث انقسام بين طبقات الشعب الألماني .
ثورة الفلاحين (1524 – 1525 م) :
كانت طبقة الفلاحين الألمان وبخاصة في الأقاليم الغربية والأقاليم الجنوبية الغربية تعاني أشد المعاناة من أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية, فهم يزرعون تحت أعباء ثقيلة من حياة السخرة وفرض الضرائب, وما كان الأمراء ورجال الدين والأسياد الإقطاعيون يطالبونهم به من عمل في أرضهم ولذا كانت أموالهم وجهودهم وأعمالهم موزعة بين هؤلاء وألئك وكانوا محرومين من ثمار كدهم وعرقهم فضلاً عن حرمانهم من ممارسة كثير من الحقوق التي يتمتع بها الفرد العادي – كصيد الأسماك وصيد الحيوانات .
وجاءت حركة مارتن لوثر في وقت تفاقمت فيه روح التذمر والسخط بين الفلاحين ضد السلطات القائمة كلها من زمنية ودينية, وعلق الفلاحون أعذب الآمال علي المبادئ التي كان ينادي بها لوثر مثل الحرية الإنسانية والإخاء والمساواة بين جميع الناس, واعتقد الفلاحون أن الفرصة قد لاحت لهم وأن عليهم استغلال المبادئ في الثورة علي الأوضاع الراهنة والمطالبة بالتخلص من أغلال رق الأرض وقيود الإقطاع وتخفيض ضريبة العثور التي تؤدى للكنيسة واعتقد الفلاحون أن حركة لوثر ستؤدى إلي تحريرهم من الرق كخطوة أولى لتغيير أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية نحو نظام أفضل ونظروا إلي لوثر علي أنه مدافع عن حقوقهم السليبة خاصة وأنه كان ينحدر من أبوين اشتغلا بفلاحة الأرض كما أنه كان يعتمد علي الفلاحين في بدء حركته المعادية للكنيسة .
ولم تكن ثورة الفلاحين نتيجة الفقر والضنك والحرمان الإنساني فحسب بل كانت نتاج الفقر مع الأمل المرتجي الذي أثارته مبادئ لوثر في نفوس الفلاحين الألمان ,
وهناك أيضاً عدة عوامل أدت إلى استفزاز الفلاحين ومن بينها ارتفاع أسعار حاجيات المعيشة واستغل الإقطاعيون هذا الغلاء وأصروا علي أن يتقاضوا ضرائبهم من نفس المحاصيل الزراعية, مستهدفين تحقيق مزيد من الأرباح .
وفي شهر مارس 1525 م وضع الفلاحون بياناً ضمنوه مطالبهم التي شملت اثني عشر مطلباً وكانت هذه المطالب في جموعها تستهدف التخلص من الالتزامات الإقطاعية المفروضة عليهم كإلغاء رق الأرض وتحديد الخدمات الإقطاعية المفروضة عليهم لأمراء الإقطاع وتخفيف ضريبة العثور التي تؤدى إلي الكنيسة ومنحهم الحق في اختيار رجل الدين في كل مجتمع من مجتمعاتهم وحق الصيد في الأنهار التي تمر في الأراضي التي يزرعونها وفي الغابات المحيطة بهم وتحديد القيمة الايجارية للأراضي الزراعية تحديداً عادلاً, ووضع تخطيط جديد لشئون التعليم يتمشى مع ما جاء به الدين المسيحي, ونادوا بأن يعاملوا بما جاء في الكتاب المقدس والعمل علي إيجاد مجتمع مسيحي جديد علي أساس المساواة المطلقة وأكدوا أنهم لن يكونوا بعد ذلك عبيداً لأن المسيح (عليه السلام ) جعلهم أحراراً وقد اتخذت ثورة الفلاحين شعاراً لها كان بضع كلمات مثيرة هي " استغاثة بعدالة الله", ومع أن هذه المطالب اتسمت بطابع الاعتدال والرغبة في الاحتكام إلي قواعد الدين كما جاءت في الكتاب المقدس إلا أنها اقترنت بهياج عظيم سرعان ما تطور إلي حرب أهلية عرفت بحرب الفلاحين وكان ثورة علي النظام الاجتماعي والسياسي السائد في البلاد وهي سلسلة من الثورات انفجرت في نهاية عام 1524 م في معظم المناطق الألمانية, وبخاصة في الولايات الجنوبية ثم امتدت نحو المناطق الشرقية وأخذت في أول الأمر الطابع المحلي احتجاجاً علي إسراف السلطات المدنية في فرض نظام السخرة علي الفلاحين إلي أن استفحل الأمر وامتد خطر الثورة وجعلت في مقدمة أهدافها مهاجمة الأمراء ورجال الدين علي السواء واندست عناصر أخري في صفوف الثوار وكان في مقدمة هذه العناصر الداخلية المطالبون بإعادة التعميد .
وانتهز أحد حكام المدن الألمانية وهو توماس منزر( حاكم مدينة زويكو) هياج الفلاحين ضد السلطات القائمة وتصدى لزعامة الثورة ووضع إمكانياته كلها لإنجاحها ولكن سرعان ما اتضح أن تأييده هذا كان لتحقيق أهداف أخرى تخرج عن المطالب التي نادى بها الثوار في بيانهم( مارس 1525 م ) حيث أقام منزر في إحدى مدن المانيا مجتمعاً شيوعياً صارخاً يحرم الملكية الفردية وعلي شيوعه الملكية وغير ذلك من مبادئ هدامة لقيت استجابة سريعة من الفلاحين وتنادوا إلي استخدام القوة الكاسحة علي أساس أنها الوسيلة لإقامة المجتمع الشيوعي الذي نادى به منزر ولجأ الفلاحون إلي العنف وجنحوا إلي التطرف .
وحققت ثورة الفلاحين نجاحاً في مراحلها الأولى, وسقطت مدن هامة في أيدي الثوار وأزهقت أرواح كثيرة ويرجع هذا ويرجع هذا النجاح إلي تقاطر الحشود الجماهيرية للانضمام إلي الثورة لأنها كانت تعاني شظف الحياة أن الإمبراطور شارل الخامس ( إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة ) كان مشغولاً في صراعه الدامي مع فرنسوا الأول ملك فرنسا وكانت شبه الجزيرة الإيطالية هي مسرح هذا الصراع ولذا فقد تمكن الثوار من ضرب الأمراء ورجال الدين وأصحاب الثورات .
