أنت غير مسجل في انسابكم انساب ال البيت الاشراف والسادة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 


  
 
 
 
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى أنسابكم
منتدى أهل السنة والجماعة
يمنع وضع أي مادة تخالف منهج أهل السنة والجماعة و سنضطر لحذف أي مادة مخالفة دون الرجوع لكاتبها
تنويه هام: المنتدى لايقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط

إعلانات المنتدى
ansabcom.com مركز تحميل الصور
مركز التحميل
:: هام جداً ::نرجو ان تراعي في تحميل الصور حرمة الدين الإسلامي الحنيف وان هناك من يراقبك قال تعالى : (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ))

إفشاء السلام من الإسلام ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار‏.‏


عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الإسلام خير قال ‏" ‏ تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ‏"‏‏. ‏



تتقدم إدارة منتديات انسابكم بالشكر لإعضاءها الـ النشيطين هذا اليوم  وهم :
Users online today


العودة   انسابكم انساب ال البيت الاشراف والسادة > ۩۞۩ :: مــواجــهـــــات - بدون رقيب :: ۩۞۩ > الصوفية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 18-02-09 , 11:42 AM   [1]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Thought الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

الرد الميسر على بطلان التوسل (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[ آل عمران : 102] . { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء : 1] . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 70-71 ] .أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخوة الإسلام
أولا لابد من معرفة بعض الأمور
الأمر الأول : العبادة
ماهى العبادة ؟
العبادة في اللغة : الذل والخضوع ، يقال : بعير معبد ، أي : مذلل ، وطريق معبد : إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام .
وشرعا : هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
وهي تبنى على ثلاثة أركان :
الأول : كمال الحب للمعبود سبحانه ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } (البقرة : 165) .
الثاني : كمال الرجاء ، كما قال تعالى : { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } (الإسراء : 57) .
الثالث : كمال الخوف من الله سبحانه ، كما قال تعالى : { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } (الإسراء : 57) .
وقد جمع الله سبحانه بين هذه الأركان الثلاثة العظيمة في فاتحة الكتاب في قوله سبحانه : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، فالآية الأولى فيها المحبة ؛ فإن الله منعم ، والمنعم يُحبُّ على قدر إنعامه ، والآية الثانية فيها الرجاء ، فالمتصف بالرحمة ترجى رحمته ، والآية الثالثة فيها الخوف ، فمالك الجزاء والحساب يخاف عذابه .
ولهذا قال تعالى عقب ذلك : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، أي : أعبدك يا رب هذه الثلاث : بمحبتك التي دل عليها : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ورجائك الذي دل عليه : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، وخوفك الذي دل عليه : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .
والعبادة لا تقبل إلا بشرطين :
1 - الإخلاص فيها للمعبود ؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه سبحانه ، قال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (البينة : 5) ، وقَال تعالى : { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } (الزمر : 3) ، وقال تعالى : { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي } (الزمر : 14) .
2 - المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (الحشر : 7) ، وقَال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (النساء : 65) .
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ (أي مردود عليه) . [1]
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ .[2]
فلا عبرة بالعمل ما لم يكن خالصا لله صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } (هود : 7 ، الملك : 2) : " أخلصه وأصوبه " ، قيل : يا أبا علي ، وما أخلصه وأصوبه ؟ قال : " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا ، والخالص ما كان لله ، والصواب ما كان على السنة " [3]
ومن الآيات الجامعة لهذين الشرطين قوله تعالى في آخر سورة الكهف : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } (الكهف : 110) .
الأمر الثانى : أنه لا يجوز العدول عن سنة النبى صلى الله عليه وسلم لقول أى أحد كائنا من كان .
قال علي رضي الله عنه :[اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ واعرف الحق تعرف أهله ]
وما أحسن قول أرسطو لما خالف أستاذه أفلاطون (( تخاصم الحق وأفلاطون وكلاهما صديق لي والحق أصدق منه))
وقال الشيخ أحمد زروق في عمدة المريد الصادق ما نصه ((قال أبو إسحاق الشاطبي كل ما عمل به المتصوفة المعبرون في هذا الشأن - يعني كالجنيد وأمثاله - لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة فهم خلفاؤه كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا أعمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة ولأن السنة معصومة عن الخطأ وصاحبها معصوم وسائر الأمة لم تثبت لهم العصمة إلا مع إجماعهم خاصة وإذا أجمعوا تضمن إجماعهم دليلاً شرعياً والصوفية والمجتهدون كغيرهم ممن لم يثبت لهم العصمة ويجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية كبيرها وصغيرها والبدعة محرمها ومكروهها ولذا قال العلماء كل كلام منه مأخوذ ومنه متروك إلا ما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام قال وقد قرر ذلك القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير فقال فإن قيل فهل يكون الولي معصوماً قيل أما وجوباً كما يكون للأنبياء فلا وأما أن يكون محفوظاً حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت منهيات أو زلات في أوقات فلا يمنع في وصفهم قال ولقد قيل للجنيد رحمه الله ((العارف يزني)) فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال ((وكان أمر الله قدراً مقدوراً )) وقال فهذا كلام منصف فكما يجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغير ذلك يجوز عليهم البدع فالواجب علينا أن نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه وما لم يقبلاه تركناه .
الأمر الثالث : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( اتِّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتُم )) رواه الدارمي
وحدَّ الشاطبي للبدعة الشرعية حداً ضبطها به ، فقال " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه " . [4]
ثم شرح الحدّ ، وذكر في شرحه أن قوله " في الدين " أخرج المبتدعات الدنيوية ، وقوله " تضاهي الشرعية " أي تشابه الطريقة المشروعة من حيث إن المبتدع جعل لبدعته رسوماً وهيئة واجتماعاً وخصها بخصائص كما للسنن الشرعية ، فمن أمثلة البدع التي التزم أصحابها هيئة وكيفية معينة لم يرد بها الشرع : الذكر الجماعي بصوت واحد ، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً .
وعن محمد بن عجلان عن عبيدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال اتقوا الرأي في دينكم قال سحنون يعني البدع .
وعن ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبدالله أن عمر بن الخطاب كان يقول إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم .
عن عمرو بن حريث قال قال عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا .
قال أبو بكر بن أبي داود في قصيدته في السنة
ودع عنك آراء الرجال وقولهم *** فقول رسول الله أزكى وأشرح
وعن مسروق عن ابن مسعود قال ليس عام إلا والذي بعده شر منه ولا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم
وقال مالك بن أنس : قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نتبع الرأي فإنه متى أتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فأتبعته فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته أرى هذا لا يتم
وعن الأوزاعي قال عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول .
ومن أكبر مصائب هذا الزمان هو تقديس الرجال ويكاد الكثيرين يعتقدون بعصمة عالم معين ، وهذا مما لا شك فيه خطر كبير ،فأخذوا يتحاججون بقول فلان وفلان ولا يحاججونك بقال الله قال رسوله والله المستعان فأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها ، لذلك كله، وتسهيلاً لطالب الحق، ولطالب العلم، وتبياناً للحق، وتنويراً لهؤلاء أعددنا هذه الرسالة المختصرة حول خطورة التقليد .
فقد أمرنا الله تعالى باتباع كتابه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من القرآن ، فقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } ، وقال تعالى : { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وقال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } الآية .
وقد قال الله تعالى حاكياً عن بعض المقلدين على الضلال :- { يوم تقلب وجوهم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً } ( ) .
فسوء عاقبة التقليد الأعمى خطيرة للغاية
قال الله تعالى : { أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون *
وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتدون } ( ) .
وكما قيل في الاثر :-
ما الفرق بين مقلدٍ في دينه وبهيمة عمياء قاد زمامها
راضٍ بقائده الجهول الحائر أعمى على عوج الطريق الجائر
ويرحم الله الإمام الشوكاني إذ يقول بعد تفسير الآيات المتقدمة : " وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه ، فإن هؤلاء المقلده في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة بل مجرد قال وقيل ... الخ كلامه " .
وأوصى الأئمة رحمهم الله أصحابهم بعدم التقليد وأوجبوا عليهم الأخذ بالدليل لأنه الفرض واللازم على جميع المسلمين ، فمن ظهر له الدليل وجب عليه اتباعه وترك ما عداه ، قال تعالى : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } .
وقد شهد الله تعالى بالهداية لمن أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما في سورة النور : { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } .
ومن ترك الدليل لقول أبي حنيفة أو مالك والشافعي أو أحمد فقد خالف الأصل الذي أجمع عليه المسلمون .
أما يفعله بعض الناس من التعصب لإمام مذهب من ينتسبون إليه فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة المذاهب ، فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب ، فالواجب على المسلم أن ينصر الدليل وأن يأخذ به ، سواء كان مع المالكي أو الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي أوالظاهري أو مع غيرهم ، فلم يحصر الله تعالى الحق في هذه المذاهب ، فاصحابها بشر يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين من الزلل والخطأ .
وقد قال الله عز وجل { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } . وقال سفيان : الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم .
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان : أمر ظاهر بعمل الجوارح ، كالصلاة والصيام والحج والجهاد ونحو ذلك .
وأمر باطن تقوم به القلوب ، كالإيمان بالله ومعرفته ومحبته وخشيته وإجلاله وتعظيمه والرضا بقضائه والصبر على بلائه .
ولقد حرص الصحابة والسلف من بعدهم على امتثال أمره صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته لمعرفتهم بما يترتب على ذلك . ** فقد أفتى عمر السائل الثقفي في المرأة التي حاضت بعد أن زارت البيت يوم النحر ألا تنفر، فقال له الثقفي : إن رسول الله أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به ، فقام عمر إليه يضربه بالدرة ويقول له :لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله ؟
** وكان ابن مسعود أفتى بأشياء فأخبره بعض الصحابة عن النبي ( بخلافه ، فانطلق عبد الله إلى الذين أفتاهم فأخبرهم أنه ليس كذلك .
** وقال عمر بن عبد العزيز : لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله .
وقد قال العلامة الألبانى فى كتابه (الحديث حجة بنفسه - (1 / 73) )
** والخلاصة أنه يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم به سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواترا أم آحادا وسواء أكان الآحاد عنده يفيد القطع واليقين أو الظن الغالب على ما سبق بيانه فالواجب في كل ذلك الإيمان به والتسليم له وبذلك يكون قد حقق في نفسه الاستجابة المأمور بها في قول الله تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون }
التقليد واتخاذه مذهبا ودينا
حقيقة التقليد والتحذير منه : إن التقليد في اللغة مأخوذ من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها ومنه تقليد الهدي فكأن المقلد جعل ذلك الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق من قلده .
واصطلاحا هو العمل بقول الغير من غير حجة فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بالإجماع ورجوع العامي إلى المفتي ورجوع القاضي إلى شهادة العدول فإنها قد قامت الحجة في ذلك . وقد أفادنا هذا النص الأصولي أمرين هامين :
الأول : أن التقليد ليس بعلم نافع
والآخر : أنه وظيفة العامي الجاهل
ولا بد لبيان حقيقة هذين الأمرين من الوقوف عندهما قليلا والنظر إلى كل منهما على ضوء الكتاب والسنة مستشهدين على ذلك بأقوال الأئمة ثم نتبع ذلك بالنظر في أحوال المتبعين لهم بزعمهم ومدى صحة اتباعهم لأقوالهم .