ولأن المطالب التي نادى بها الثوار أخيراً لأتمت بصلة إلي حركة مارتن لوثر وكانت خطراً يتهدد هذه الحركة فقد انزعج لوثر وخرج من مخبئه واتصل بالجماهير داعياً إلى مقاومة التطرف الذي شاب الثورة ولما لم تجد كتاباته وخطيه نفعاً طلب من الأمراء ضرب الثورة بكل عنف, وكان من مصلحة الأمراء سحق الثورة لأنهم كانوا أحد أهدافها, وتكاتف الأمراء وجميع الفرسان مع القوات الإمبراطورية ( بعد أن استطاع الإمبراطور إيقاع الهزيمة بملك فرنسا في 24 فبراير 1525) لضرب الثوار دون رحمة فكانت مدفعية هذه القوات تحصد الثوار حصداً في الوقت الذي لم يكن بمقدور الفلاحين تشكيل فرق عسكرية مماثلة وقتلت القوات الإمبراطورية من الفلاحين عشرات الألوف وألقي القبض علي زعماء الثورة وأعدموا بعد عمليات من التعذيب الوحشي ولم تنته سنة 1525 م حتى كانت الثورة قد تهاوت وغدا الفلاحون الألمان أشد فقراً وأكثر هواناً من أية طبقة اجتماعية في أوربا .
صدى إخماد ثورة الفلاحين علي حركة لوثر :
لم يقض سحق الثورة علي العداء الطبقي بين أفراد الشعب الألماني بل إنه أدي إلي تعميق الفروق بين طبقات المجتمع . وترك أثاراً عميقة في مستقبل حركة لوثر وفي التشكيل الاجتماعي لأنصار هذه الحركة وفي دمجها بطابع العنف والاضطهاد الديني والتنكيل بالخصوم .
ومع أن لوثر ساند الأمراء وطلب إليهم ضرب الثوار إلا أن هذه المساندة لم تخفف من حقد الأمراء عليه ، لأنهم كانوا يشعرون بالأخطار الناجمة عن استفحال الحركة اللوثرية وأن ثورته الدينية ومطالبه هي التي حركت العصيان وأثارت التفكير غي مبادئ الحرية والمساواة لذلك استعدوا عليه الإمبراطور شارل الخامس من جديد .
كما أن الفلاحين الذين قاموا بثورتهم و علقوا آمالهم علي لوثر لم يجدوا منه عوناً بل وجدوا النقيض مما كانوا يتوقعون ففقدت الحركة اللوثرية السمة الشعبية التي كانت تلازمها منذ البداية وفقدت بذلك الفرصة لكي تكون حركة قومية وتهاوى مركز لوثر كزعيم قومي شعبي واضطر لوثر أن يسقط من حسابه هذه القومية الشعبية وأن يعتمد علي أفراد الطبقة الوسطي التي طالما ندد بمطالبهم .
ولم يكن الإمبراطور شارل الخامس مسترشداً بواجبه الديني بقدر تأثره بالموقف السياسي للإمبراطورية في أوربا ، حيث أن الصراع لا يزال قائماً بينه وبين فرانسوا ملك فرنسا ، كذلك كان من سوء حظ الكاثوليكية أن انتشرت اللوثرية في المانيا في الوقت الذي كان فيه الأتراك العثمانيون يدفعون بحشودهم العسكرية التي كان يبعث بها السلطان سليمان المشرع ( القانوني ) استعداداً لاستئناف الزحف علي قلب أوربا ( في النمسا و المجر ) فكان الإمبراطور منهمكاً في ذلك النضال الخارجي ، مكتفياً في الداخل بمحاولة تهدئة الأحوال في المانيا حتى يتمكن من لإرسال الإمدادات للمساعدة علي وقف تقدم الترك .
كذلك كانت علاقة الإمبراطور بالبابا علي أسوأ حال خصوصا عندما دعا البابا كلمنت السابع في مايو 1526 م إلي تكوين حلف مقدس ضد الإمبراطور بقصد القضاء علي نفوذه في إيطاليا .
كان موقف البابوية من أفكار لوثر موقفاً عنيفاً وحاداً بينما أصدر البابا ليو العاشر قرار الحرمان ضد لوثر في ديسمبر سنة 1520 م إلا أن لوثر ردّ علي هذا الإجراء بأن أحرق هذا القرار في ساحة وتتبرج ونشر رسالته المشهورة عن الأسر البابلي للكنيسة مبيناً ضعفها ومفاسدها. وهكذا انفصل لوثر انفصالاً كاملاً عن كنيسة روما الكاثوليكية,وأخذ يتزعم جماعة مؤيدة لأفكاره في سكسونيا وخارجها.
كان لوثر يؤمن بأن الطبيعة البشرية فاسدة وذلك نتيجة لخطيئة آدم.وكان يؤمن كذلك أن الإنسان هو عبد للخطيئة,وقد أعلن هذه الأفكار في كتاب بعنوان "عن موضوع الإدارة" كان لوثر يؤمن بأن الخلاص من الخطيئة والذنب لا يتأتى ألا عن طريق الإيمان. كان لوثر لا يؤمن بالقداس عندما تعلق عليه قيمة كفارية، لأن هذا يصبح عمل الإنسان لله .بل قال أن الكنيسة وحدها تمتلك القداس,وهي تقدر أن تقدم جسد المسيح ودمه.كان لوثر يقول بأن هناك جانبين هما:الجانب الموضوعي والجانب الذاتي .فالجانب الموضوعي عندما يقوم القسيس بحل الخاطئ من خطيئته. والجانب الذاتي هو: هل الخاطئ الذي حله القسيس من خطيئته يشعر بالندم على خطيئته حقاً.كان لوثر يؤيد الجانب الذاتي وقد رأى أن المسيح كان الوسيط بين الله والإنسان,واليوم حلّ محلّه القسيس, ومن هنا فإن القداس هو العقبة الحقيقية في طريق الديانة المسيحية الحقيقية,لأنه وحده تركزت فيه كل الأهمية, فإذا ألغي القداس ألغيت الوساطة ما عدا وساطة المسيح,وعندها فإن الله هو وحده صاحب السلام والصفح. كان لوثر يؤمن تماماً بأن الله هو المسيطر علي إرادة البشر وما البشر إلا أداة مطيعة لتنفيذ قضاء الله, ومن هنا كانت نظرية القضاء والقدر الذي آمن بها لوثر ومؤيدوه .
ويرى لوثر أن الأيمان هو الثقة الشخصية في المسيح وفي الخلاص الذي يقدمه للإنسان , وقال أن القسيس اغتصب مكان المؤمنين ويجب عكس هذه العملية لذا فان مركز البابوية والمناصب الدينية الكبرى لا تطلب بالضرورة كهنة بل أن العلمانيين يقومون بدورهم هذا . لذا ركز لوثر علي السلطة العلمانية و من هنا فان حركة مارتن لوثر كانت حركة سياسية بقدر ما هي حركة دينية دعت إلى المساواة بين المسيحيين وإلغاء الامتيازات التي يتمتع بها الكهنة علي غيرهم من أبناء الدين الواحد . وهكذا نلاحظ أن لوثر يعهد بالأمور الدينية آلي رجال عاديين ليسوا كهنة ونلاحظ كذلك أن لوثر كان يعهد بالأمور الدينية آلي عاديين ليسوا كهنة ونلاحظ كذلك أن لوثر كان يري في إلغاء امتياذات رجال الدين سبيلا سليما لانخراطهم في المجتمع الذي يعيشون فيه , لأن هذه الامتيازات حالت بينهم وبين مجتمعاتهم التي ينتمون أليها كانت الصدمة شديدة وقوية عندما أخذ الناس في المانيا يقرءون في الكتاب المقدس المترجم آلي المانية والذي ترجمة لوثر ,أن القديس بطرس أخطأ و أن ما ناله كان بسبب هذا الخطأ. ومن هنا أخذ الناس يتشككون في عصمة بطرس و خلفائه, كما أن القاري بدأ يكشف أن ليس هناك من سند يثبت عبادة مريم العزاء أو القديسين أو ضرورة عدم زواج القسس أو صحة صكوك الغفران أ و تقديس مخلفات الماضين من الأتقياء . وأخذ الفرد الألماني يحس بالفارق الواسع بين بساطة المسيح وتلاميذه في المظهر والمأكل والمسكن , وبين البذخ والترف والقصور التي يزهو بها رجال الدين في روما وخارجها
ساعدت مؤلفات لوثر حركة , فألف مقالا عنوانه إلى طبقة الأشراف المسيحيين في الأمة الألمانية بشأن تحسين أحوال المسيحية . ومقال آخر عنوانه , مقدمة عن السبي , ومقال السبي البابلي للكنيسة ,ومقال آخر عنوانه "الحرية الواجبة للمسيحي " كما أن الطباعة ساهمت في نشر هذه الأفكار عندما طبعت هذه المقالات علي ورق كبير الحجم ووزعت في مدن وقري البلاد. الألمانية . وقد ندد لوثر في هذه المقالات بالضرائب البابوية الباهظة علي الشعب المسيحي . وحمل لوثر كذلك علي المصالح الاقتصادية البابوية . حتى أن مكسمليان الإمبراطور الألماني اعترف بأن دخل البابا من المانيا كان يساوي مائة مرة من دخله منها , كل هذه الأموال كانت تأتي من الأديرة والإقطاعيات الزراعية الشاسعة والضرائب والهدايا الصدقات والأوقاف …الخ
((كان لكل شئ في المقر البابوي ثمنه المعلوم :سواء كان ذلك أبروشيات محلية أو ألقابا دينية , أو كارديناليات ,بل أن البابوية نفسها انتقلت من يد إلي أخري عن طريق المال . وعندما أبطل بيع هذه وتلك اصبح من الممكن بيع الغفران من الذنوب , وكانت هناك في الواقع تسعيرة معروفة لمسح كل خطيئة . فكان ثمن تسعيرة الغفران من الزنا 150دوقات , وثمن الغفران من خطيئة قتل ابنتين 800دوقي وهكذا)) قال أحد الموظفين الكبار في بلاط البابا انوسنت الثامن الذي اشتري خطيئة بالمال (( إن الله لا يريد موت الخاطئ , بل أن يحيا وان يدفع ثمن خطيئته )) وكان تاج البابا نقولا الخامس فيه ماس ولآلئ متألقة في ثنايا التاج المصنوع علي شكل إكليل الشكوك الذي وضع علي رأس المخلص وجه لوثر نظره إلى مصلحة الشعب الألماني , وهو واثق من أن أحياء الشعور الوطني الألماني سيساعده في ثورته ضد البابوية المقيمة في روما . شرح لوثر أفكاره الرامية إلى الإصلاح الديني إلى أمراء بلاده , وطالبهم بتبني هذا الإصلاح ليزول الفرق بين الرجل العلماني ورجل الدين في المانيا , فالجميع من مواطني الدولة والجميع يخضع لقانونها عندما يصبح نفوذ البابا في المانيا في حكم المعدوم . وكان هذا الميل اللوثري تجاه الجانب العلماني تخلصا من قبضة البابوية قد شجع الأمراء علي تأييده ولو بشكل غير علني
ونلاحظ هنا إن لوثر بعمله هذا قد ركز علي الشعور الوطني والقومي وهذا بدوره كان عامل أساسي من أساسان ظهر اللغات الحديثة المبنية علي الشعور الوطني القومي , ثم ظهور الدول الأوربية الحديثة المبنية كذلك علي الشعور نفسة و من هنا فان عقل لوثر كان ينطوي في الأفكار أثرت فيما بعد علي أصحاب المدارس السياسية والنظريات الدائرة حول مفهوم الدولة الحديثة في أوربا وواجباتها تجاه المجتمع الذي يخضع لقانونها
كما أن لوثر ركز علي حرية الفرد المسيحي , فأبرز الفرد وأعطاه من السلطة ما تجعله يحس بحريته , وهكذا فان لوثر يرى أن الفرد هو نواة المجتمع يجب الاهتمام به وبحريته ليصلح بذلك المجتمع الذي يعيش فيه مادام الفرد فيه قد صلح وهذا يخالف تمام أفكار ومبادئ نظام الإقطاع والكنيسة في العصور الوسطي وركز لوثر علي العمل في الحياة اليومية . وقال أن راحة القديسين هي في الحياة الآخرة فعلي الإنسان أن يعمل ويكافح لأن العمل خدمة مقدسة واجبة علي كل فرد يستطيع أن يؤدي عملا ما . وصادف هذا الفكر عهد نهاية نظام الإقطاع وظهور عهد الرأسمالية الأوربية , فأدي هذا الفكر إلى ثورة عارمة , وبهذا يكون قد عرى لوثر قداسة الكهنة لأن الإنسان لم يخلق لعمل بعينة ,لذا لم يعد للكهنة طابع وظيفي مميز عن غيرهم وبالتالي نزول امتيازاتهم الطبقية .
موقف البابا والإمبراطور من مارتن لوثر :
أوعز البابا للإمبراطور شارل الخامس بمعاقبة مارتن لوثر على فعلته التي اعتبرها البابا خروجاً عن الدين, واعتبر مارتن لوثر هرطقياً ملحداً وجب ضده صك الحرمان .
طلب الإمبراطور من لوثر حضور مجلس ديني يعقد لدراسة أفكاره إلا أن لوثر ظل مصراً علي أفكاره كذلك علي ضرورة الإصلاح الديني, وكان هذا الموقف كفيلاً بإصدار صك الحرمان ضده, وقد صدر ذلك في قرار ورمس عام 1521 م,فاعتبر لوثر طريداً وخارجاً عن القانون ودمه مهدر …… الخ .