أما أن التقليد ليس بعلم فلأن الله تعالى قد ذمه في غير ما آية في القرآن الكريم ولذلك تتابعت كلمات الأئمة المتقدمين على النهي عنه وقد عقد إمام الأندلس ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه الجليل ( جامع بيان العلم وفضله ) بابا خاصا في تحقيق ذلك فقال ما ملخصه ( 2 / 109 - 114 ) : باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع : قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال : [ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ] وروي عن حذيفة وغيره قالوا : " لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم " وقال عدي بن حاتم : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليب فقال لي : " يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة ( براءة ) حتى أتى على هذه الآية : [ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ] قال : قلت : يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون ما أحل الله لكم فتحرمونه ؟ فقلت : بلى فقال : تلك عبادتهم . وقال عز وجل : [ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . قال : أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ؟ ] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا : [ إنا بما أرسلتم به كافرون ] وقال جل وعز عائبا لأهل الكفر وذاما لهم : [ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ قالوا : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ] . ومثل هذا في القرآن كثير من ذمه تقليد الآباء والرؤساء . وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين ( في كونهما اتباعا ) بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه "
ثم روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : " اغد عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك "
ومن طريق أخرى عنه قال : " كنا ندعوا الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو فيكم اليوم المحقب دينه الرجال " يعني المقلد .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم". قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟، قال : "يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه" وفي لفظ: "فيلقى من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم".
ثم قال ابن عبد البر : " وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤوسا جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون " وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده . . . . . ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار ونقله ابن القيم في " الإعلام " ( 2 / 294 - 298 )
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : " لا يجوز الفتوى بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم " ( الإعلام 1 / 51 ) .
وكذلك قال السيوطي : إن المقلد لا يسمى عالما كما نقله أبو الحسن السندي الحنفي في أول حاشيته على ابن ماجه وجزم به الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 236 ) فقال : " إن التقليد جهل وليس بعلم " وهذا يتفق مع ما جاء في كتب الحنفية
أنه لا يجوز تولية الجاهل على القضاء . ففسر العلامة ابن الهمام ( الجاهل ) بالمقلد .
نهي الأئمة عن التقليد :
جاء فى كتاب صفة الصلاة - (1 / 45) للعلامة الألبانى
أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها
ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات تقليدا أعمى - ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء والله عز وجل يقول : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون .
أ - أبو حنيفة رحمه الله
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله وقد روي عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها :
1 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( ابن عابدين في " الحاشية " 1 / 63 )
2 - ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه ) . ( ابن عابدين في " حاشيته على البحر الرائق " 6 / 293 )
وفي رواية : ( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )
زاد في رواية : ( فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا )
وفي أخرى : ( ويحك يا يعقوب ( هو أبو يوسف ) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد )
3 - ( إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي ) ( الفلاني في الإيقاظ ص 50 )
4- وقال أبو حنيفة: ( لا يحلُّ لمن يُفتي من كُتُبي أن يُفتي حتى يعلم من أين قلتُ ).
ب - مالك بن أنس رحمه الله وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال :
1 - ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 32 )
2 - ( ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 91 ) وقال أيضا : كل منا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار بيده إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم
3 - قال ابن وهب : سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال : ليس ذلك على الناس . قال : فتركته حتى خف الناس فقلت له : عندنا في ذلك سنة فقال : وما هي قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه . فقال : إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع . ( مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ص 31 - 32 )
ج - الشافعي رحمه الله
وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب
وأتباعه أكثر عملا بها وأسعد فمنها :
1 - ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي ) . ( تاريخ دمشق لابن عساكر 15 / 1 / 3 )
2 - ( أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ) . ( الفلاني ص 68 )
3 - ( إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت ) . ( وفي رواية ( فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ) . ( النووي في المجموع 1 / 63 )
4 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( النووي 1 / 63 )
5 - ( أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون : كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا ) . ( الخطيب في الاحتجاج بالشافعي 8 / 1 )
6 - ( كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي ) . ( أبو نعيم في الحلية 9 / 107 )
7 - ( إذا رأيتموني أقول قولا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب ) . ( ابن عساكر بسند صحيح 15 / 10 / 1 )
8 - ( كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني ) . ( ابن عساكر بسند صحيح 15 / 9 / 2 )
9 - ( كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني ) . ( ابن أبي حاتم 93 - 94 )
د - أحمد بن حنبل رحمه الله
وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها حتى ( كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ) ولذلك قال :
1 - ( لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ) . ( ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302 )
وفي رواية : ( لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير )
وقال مرة : ( الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير ) . ( أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 276 - 277 )
2 - ( رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 149 )
3 - ( من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة ) . ( ابن الجوزي في المناقب ( ص 182 )
4- وقال أيضا: ( عجبت لأناس يعرفون الحديث وأسناده ويأخذون برأي سفيان) ويقصد برأي سفيان الثوري الذي هو خير علماء السلف وليس أي عالم فما بالك في فلان وعلان في عصرنا !!
5- وقال الإمام أحمد: ( من قِلة علم الرجل أن يقلِّد دينه علوم الرجال ).
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما .
وقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى :
( فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأى أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة وربما أغلظوا في الرد لا بغضا له بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورا له بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه
قلت : كيف يكرهون ذلك وقد أمروا به أتباعهم كما مر وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة بل إن الشافعي رحمه الله أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه ولو لم يأخذ بها أو أخذ بخلافها ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث فيها انفرادا واجتماعا في مجلد ضخم قال في أوله : ( إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم )
ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعا للسنة
ولذلك كله كان أتباع الأئمة ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها بل قد تركوا كثيرا منها لما ظهر لهم مخالفتها للسنة حتى أن الإمامين : محمد بن الحسن وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة ( في نحو ثلث المذهب ) وكتب الفروع كفيلة ببيان ذلك ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي وغيره ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز فلنقتصر على مثالين اثنين :
1 - قال الإمام محمد في " موطئه " ( ص 158 ) : ( قال محمد : أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه ) إلخ
2 - وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام محمد ومن الملازمين للإمام أبي يوسف ( كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيرا لأنه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به " ولذلك ( كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه ) كما هو في السنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم
وصدق أحمد المعلم حينما قال
الله أكْبَرَ فِي الدِّفَاعِ سَأَبْتَدِي ... وَهُوَ المُعِينُ عَلَى نَجَاحِ المَقْصَدِ
وَهُوَ الذِي نَصَرَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... وَسَيَنْصُرُ المُتَّبِعِينَ لأَحْمَدَ
وَبِهِ أَصُولُ عَلَى جَمِيعِ خُصُومِنَا ... وَأَعُدُّهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يَعْتَدِي
سَأَسُلُّ سَهْمًا فِي كِنَانِةِ وَحْيِهِ ... وَبِهِ أَشُدُّ عَلَى كَتائبِ حُسَّدِي
وَبِهِ سَأَجْدَعُ أَنْفَ كُلِّ مُكَابِرٍ ... وَبِهِ سَأَرْصُدُ لِلْكَفُورِ المُلْحِدِ
وَسَأَسْتَجِيرُ بِذِي الجَلالِ وَذِي العُلا ... فَلَنْ أُضَامَ إِذَا اسْتَجَرْتُ بِسَيِّدِي
وَسَأَسْتمِدُّ العَوْنَ مِنْهُ عَلَى الذِي ... لَمَزَ الأَحِبَّةَ بِالكَلامِ المُفْسِدِ
حَتَّى أُشّتِّتَ شَمْلَهُمْ بِأَدِلَّةٍ ... مِثْلَ الصَّوَاعِقِ فِي السَّحِابِ الأَسْوَدِ
وَبِنُورِ وَحْي الله أَكْشِفُ جَهْلَهُمْ ... حَتَّى يُبَيِّنَ عَلَى رُؤُوسِ المَشْهَدِ
لا تَلْمِزُونَا يَا خَفَافِيشَ الدُّجَا ... بِتَطَرُّفٍ وَتَسَرُّعٍ وَتَشَدُّدِ
لا تَقْذِفُونَا بِالشُّذُوذِ فَإِنَّنَا ... سِرْنَا عَلَى نَهْجِِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وَلِكُلِّ قَوْل نَسْتَدِلُّ بِآيَةٍ ... أَوْ بِالحَدِيثِ المُسْتَقِيمِ المُسْنَدِ
وَالنَّسْخَ نَعْرِفُ وَالعُمُومَ وَأَنَّنَا ... مُتَفَطِّنُونَ لِمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِ
وَنُصُوصُ وَحْي اللهِ نُتْقِنُ فَهْمَهَا ... لا تَحْسِبُونَ الفَهْمَ كَالرأْي الرَّدِي
وَإِذَا تَعَارَضَتِ النُّصُوصُ فَإِنَّنَا ... بِأُصُولِ سَادَتِنَا الأئمةِ نَهْتَدِي
وَنُحَارِبُ التَّقْلِيدَ طُولَ زَمَانِنَا ... مَعُ حُبِّنَا لِلْعَالِمِ المُتَجَرَّدِ
وَكَذَا الأَئِمَّةُ حُبُّهُم مُتَمَكَّنٌ ... مِنْ كُلِّ نَفْسٍ يَا بَرِيَّةُ فَاشْهَدِي
وَتَرِقُّ أَنْفُسُنَا لِرُؤْيَةِ مَنْ غَدَا ... فِي رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ شِبْهَ مُقَيَّدِ
إِنَّا نَرِى التَّقْلِيدَ دَاءً قَاتِلاً ... حَجَبَ العُقُولَ عَنِ الطَّرِيقِ الأَرْشَدِ
جَعَلَ الطَّرِيقَ عَلَى المُقَلِّدَ حَالِكًا ... فَتَرَى المُقَلَّدَ تِائِهًا لا يَهْتَدِي
فَلِذَا بَدَأْنَا فِي اجْتِثَاثِ جُذُورِهِ ... مِنْ كُلِّ قَلْبٍ خَائِفٍ مُتَرَدِّدِ
وَلَسَوْفَ نَدْمُلُ دَاءَهُ وَجِرَاحَهُ ... بِمَرِاهِمِ الوَحْيِ الشَّرِيفِ المُرْشِدِ
نَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ طُولَ حَيَاتِنَا ... فِي كُلِّ حِينٍ فِي الخَفَا وَالمَشْهَدِ
وَنُحَارِبُ الشِّرْكِ الخَبِيثَ وَأَهْلَهُ ... حَرْبًا ضَرُوسًا بِاللَّسِانِ وَبِاليدِ
وَكَذَلِكَ البِدَعُ الخَبِيثَةُ كُلَّهَا ... نَقْضِي عَلَيْهَا دونَ بَابِ المَسْجِدِ
هَذِي طَرِيقَتُنَا وَهَذَا نَهْجُنَا ... فَعَلامَ أَنْتُمْ دُونَنَا بِالمَرْصَدِ
لِمَا تَطْعَنُونَا وَتَلْمِزُونَا كَأَنَّنَا ... جِئْنَا بِرَأْيٍ لِلْعَقِيدَةِ مُفْسِدِ
أَلِمَذْهَبٍ وَلِعَادَةٍ وَحُكُومَةٍ ... تَتَهَرَّبُونُ مِنَ الحَدِيثِ المُسْنَدِ
هَذَا الحَدِيثُ تَلألأتْ أَنْوَارُهُ ... رَغْمَ الجَهُولِ وَرَغْمَ كُلِّ مُقَلِّدِ
إِنْ كُنْتُمْ تَتَضَرَّرُونَ بِنُورِهِ ... فَالشَّمْسُ تَطْلَعُ رَغْمَ أَنْفِ الأَرْمَدِ
بِاللهِ قُولُوا مَا الذِي أَنْكَرْتُمُوا ... عَلَى البَرِيَّةَ لِلْحَقِيقَةِ تَهْتَدِي
هَدَّدْتُمونَا بِالمَذَاهِبِ بِعْدَ مَا ... وَضَحَ الدَّلِيلُ فَبِئْسَ مِِنْ مُتَهَدِّدِ
وَبهتُمُونَا بِالقَبَائِحِ كُلِّهَا ... وَعَرَضْتُمُونَا بِالقَنَاعِ الأَسْوَدِ
وَرَفَعْتَمُونَا لِلْوُلاةِ تَشَفِّيًا ... وَفَرَحْتُمُوا بِتَهَدُّدٍ وَتَوَعُّدِ
لاكِنَّنَا لُذْنَا بِبَابِ إِلَهِنَا ... فَأَرَاحَنَا مِنْ كُلِّ خِصْمٍ مُعَْتَدِ
وَجَلا الحقيقةَ لِلْمَلأ فَخَسَأْتُمُوا ... وَالسُّوءُ يَظْهَرُ مِنْ خَبِيثِ المَقْصَدِ
يَا مَعْشَرِ الإِخْوَانِ سِيرُوا ... وَأَبْشِرُوا وَثِقُوا بِنَصْرِ الوَاحِدِ المُتَفَرِّدِ
وَلِتُعْلِنُوهَا لِلْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... إِنَّا بِغَيْرِ مُحَمَّدٍ لا نَقْتَدِي
لا نَطْلُبُ الدُّنْيَا وَلا نَسْعَى لَهَا ... اللهُ مَقْصَدُنَا وَنِعمَ المَقْصَدِ
لَيْسَ المَنَاصِبُ هَمَّنَا وَمُرَادُنَا ... كَلا وَلا ثَوْبِ الخَدِيعَةِ نَرْتَدِي
إِنَّا لنَسعْى فِي صَلاحِ نُفُوسِنَا ... بِعلاجِ أَنْفُسِنَا المَرِيضَةِ نَبْتَدِي
وَنُحِبُّ أَنْ نَهْدِي البَرِيَّةِ كُلِّهَا ... نَدَعُ الْقَرِيب قَبِيلَ نُصْحِ الأَبْعَدِ
وَبِوَاجِبِ المعروفِ نأْمر قَوْمَنَا ... وَنَقُومُ صَفَّا في الطَّرِيقِ المُفْسِدِ
لَو تُبْصِرُ الإِخْوانَ في حَلَقَاتِنَا ... مِنْ عَالِمٍ أَوْ طالب مسترشدِ
لَرَأَيْتَ عِلْمًا وَإِتِّبَاعًا صَادِقًا ... لِلسُّنَّةِ الغَرَّاءِ دُونَ تَرَدُّدِي
أَنْعِمْ بطلاب الحديثِ وأَهْلِهِ ... وَأجِلُّهُم عن كل قَوْلِ مُفْسِدِ
هُمْ زِينةُ الدُّنْيَا مَصَابِيحُ الهُدَى ... طُلَعُوا عَلَى الدُّنْيَا طُلُوع الغَرْقَدِ
وَرِثُوا النَّبِيِّ فَأَحْسَنُوا فِي إِرْثِهِ ... وَحَمَوْهُ مِنْ كَيْدِ الخَبِيثِ المُعْتَدِي
سَعِدُوا بِهَدْي مُحَمَّدٍ وَكَلامِهِ ... وَسِوَاهُمُ بِكَلامِهِ لَمْ يَسْعُدِ
وَالدِّينُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُوله ... وَهُمْ لِدِينِ اللهِ أَفْضَلُ مُرْشِدِ
وَالفِقْهُ فَهْمُ النَّصِ فَهْمًا وَاضِحًا ... مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَأْوِيلٍ رَدِيْ
لا تَحْسَبَنَّ الفَقْه مَتْنًا خَالِيًا ... مِنْ كُلِّ قَولٍ لِلْمُشَرِّعِ مُسْنَدِ
فَعَلَيْكَ بِالوَحْيَيْنِ لا تَعْدُوهُمَا ... وَاسْلُكْ طَرِيقهُمَا بِفهْمِ جَيِّدِ
فَإِذَا تَعَذَّرَ فَهْمُ نَصٍّ غَامِضٍ ... فَاسْتَفْتِ أَهْلَ الذِّكْرِ كَالمُسْتَرْشِدِ
بِالبَيَّنَاتِ وَالزَّبُورِ فَإِنَّهُ ... مِنْ أَمْرِ رَبَّكَ فِي الكِتابِ فَجَوِّدِ
وَاعلم بأنَّ مَن اقْتَدَى بِمُحَمَّدٍ ... سَيَنَاله كَيْدُ الغُوَاةِ الحُسَّدِ
وَيَذوق أَنْواعَ العَدَاوةِ وَالأَذَى ... مِنْ جَاهِلٍ وَمُكَابِرٍ وَمُقَلَّدِ
فَاصْبِرْ عَلَيْهِ وَكُنْ بِرَبَّكَ وَاثِقًا ... هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى الهُدَى وَالسُّؤْدَدِ [5]
وصدق شاعر اخر:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
وقال بعضهم:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدّثنا وما سوى ذاك فوسواس الشياطين
فالموفق من جعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حكماً على قول كل أحد ، وإن خالفه من خالفه أو بدّعه من بدّعه ، فقد جرت عادة المقلدين والمتعصبين في تبديع مخالفيهم وتضليلهم ، وهذا شأن كل مبطل ومنحرف عن الحق والصراط المستقيم إذا عجز عن إقامة الحجة والدليل ، لجأ إلى مثل هذه الأفاعيل .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن".