طلب لوثر من حاكم منطقة "فردريك " مساعدته, فحماه فردريك بعد أن أخفاه عن الأعين مدة سنة كاملة في دير عكف فيه علي ترجمة الأسفار المقدسة إلى الألمانية, وهذا يفسر لنا الاتجاه الوطني والقومي في حركة مارتن لوثر, وبهذا العمل أصبح الإنجيل المتزاحم في متناول يد الجميع بخاصة أن طبعة طبعات عدة بالمطبعة كانت أولها عام 1522 م.وفي مدينة ويتنبرج وحدها طب كتاب "العهد الجديد " ست عشرة طبعة قبل عام 1557 م علي حين كان هناك أكثر من خمسين طبعة في سائر المانيا,ومن سنة 1534 م حتى 1584 م بلغ عدد النسخ الكاملة من الكتاب المقدس التي خرجت من المطبعة في ويتنبرج مالا يقل عن 100.000 نسخة. لذلك لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن الكتاب المقدس غمر المانيا تماماً .. وكان كل قارئ للكتاب المقدس قبل ترجمة لوثر هذه يقابله خمسون قارئاً بعد الترجمة. وبعد أن كانت الكتب تنتشر في صفحات طويلة ثقيلة تشد بالسلاسل إلى الرفوف بالمكتبة,أصبحت صغيرة خفيفة الحمل تنقل في يسر من بيت إلى بيت ..
استغل لوثر هذه الفرصة ومزج كل الأشياء المعاونة لحركته في قالب واحد.مزج البواعث الدينية بالدوافع السياسية وسخرها لنجاح حركته استغل كل الظروف المواتية, استمال بأفكاره الفلاح والعامل والإقطاعي والأمير, وحتى رجل الدين,وبهذا الجهد المضني استطاع لوثر أن يقف علي رجليه أمام كل التحديات التي قابلها من البابوية والإمبراطور .
كانت أفكار الناس في المانيا في نهاية العصور الوسطى,وفي عصر ثورة لوثر مضطربة, وهذا الاضطراب تمثل في غضب الطبقة الوسطي التي فقدت مركزها الاجتماعي بعد ضعف مركزها الاقتصادي,وتمثل هذا الاضطراب في غضب طبقة الفرسان الذين فقدوا أهميتهم القديمة بعد ضياع الأنظمة الإقطاعية في نهاية العصر الوسيط الأوربي, وتمثل هذا الاضطراب كذلك في غضب الأمراء الذين لم يصبحوا في وضع يجعلهم يطمئنون علي سلامة إماراتهم, وعندما وجدوا أن أغلب موارد الأرض بيد الكنيسة الكاثوليكية ,وقد حرموا هم منها , وتمثل كذلك بتذمر طبقة الفحجين الألمان الذين وقع عليهم العبء المالي المفروض عليهم من الأمراء والفرسان والطبقة الوسطي و الفلاحين في بداية مارتن لوثر لاقت مساندة الأمراء والفرسان والطبقة الوسطي والفلاحين في بداية ظهورها ,وهذا يفسر لنا مدي العنف الذي اتصفت به ثورة مارتن لوثر فقد ظهرت حركات ثورية متطرفة ارتبطت بالثورة اللوثرية , مثل ثورة البروتستانت المتطرفين في سكسونيا سنة 1521 م الذين يطالبون بإعادة التعميد "وقالوا بأن تعميد الأطفال لا يتفق مع تعاليم ألا نجيل وكادت هذه الحركة أن تخرج الثورة اللوثرية عن غايتها لو لا أن لوثر تنبه للأمر فخرج من مخبئه وخطب في هذه الفئة وساعده صديقه ملانكتون في هذا الأمر , مسا أعاد الأمر إلي نصبها من جديد . قامت حركة الفرسان ضد الأمراء للتخلص من نفوذهم , وضد أملاك الكنيسة للسيطرة علي أراضيها مستغلين ثورة لوثر , أن لوثر لم يؤيدهم , بل تخلي عنهم لشدتهم وعنفهم . ووقفت ضدهم كذلك طبقة الفلاحين الحاقدة عليهم , مما أدي إلى هزيمتهم أمام أعدائهم , وبالتالي ضياع سلطتهم كطبقة كانت من أهم ركائز العصور الوسطي . وقامت كذلك ثورة عنيفة من الفلاحين ضد الفرسان والنبلاء والطبقة الوسطي والكنيسة . وأصبحت ثورتهم ضد كل سلطة قائمة . ومع أنهم دخلوا اللوثرية بجماعات كبيرة وبحماس شديد نتيجة لكثرة الضغط وشدة التذمر الذي عانوه من الطبقات المذكورة , إلا أن لوثر تخلي عنهم لأن مطالبتهم كانت اقتصادية مادية اجتماعية , وفي نطره أن هذه المبادئ لا تمت لثورته الدينية بصلة , واستطاع لوثر بحماسه وخطبه أن يوجه الأمراء والفرسان ضد الفلاحين حتى استطاع القضاء علي ثورتهم
وعندما أحس الإمبراطور شارل الخامس بأن انقساماً دينياً سيحدث في الإمبراطورية الرومانية المقدسة بعامة وفي الولايات الألمانية بخاصة عندها دعي لعقد مجلس إمبراطوري في بلدة سبير في بافاريا في سنة 1526 م وذلك لبحث المسألة الدينية وللنظر في موضوع تنفيذ قرار صك الحرمان . وقد ترأس هذا المجلس الملك فردينا ند ملك النمسا- وهو أخو الإمبراطور – وصدر عن هذا المجلس قراران هما :وجوب عقد مجلس أو جمعية وطنية في وقت قريب لإيجاد حل للازمة الدينية المتسببة عن ظهور الحركة اللوثرية. والقرار الثاني قال بأنه يحق لكل أمير أن يسلك ما يراه بالنسبة لتنفيذ قرار ورمس بشكل يكون فيه مسئولاً أمام الله والإمبراطور. ونلاحظ من هذا القرار أن البروتستانت قد حصلوا على مركز قانوني إذ أصبح لكل حاكم الحق في أن يتصرف بما يراه مناسباً في المسائل الدينية في مقاطعته,وله الحق في اختيار ما يريده من المذاهب والمعتقدات المسيحية. ومن هنا قامت المقاطعات اللوثرية بتفسير هذا القرار في مقاطعتها بشكل يتناسب مع ما تريده,وهذا قوي مركز اللوثرية في المقاطعات الألمانية . ولما تفاقم أمر الخلافات الدينية الإمبراطوري دعا الإمبراطور شارل الخامس إلي عقد مجلس إمبراطور ثان في بلدة سبير في مارس (1529 ) دياط سبير الثاني . ولقد ترأس الإمبراطور هذا المجلس , وأعلن بمنتهى الصراحة أنه يجب عقد الجمعية الوطنية لدراسة المسألة الدينية من اجل تجنب أخطار الانقسام الديني في الإمبراطورية , والملاحظ هنا أن الإمبراطور كان يرى ضرورة الحد من سلطة البابا كلمنت السابع الذي أصدر قرار حلف كونياك في ((22 )) مايو 1526 )) والذي ينص علي إخراج الإمبراطور شارل الخامس من إيطاليا . كما أنه كان لا يري اغتصاب اللوثرية لأنه كان مشغولا في إعداد الخطط لمنع العثمانيون من التوغل في جسم لإمبراطورية عندما وصلوا إلي المجر . ومهما يكن فإن المجلس الإمبراطوري الأول المعقود في سبير سنة ((1526م )) وأوصى المجلس بضرورة تنفيذ قرار ورمس , وأعلن المجلس كذلك أنه لن يسمح باتخاذ أي قرارات أو خطوة تعتمد علي القوة والعنف لحمل الفرد في الإمبراطورية علي اعتناق أي مذهب مسيحي يريده . ومن هنا نرى مدى التخبط الذي سارت عليه قرارات المجلس الإمبراطوري الثاني أعلن بموجب إقامة القداس علي المذهب الكاثوليكي فيذ المقاطعات اللوثريه , ولم يشر إلي ضرورة إقامة المذهب اللوثري في القاطعات الكاثوليكية , وهكذا فان قرارات المجلس الثاني كانت خيبة أمل للوترية التي أعلنت أنها تحتج وتعتبر قرارات المجلس الثاني الإمبراطوري لاغية ولا تلتزم العمل بها , وكان قد وقع علي عريضة الاحتجاج هذه خمسة أمراء وأربعة عشر حاكما من حكام المدن الألمانية . وبهذا أطلق علي جماعة اللوثرية فيما بعد باسم المحتجين – البروتستانت – لأنهم احتجوا علي عدم صحة ما ورد من قرارات اعتبروها موجهة ضدهم , وفي هذا الإجراء نلمس التحدي من قبل الجماعات اللوثرية إلى البابوية والإمبراطور والكاثوليك , وتلمس كذاك تحول النزاع من كونه نزاعا سلميا إلي نزاع حرب أهلية مسلحة من اللوثريين والكاثوليك في المانيا وعامة أروبا .
حلف شمالكلد schamlkald ( 1531) :-
أمسك فيليب " لاند جريف " حاكم مقاطعة هس زمام المبادرة ودخل مفاوضات مع حكام المقاطعات الألمانية البروتستانتية وفي فبراير 1531 م عقد الاجتماع في مدينة شمالكلد بمقاطعة هس وروعي في هذا الحلف التمثيل الإقليمي لالمانيا فقد اشتمل علي الأقاليم الشمالية والجنوبية وكذلك أنصار زونحلي المصلح الديني السويسري ويري بعض المؤرخين الإنجليز أن حلف شمالكلد هو أخطر حلف له أهميته في تاريخ القرن السادس عشر .
وقد أعلن أعضاء الحلف بياناً علي الملاك يوضحون فيه أنهم لن يرضخوا للقوة وسوف يدافعون عن مبادئهم ومصالحهم مهما اقتضى الأمر ، وأنهم اتفقوا علي الدفاع متضامنين عن حقوقهم ومبادئهم وإن تعرض فريق منهم للعدوان في سبيل كلمة الله ومذهب الكتاب المقدس هب الجميع لنصرته بكل ما يملكونه من قوة ومساعدته علي الخلاص .
ويعني هذا أن أمر الإصلاح الديني انتقل من يد رجال الدين إلي يد رجال السياسة وبعد أن كان النضال قائما حول المبادئ والعقائد تحول إلي نضال حول المصالح المادية .
وقد ناقش اجتماع شمالكلد الوسائل العسكرية التي تضمن الدفاع عن مصالح الأعضاء وتقرر تكوين جيش نظامي مجهز بأحدث الأسلحة ويشترك في قيادته أمير سكسونيا وهي الولاية التي اعتنقت مبادئ لوثر منذ ظهورها وكذلك حكام هس وبردنزويك ولونبرج واتالت ومدن ستراسبورج وأولم وكونستانس ويريمن وغيرهما في الشمال والجنوب .
وبذلك كان الحلف بمثابة نواة لنمو البروتسنتنية وانتشارها وتدعيمها فقد أصبح فيها تنظيمها السياسي والعسكري ولها كنيستها وعقيدتها الثابتة وازداد عدد المنضمين إلي ذلك الحلف من المدن والولاية الألمانية . ورأوا الاستعانة بملكي فرنسا وإنجلترا الحاقدين علي الإمبراطور ، فالملك فرا نسوا الأول كان موتوراً لا ينسى هزيمته في إيطاليا .
ومع أنه كان عاجزاً عن مديد المساعدة الفعالة للأمراء الألمـان البروتستانت " إلا أنه كان يشجعهم علي الثبات في وجه الإمبراطور وتحدي قراراته ضدهم " أما الملك هنري الثامن ملك إنجلترا فقد كان حانقاً علي الإمبراطور لأنه كان السبب في الإيحاء إلي البابا – الذي كان أسيراً لديه – أن يؤخر الحكم بطلاق زوجته كاترين ويعارض هذا الطلاق وفي الوقت نفسه كان من مصلحة هنري أن تتاح له الفرصة لقطع صلة إنجلترا بالكنيسة في روما إلا أنه لم يكن بوسعه إقحام نفسه في الحرب ضد الإمبراطور ، ولذلك اكتفى بتشجيع أمراء المانيا البروتستانت ولكنها وعوداً مبهمة مشفوعة بمبلغ يسير من المال .
المجلس الإمبراطوري في نورمبرج Nuremberg 1532 م : -
وكان الإمبراطور يرى في ذلك الحين أن وسائل السدة والبطش في قمع الحركة البروتستنتية سوف يؤدي إلي تمزيق وحدة الصف الألماني ورأى أن مراعاته للبابا قد أضلته عن سبيل الصواب وأوقعته فيما لا يفيد السياسة الحكيمة لجمع كلمة الشعب ، كما أنه كان في موقف لا يسمح له بانتهاج حطة حربية لضرب البروتستانت فقد أخذت الحشود العسكرية العثمانية تستعد لمزيد من التوغل في قلب أوربا . كما أن الأحوال في أسبانيا مضطربة وكان فرنسوا الأول ملك فرنسا يكيد للإمبراطور .
ولهذه الأسباب أحجم الإمبراطور عن مناوأة البروتستانت واتبع حيالهم سياسة اللين والمهادنة رجاء بقاء الجبهة الداخلية سليمة ومتماسكة وقد ساعد الإمبراطور في ذلك الوقت العصيب بروز روح دينية مسيحية عالية في المانيا طالبت تناسي الأحقاد والخلافات والوقوف صفاً واحداً وتوجيه نشاط البلاد كلها لتدعيم المجهود الحربي ضد الأتراك العثمانيون لذلك قرر الإمبراطور دعوة الدايت في مدينة نورمبرج عام (1532) وكانت مناقشات هذا المجلس تم قراراته اكثر ميلا إلى التفاهم وبعداً عن روح البطش التعنت فقد اصدر قرارات أطلق عليها (سلام نورمبرج ) تدعوا إلي وقف المشاحنات والحرب الأهلية الدينية داخل الإمبراطورية فان عدو المسيحية المشترك يتوقف طرده علي تحقيق السلام في الإمبراطورية ودعا سلام نورمبرج أيضا إلى أن بتناسي الجميع الماضي بخلافاته , وان يصرف النظر عن الإجراءات القانونية التي ضد ناخب سكسونيا وأصدقائه بمعني إلغاء قرار فورمز الذي صدر عام (1521) والذي كان يقضى بإعدام مارتن لوثر ولذلك كان صلح نورمبرج عاملا أخر نجم عنه انتشار البروتستانتينية إذا انضمت إلي المذهب الجديد مدن أخرى هي أوجز برج وفرانكفورت وهمبرج وهانوفر وقبل البروتستانت دعوة الإمبراطور لتوحيد الصف أمام العدو المشترك و أمده أمرائهم بالعون العسكري حتى تم انسحاب الأتراك نهائيا عام (1532).