وعن جابر بن زيد أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت".
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني . فقيل: كيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه".
وعنه رضي الله عنه أنه قال : "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع".
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : "أوشك قائل من الناس يقول : قد قرأت القرآن ولا أرى الناس يتبعوني، ما هم متبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدُع فإن كل ما ابتدُع ضلالة".
وعنه أنه قال : "أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع والتبدع والتنطع وعليكم بأمركم العتيق".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة".
وعن الحسن البصري قال : "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا".
وعنه قال: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك".
وعن أيوب السختيانى أنه كان يقول : "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا".
وعن سفيان الثوري قال : "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره. وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله في النار . وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه".
وقال : "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها".
وعن أبي قلابة أنه قال : "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون".
وهذا ابن مسعود ينكر على قوم يذكرون الله ولكن ليس على طريقة وهدى النبى صلى الله عليه وسلم
** عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ ، قَالَ : كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ، فَقَالَ : أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَانِ بَعْدُ ؟ قُلْنَا : لاَ ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ ، وَالْحَمْدُ ِللهِ ، إِلاَّ خَيْرًا ، قَالَ : فَمَا هُوَ ؟ فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ , قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا ، يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى , فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِئَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِئَةً ، فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِئَةً , فَيُهَلِّلُونَ مِئَةً ، وَيَقُولُ : سَبِّحُوا مِئَةً , فَيُسَبِّحُونَ مِئَةً ، قَالَ : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا ، انْتِظَارَ رَأْيِكَ ، أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ ، قَالَ : أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ ، حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ ، وَالتَّهْلِيلَ ، وَالتَّسْبِيحَ ، قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتِكُمْ ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ، وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ؟! أَوْ مُفْتَتِحُوا بَابَ ضَلاَلَةٍ ؟ قَالُوا : وَاللهِ ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَانِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ ، قَالَ : وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم حدَّثنا ؛ أَنَّ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ.
وَايْمُ اللهِ ، مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ.
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ : رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ ، يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ. [6]
فهؤلاء ذكروا الله ولكن على غير هدى النبى صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المسلمين مع الخوارج . فكيف بمن أشركوا بالله ترى مع أى فريق يكونون مع المسلمون أم مع الكافرون ؟
وعنه أنه قال : "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ : " أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ "
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ : " لَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةٍ تُقَادُ وَإِنْسَانٍ يُقَلِّدُ "
وقال حذيفة: "اتبعوا سبيلنا، فلئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً".
* وأنكر علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم على رجل رآه يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو .
* وسأل رجل الإمام مالكاً عن الإحرام بالعمرة من المسجد بدلاً عن الميقات فقال : لا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة .
فقال الرجل " ومافي هذا من الفتنة ؟ إنما هي أميال أزيدها " !
فقال الإمام مالك " وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسوله صلى الله عليه وسلم "
ولقد حارب السلف هذا النوع من التقليد وذموه واعتبروه مزلقا خطيرا يحرف المسلم وينحيه عن المنبع الذي يستمد منه دينه، ويجعله عرضة لكل بدعة، ومنقادا لكل شبهة، وتبعا لكل ناعق وإضافة إلى ذلك فإن التقليد له صلة وثيقة بالبدعة فالبدعة تؤخذ في غالب الأمر تقليدا لشيخ يعظم أو والد يحترم أو مجتمع تقدس فيه عاداته، ولذلك كان التقليد والابتداع سببين رئيسيين في ضلال الأمم وانحرافها عن منهج أنبيائهم.
وقد حكى الله في كتابه العزيز عن بني إسرائيل أنهم سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها من الأصنام مقلدين في ذلك من مرّوا عليهم من عباد الأصنام قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، كما ذكر سبحانه أن ما وقع فيه اليهود والنصارى من الكفر بقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله إنما هو نتيجة التقليد لمن قبلهم من الوثنيين قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
كما ذم سبحانه صنيع اليهود والنصارى مع علمائهم حيث قلدوهم في جميع ما يقولون، فأحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
كما ذم سبحانه وتعالى من امتنع عن قبول الحق تقليدا للآباء فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ }.
قال ابن القيم: "والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولابد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولابد فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولابد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولابد" .
قال ابن القيم: "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها : أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان . بل تنظر في صحة الحديث أولا. فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لابد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضا فهلا وافقته إن كنت صادقا؟.
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه.
فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلد به ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا وصل استغنى بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.
قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد" .
للموضوع تتمة

[1]صحيح البخاري
[2] صحيح البخاري
[3] حلية الأولياء
[4] الاعتصام
[5] موارد الظمآن لدروس الزمان - (5 / 286)

[6] صححه الأالبانى فى السلسلة الصحيحة
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 11:57 AM   [2]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Thought الرد الميسر على بطلان التوسل (2)


 

الرد الميسر على بطلان التوسل (2)
الأمر الرابع : أن الأصل في العبادات الحظر والمنع ، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها
فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم يثبت فيه أمر الشارع، فهو بدعة، قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد " وقال: " إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ".
فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل، لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها. وأما الأكل والمعاملات والآداب واللباس وغيرها، فالأصل فيها الإباحة، إلا ما قام الدليل على تحريمه.
قال القائل
وليس مشروعاً من الأمورِ ... غيرُ الذي في شرعنا مذكور
لما كان الأصل في العادات الإباحة بين في القاعدة أن الأصل في العبادات الحظر والمنع وهذه قاعدة مهمة حتى لا يُخلط بين العادات والعبادات وهذا القول هو الذي يُعبر عنه الفقهاء بقولهم {الأصل في العبادات المنع} أو {أمر العبادات مبنية على التوقيف}.