الحرب الأهلية في المانيا:
(1)حلف شمالكد يتعرض إلى هزة عنيفة:
مرت الأيام والإمبراطور مشغول بالحرب مع الأتراك العثمانيون وبالحروب الإيطالية وبالخلاف الناشب في المانيا بين البروتستانت والكاثوليك .
وفى الوقت نفسه تعرض حلف شمالكد لهزة عنيفة بسبب مسألة شخصية كان بطلها فلييب حاكم هس - أول الداعين لإنشاء حلف شمالكد – ذلك أن هذا الحاكم كان مسرفاً في ملذاته ووقع بصره على آنسة تسمى مار جريت دى لاسال وتعمل وصيفة لدى أخته فهام بها وعزم على الزواج منها ولكننه كان متزوجاً من كرسنين دى ساكس وانجب منها سبعة أطفال . وكانت هذه السيدة مثالاً للعفة والطهارة والاهتمام بتنشئة أطفالها . فماذا يفعل بزوجته وأولاده ؟ وإذا كانت التعاليم اللوثرية تبيح الطلاق فما هو الأساس الذي يقيم عليه دعوى الطلاق ؟ولم ترتكب زوجه ما يخدش شرفها . لقد كانت حجته أنه سئم من الحياة الزوجية معها مذ آن طويلة وأنه أطلق العنان لشهواته سنوات طوالا ، وهو يريد أن يحي حياة طاهرة شريفة في ظل زوجة توفر له السعادة وتباعد بينه وبين ارتكاب الآثام حتى يفوز بالجنة من ثم ولى هذا الحاكم العاشق وجهه شطر كبار رجال الدين البورتستانت كي يجدوا له مخرجا وكان أن أصدر بوسر وميلانكتون وهما من كبار فقهاء المذهب اللوثرى فتوى تحقق نزواته بل إن لوثر نفسه أفتى بأن تعدد الزوجات أمر مسموح به في العهد القديم وأن في العهد الجديد فلم يرد به نص يمنع تعدد الزوجات وتأسيساً على هذه الفتوى تزوج فيليب من الوصيفة الفاتنة سنة 1540م ، ولاشك أن الباعث لهؤلاء الأقطاب الثلاثة ( بوسر – وميلانكتون – لوثر ) الذين أشاروا بتلك الفتوى كان باعثاً سياسياً وهو الحرص على بقاء هذا الحاكم القوى في معسكر البروتستانت .
ومع أن لوثر أسدى النصح لفيليب بأن يخفى أمر زواجه ولكنه سرعان ما انتشر نبأ هذا الزواج في أنحاء الولايات الألمانية . وأثار ضجة في كافة الأوساط البروتستانتينية والكاثوليكية على السواء .
وكان هذا الزواج مادة خصبة استغلها الكاثوليك للتنديد بالبروتستانت وتسفيه حركاتهم والآراء الدينية التي انبثقت عنها وسرت موجة من الشماتة في أوساط الكاثوليك وعم الاستياء أوساط البروتستانت وقد انتزع الأخيرين أن قادتهم قد أجازوا هذا الزواج الثاني .
وغدا فيليب هدفاً لهجوم عنيف من الكاثوليك واستهجان من البروتستانت واشتد سخط فيليب على كبار رجال الدين البروتستانت لأنهم لم يبذلوا أية محولة الدفاع عنه بأقلامهم وبدأ يتقرب من شارل الخامس الذي رحب بهذا التقارب لضرب حلف شمالكد وعقدت معاهدة بين الإمبراطور وفيليب سنة 1541م وحاول الإمبراطور أن يجتذبه إلى المعسكر الكاثوليكي ، ولكن لم يتم هذا التقارب طويلاً فقد عاد فيليب ( حاكم هس ) إلى موقعه على رأس حلف شمالكد سنة 1544م ولكن هذه الأحداث أصابت الحركة اللوثرية بتصدع خطير وكشفت عن عدم تضامن أعضاء حلف شمالكد وكشفت عن الضعف العسكري الذي لحق بالحلف وأما تلك الظروف ترأي الإمبراطور أنه من المستحيل القضاء بالقوة على الحلف .
حاول الإمبراطور حسم النزاع الديني بالطرق السلمية , لأنه كان يخشى اشتعال الحرب الأهلية في الإمبراطورية . وهو في ظرف لا يسمح له بالقيام بأي عمل إجرائي ضد اللوثريين , لأنه منشغل في محاربة العثمانيون , وكان يرى ضرورة توحيد العالم المسيحي ضد الأتراك , لذا دعا إلى عقد مؤتمر يجمع الأمراء البروتستانت مع أمراء الكاثوليك العثمانيون "أوجزبرج"في يونيو سنة ((1530 م)) من اجل حل النزاع والخلافات الدينية القائمة . وقد مثل اللوثرية واضع مبادئ العقيدة اللوثرية فليب لانكتون ودعيت هذه المبادئ المعتدلة باعتراف " أوجزبرج " . إلا أن هذا المجلس رفض اعتراف" أوزبرج " . وأصدر الإمبراطور أوامره بتنفيذ قرارات مجلس ورمس الأول سنة ((1521م)) والقضاء علي البروتستانتية بعد أن أعطى اللوثريين مهلة زمنية بسيطة للتخلي عن آرائهم . ورد الأمراء البروتستانت علي هذا بان اتحدوا فيما بينهم للرد علي هذا التحدي وعرف هذا الحلف باسم "شملكند" سنة ((1531م)) وكان الإمبراطور يرى ضرورة التوفيق بين المتنازعين , ولكنه كان منشغلا بحروبه مع الأتراك وحروبه في إيطاليا التي تحاول الانفصال عن جسم الإمبراطورية . وحاول عدة مرات حل الأزمة الدينية , وكان آخرها ما عقد في "ترنت " سنة ((1545م )) إلا انه لم يأتي بجديد . وفي هذه الأوقات العصيبة مات لوثر في ليلة ((17*18)) فبراير ((1546)) وظل النزاع قائما بين الكاثوليك وبين البروتستانت حتى ((1555)) عندما سوى بصلح "أوجزبرج "الثاني في فبراير من السنة نفسها بعد أن شهدت البلاد حربا واسعة بين الكاثوليك والبروتستانت كان الكاثوليك فيها هم المتفوقين بعد أن انهزم البروتستانت في موقعة مشهورة تدعى بموقعة مهلبرج في أبريل سنة 1547 م .
إن أهم شروط صلح أوجزبرج الثاني هي :
إقرار المبدأ القائل بأن لكل أمير الحق في اختيار المذهب الذي يريده في إمارته وعلي الأفراد الذين لا يريدون الدخول في هذا المذهب مغادرة الإمارة إلي إمارة فيها مذهبهم . معلي الأسقف حرية الاختيار علي شرط إن يفقد أسقفيتة القديمة , ووظيفة الدينية
(2) يجب إرجاع أملاك الكنيسة المأخوذة بعد سنة ((1552)) أما ما أخذ قبل هذه السنة من أملاك الكنيسة فيبقى مع من أخذوه من رجال الدين أو العلمانيين ويلاحظ هنا أن المستفيدين من هذا الصلح هم الأمراء وليس جمهور الناس ، لأن هذا الصلح دعم استقلالهم عن الإمبراطور من الناحية العملية وقوى مركزهم عندما أصبحوا هم الذين لهم الحق في اختيار المذهب الديني في إماراتهم وأما الأفراد فتابعون, وإلا فعلى من لا يرغب اعتناق المذهب الذي يقره الأمير أن يرحل إلى مقاطعة فيها مذهبه بعد أن يترك أملاكه ووظيفته … الخ. وظل هذا الصلح سارياً مفعوله حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي عندما قامت حروب الثلاثين عاماً .
انتشار اللوثرية :
انتشرت أفكار وأراء الإصلاح الديني في أوربا الشمالية والمانيا الشمالية والجنوبية الغربية في حياة مارتن لوثر,ثم ما لبثت أن انتشرت هذه الأفكار في إنجلترا علي أسس لوثرية في جوهرة تمثل ذلك بالمذهب الإنجليكاني كما انتشرت اللوثرية في الممالك الاسكندنافية
( الدانمارك والسويد ) وكانت الأحوال السياسية يساعد علي نشر اللوثرية, وبخاصة أن هذه البلاد لم يظهر فيها أي مصلحين الدينين . ونلاحظ أن الأمراء في هذه البلاد كانوا يشجعون الإصلاح طمعاً في تدعيم استقلالهم وطمع النبلاء كذلك في أراضي وأموال الكنيسة الكاثوليكية . فكانت كل هذه الظروف تساعد اللوثرية علي الانتشار في هذه البلاد والملاحظ أن اللوثرية لم تنتشر في كل البلاد الأوربية لأسباب منها :
- صعوبة العقيدة اللوثرية وتعقيدها وعجز المفسرين عن تفسيرها خصوصاً في أمور القربان والتبرير بالإيمان,فهما قائمان علي فلسفة عميقة تحتاج إلي تعمق في الأمور الدينية والدراسات اللاهوتية .
لأن لوثر اعتمد الأمراء والسلطة العلمانية مما جعل معظم الناس ينفضون من حوله بخاصة عندما أخذ يؤيد الأمراء ضد طبقات الشعب, وعندما أيد الفرسان والنبلاء ضد الفلاحين … الخ .
لم يحدد لوثر العقيدة البروتستانتية وكانت اعترافات أوجز برج غير كافية لتحديد معالم اللوثرية واتجاهاتها وأفكارها بشكل يفهمه عامة الناس .
عدم تفكير لوثر في نشر عقيدته خارج المانيا, لأن لوثر كان يعتمد في المقام الأول الشعور القومي وعلي البواعث الأسس الوطنية تخلصاً من فكرة عمومية البابوية في أوربا .
ظهور مصلحين دينيين آخرين في بلاد أخرى اعتنق سكانها آراءهم وأفكارهم الدينية كما حدث في فرنسا وسويسرا عندما ظهر كالفن وزونجلي وكما حدث في هولندا وإنجلترا عندما شارك رجال الإصلاح في نشر الآراء الإصلاحية مثل أرازمس ويكلف توماس وغيرهم .
شدة الموقف البابوي والإمبراطوري ضد الأفكار اللوثرية في أوربا ,ومع أن هذا الموقف كان كالسيف ذو حدين , فإن هذا الموقف الصلب أوقف انتشار المذهب اللوثري .
وكما كانت هناك عوامل أعاقت انتشار اللوثرية في عامة أوربا كانت هناك عوامل مساعدة علي إنجاح ثورة مارتن لوثر,منها :
عصر مارتن لوثر الذي هو عصر النهضة الأوربية ,العصر الذي تفتحت فيه عقول الأوربيين بعد أن أخذوا في التحرر من سلطة البابوية وعصر الإقطاع .
الأخطاء الجسيمة التي لوثت سمعة البابوية وهزت من سموها وشككت في صلاحية عصمتها كأحداث السيمونية ( الرشوة بخاصة في تعيين رجال الدين في المناصب الدينية العليا ) وصكوك الغفران, وعدم حفاظ البابوية أحياناً علي القانون الديني كالسماح لبعض الأفراد بالزواج من أكثر من واحدة , وكالسماح لأبناء الأعمام والأخوال بالزواج ,وكالبذخ والترف والصولجان والبلاط الذي اتخذه بعض الباباوات والكاردينالات وأصحاب الوظائف الدينية العليا في الكنيسة .
المساعدة التي قدمها الأمراء لحركة لوثر أمثال فردريك حاكم سكسونيا الذي أخفاه في قلعة محصنة لمدة طويلة عن أعين الناس ,وعدم تطبيقه قرار ورمس الذي صدر بحق لوثر والذي اعتبره هرطقي يحق هدر دمه .كما أن الكثير من أمراء أوربا كانوا يرون أن حركة لوثر هي حركة قومية ترمي إلي التخلص من قبضة البابوية في روما وتمنحهم سلطات أوسع علي رعاياهم وأملاك بلادهم
_ المساعدة التي قدمها الفلاحون والطبقة الوسطي والفرسان لحركة مارتن لوثر في مطلع عهدها .
_ المفكرون أمثال ملانكتون والكثير من أساتذة الجامعات الأوربية الذين أخذوا علي عاتقهم نشر أفكار لوثر وتدريسها في الجامعات التي يعملون فيها
_المقالات التي ألفها مارتن لوثر ونشرها وطبعها وعممها علي أفراد الشعب الألماني
_ترجمة لوثر للإنجيل إلى الألمانية وطبع هذه الترجمة ونشرها وتوزيعها علي الألمان
_المطبعة التي كانت قد اخترعت حديثا في المانيا ساهمت مساهمة فعالة وجادة في نقل أفكار مارتن لوثر إلى الألمان والي الأوربيين
_اللياقة التي كان يتحلى بها مارتن لوثر في مناقشاته , والتأثير الذي كان يطبعه علي المستمعين عند إلقاء خطبة الحماسية والمثيرة والمقنعة ..
_الحجج التي برهنها علي بطلان صكوك الغفران ..
_التحدي والصلابة التي اتصف بهما لوثر في أثناء ثورته ونشر مذهبه الإصلاحي.









سيف الدين جادو غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 23rd December 2009 , 12:08   [2]
الكاتب


.:: كبار الشخصيات ::.

الصورة الرمزية الشيخ حسن المريسي

الملف الشخصي
 
 
 
 

افتراضي رد: الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم

نسال الله ان يرزقنا واياكم القبول

نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع



الشيخ حسن المريسي غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 25th December 2009 , 18:59   [3]
الكاتب


.:: عضو متميز ::.

الصورة الرمزية سيف الدين جادو

الملف الشخصي
 
 
 
 

افتراضي رد: الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

بوركت اخى الشيخ حسن

سلمت يمينك اخى الحبيب








سيف الدين جادو غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 19th December 2014 , 23:05   [4]
الكاتب


.:: عضو جديد ::.


الملف الشخصي
 
 
 
 

معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 63079
عدد المشاركات : 2
بمعدل : 0.00 يوميا
عدد المواضيع : 0
عدد الردود : 2
الجنس : ذكر
الدولة : الدولة : algeria

افتراضي رد: الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

كيفية تحمل


صدوقي يزيد غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 19th December 2014 , 23:10   [5]
الكاتب


.:: عضو جديد ::.


الملف الشخصي
 
 
 
 

معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 63079
عدد المشاركات : 2
بمعدل : 0.00 يوميا
عدد المواضيع : 0
عدد الردود : 2
الجنس : ذكر
الدولة : الدولة : algeria

افتراضي رد: الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

كيفية تحمل


صدوقي يزيد غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 13th January 2016 , 14:09   [6]
الكاتب


.:: عضو متميز ::.

الصورة الرمزية سيف الدين جادو

الملف الشخصي
 
 
 
 

افتراضي رد: الإصلاحات الدينية الكبرى ونتائجها في أوربا ( لنرى باطل غير الاسلام)


 

جزاكم الله خيرا









سيف الدين جادو غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 22:29.


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف يهتم بامور آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكرام و انسابهم و ذريتهم و شؤونهم و صلة ارحامهم == جميع حقوق المواضيع و الابحاث محفوظةللاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف - أنسابكم
تنويه هام : الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف لايقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط
ان جميع المقالات و المشاركات و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف و انما تعبر عن رأي كاتبها فقط . هذا و لا يعتبر الاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف أو ادارته أو مسؤوليه, مسؤولين عن اي كتابة أو موضوع منشور يخالف شروط التسجيل و القوانين المعمول بها لدى ادارةالاتحاد العالمي لأمناء النسب الشريف
مصر :: تونس :: الجزائر :: المغرب :: ليبيا :: السودان :: موريتانيا :: السعوديه :: الكويت :: البحرين :: قطر :: الامارات :: عمان :: اليمن :: العراق :: الاردن :: فلسطين :: لبنان :: سوريا