فبناءً على هذه القاعدة لا يجوز للإنسان أن يلزم نفسه أو غيره بعباده غير منصوص عليها بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس .
وبناءً على ذلك يكون معنى القاعدة أن العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل لا يجوز أن يلزم أحد بها إلا بموجب نص شرعي وكذا لا يجوز أن تُعمل إلا على وفق ما أمر الله تعالى بها وكما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم . أما ما عدا هذه الأمور فمهما أعطاها الناس صيغة التشريع وألبسوها لباس الشرع فهي خارج دائرة العبادة بل يحرم أن تسمى عبادة حتى يأتي دليل من الشرع على مشروعية هذا الشيء.
ذكر بعض أنواع العبادة
العبادة أنواعها كثيرة ، فكل عمل صالح يحبه الله ويرضاه قولي أو فعلي ظاهر أو باطن فهو نوع من أنواعها وفرد من أفرادها ، وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة على ذلك :
1 - فمن أنواع العبادة : الدعاء ، بنوعيه دعاء المسألة ، ودعاء العبادة .
قال الله تعالى : { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (غافر : 14) ، وقال تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن : 18) ، وقال تعالى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }{ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } (الأحقاف : 5- 6) .
فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا ، ومن دعا حيا بما يقدر عليه مثل أن يقول : يا فلان أطعمني ، أو يا فلان اسقني ، ونحو ذلك فلا شيء عليه ، ومن دعا ميتا أو غائبا بمثل هذا فإنه مشرك ؛ لأن الميت والغائب لا يمكن أن يقوم . بمثل هذا .
والدعاء نوعان : دعاء المسألة ودعاء العبادة .
فدعاء المسألة ، هو سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة ، ودعاء العبادة يدخل فيه كل القربات الظاهرة والباطنة ؛ لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها .
وكل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة .
2 ، 3 ، 4 - ومن أنواع العبادة : المحبة والخوف والرجاء ، وقد تقدم الكلام عليها وبيان أنها أركان للعبادة .
5 - ومن أنواعها : التوكل ، وهو الاعتماد على الشيء .
والتوكل على الله : هو صدق تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتمادا عليه وثقة به مع مباشرة ما شرع وأباح من الأسباب لتحصيل المنافع ودفع المضار ، قال الله تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (المائدة : 23) ، وقال تعالى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (الطلاق : 3) .
6 ، 7 ، 8- ومن أنواع العبادة : الرغبة والرهبة والخشوع .
فأما الرغبة : فمحبة الوصول إلى الشيء المحبوب ، والرهبة : الخوف المثمر للهرب من المخوف ، والخشوع : الذل والخضوع لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي ، قال الله تعالى في ذكر هذه الأنواع الثلاثة من العبادة : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } (الأنبياء : 90) .
9 - ومن أنواع العبادة : الخشية ، وهي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه ، قال الله تعالى : { فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي } (البقرة : 150) .
{ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } (المائدة : 3) .
10- ومنها الإنابة ، وهي الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته ، قال الله تعالى : { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } (الزمر : 54) .
11 - ومنها : الاستعانة ، وهي طلب العون من الله في تحقيق أمور الدين والدنيا ، قال الله تعالى :{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس : « إذا استعنت فاستعن بالله » .
12 - ومنها : الاستعاذة ، وهي طلب الإعاذة والحماية من المكروه ، قال الله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ }{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وقال تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ }{ مَلِكِ النَّاسِ }{ إِلَهِ النَّاسِ }{ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } .
13 - ومنها الاستغاثة ، وهو طلب الغوث ، وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك ، قال الله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } (الأنفال : 9) .
14 - ومنها الذبح ، وهو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه الخصوص تقربا إلى الله ، قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الأنعام : 162) ، وقال تعالى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (الكوثر : 2) .
15 - ومنها النذر ، وهو إلزام المرء نفسه بشيء ما ، أو طاعة لله غير واجبة ، قال الله تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } (الإنسان : 7) .
فهذه بعض الأمثلة على أنواع العبادة ، وجميع ذلك حق لله وحده لا يجوز صرف أى شيء منه لغير الله .
والعبادة بحسب ما تقوم به من الأعضاء على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : عبادات القلب ، كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك .
القسم الثاني : عبادات اللسان ، كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك .
القسم الثالث : عبادات الجوارح ، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد ، ونحو ذلك .
الأمر الخامس : حماية النبى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد من أى شائبة من شوائب الشرك صغيره وكبيره جليه وخفيه
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على أمته ؛ لتكون عزيزة منيعة محققة لتوحيد الله عز وجل ، مجانبة لكل الوسائل والأسباب المفضية لما يضاده ويناقضه ، قال الله تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (التوبة : 128) .
وقد أكثر صلى الله عليه وسلم في النهي عن الشرك وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة ملة إبراهيم التي بعث بها من كل ما قد يشوبها من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص ، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، فأقام الحجة ، وأزال الشبهة ، وقطع المعذرة ، وأبان السبيل .
وفي المطالب التالية عرض يتبين من خلاله حماية النبى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده كل طريق يفضي إلى الشرك والباطل .
المطلب الأول : الرقى .
أ- تعريفها : الرقى جمع رقية ، وهي القراءة والنفث طلبا للشفاء والعافية ، سواء كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية النبوية المأثورة .
ب- حكمها : الجواز ، ومن الأدلة على ذلك ما يلي :
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ .[1]
عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ [2]وَالْحُمَةِ [3]وَالنَّمْلَةِ[4] .[5]
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل » [6]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : (أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما) » ،.[7]
ج- شروطها : ولجوازها وصحتها شروط ثلاثة :
الأول : أن لا يعتقد أنها تنفع لذاتها دون الله ، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو محرم ، بل هو شرك ، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله .
الثاني : أن لا تكون بما يخالف الشرع كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك ، فإنها محرمة ، بل شرك .
الثالث : أن تكون مفهومة معلومة ، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة فإنها لا تجوز .
وقد سئل الإمام مالك رحمه الله : أيرقي الرجل ويسترقي ؟ فقال : " لا بأس بذلك ، بالكلام الطيب " .
د- الرقية الممنوعة : كل رقية لم تتوفر فيها الشروط المتقدمة فإنها محرمة ممنوعة ، كأن يعتقد الراقي أو المرقي أنها تنفع وتؤثر بذاتها ، أو تكون مشتملة على ألفاظ شركية وتوسلات كفرية وألفاظ بدعية ، ونحو ذلك ، أو تكون بألفاظ غير مفهومة كالطلاسم ونحوها .
المطلب الثاني : التمائم .
أ- تعريفها : التمائم جمع تميمة ، وهي ما يعلق على العنق وغيره من تعويذات أو خرزات أو عظام أو نحوها لجلب نفع أو دفع ضر ، وكان العرب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين بزعمهم الباطل .
ب- حكمها : التحريم ، بل هي نوع من أنواع الشرك ؛ لما فيها من التعلق بغير الله ؛ إذ لا دافع إلا الله ، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته .
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الرقى والتمائم والتولة شرك » [8]
وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ . [9]
وعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ .[10]
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من علق تميمة فقد أشرك »[11]
فهذه النصوص وما في معناها في التحذير من الرقى الشركية التي كانت هي غالب رقى العرب فنهي عنها لما فيها من الشرك والتعلق بغير الله تعالى .
ج- وإذا كان المعلق من القرآن الكريم ، فهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم ، فذهب بعضهم إلى جواز ذلك ، ومنهم من منع ذلك ، وقال لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء ، وهو الصواب لوجوه أربعة :
1- عموم النهي عن تعليق التمائم ، ولا مخصص للعموم .
2- سدا للذريعة ، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن . وقد حدث ذلك فى كثير من بلاد المسلمين .
3- أنه إذا علق فلا بد أن يمتهن المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ، ونحو ذلك .
4- أن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة ، وهي القراءة به على المريض فلا تتجاوز .
المطلب الثالث : لبس الحلقة والخيط ونحوها .
أ- الحلقة قطعة مستديرة من حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك ، والخيط معروف ، وقد يجعل من الصوف أو الكتان أو نحوه ، وكانت العرب في الجاهلية تعلق هذا ومثله لدفع الضر أو جلب النفع أو اتقاء العين ، والله تعالى يقول : { قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } (الزمر : 38) ، ويقول تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } (الإسراء : 56) .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (يوسف : 106)
ب- حكم لبس الحلقة والخيط ونحو ذلك ، محرم فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية ؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر مع الله تعالى الله عما يشركون .
وإن اعتقد أن الأمر لله وحده وأنها مجرد سبب ، ولكنه ليس مؤثرا فهو مشرك شركا أصغر لأنه جعل ما ليس سببا سببا والتفت إلى غير ذلك بقلبه ، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء . وإن لم يتعلق بها قلبه تعلق بها قلب من بعده .
المطلب الرابع : التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها .
التبرك هو طلب البركة ، وطلب البركة لا يخلو من أمرين :
1 - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم ، مثل القرآن ، قال الله تعالى : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } (الأنعام : 92 ، 155) ، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق ، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة .
2 - أن يكون التبرك بأمر غير مشروع ، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك ، فهذا كله من الشرك .
فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . [12]
فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون ، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة ، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد ؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك ، واتخاذ إله غير الله شرك واضح .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : « لتركبن سننة من كان قبلكم » إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في أمته صلى الله عليه وسلم ، وقد قال ذلك عليه الصلاة والسلام ناهيا ومحذرا .
المطلب الخامس : النهي عن أعمال تتعلق بالقبور .
هل بعث النبى صلى الله عليه وسلم ليربط الناس بالأموات والمقبورين أم ليربطهم بالله عز وجل ؟
ولما كان التوسل بأصحاب القبور خاصة يفضى إلى الشرك بالله فقد أغلق الله ورسوله هذا الباب ونهوا عنه فى غير موضع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سدا لزريعة الشرك
لقد كان الأمر في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه ، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها .
عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا .[13]
عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً .[14]
وعن بريدة - رضي الله عنه - ، قَالَ : كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ : (( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أهلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُسلمينَ ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ للاَحِقونَ ، أسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ )) [15]
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا .[16]
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين عظيمين وغايتين جليلتين :
الأولى : التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى ، والاعتبار بأهل القبور مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله ، ويذهب عنه الإعراض والغفلة .
الثانية : الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال الله العفو عنهم .
هذا الذي دل عليه الدليل ، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان .
ثم إن السنة قد جاءت بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها ، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه ، يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال ، ومن ذلك :
1 - النهي عن قول الهجر عند زيارة القبور .
وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تقولوا هجرا » ، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا ، ويأتي في مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب المدد والعافية منهم ، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ .[17]
فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من العبادة لهم شرك أكبر ، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة .
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.[18]
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا .[19]
2 - الذبح والنحر عند القبور .
فإن كان ذلك تقربا إلى المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة التي هي من أعظم وسائل الشرك لما روى عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً .[20]
3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7- رفعها زيادة على التراب الخارج منها ، وتجصيصها ، والكتابة عليها ، والبناء عليها ، والقعود عليها .
فكل ذلك من البدع التي ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك
فعَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ .[21]
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ يُجَصَّصَ زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ .[22]
8 - الصلاة إلى القبور وعندها .
عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا .[23]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ .[24]
وعبادة الله تعالى عند قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم، من محدثات الأمور التي نهينا عنها، وسيلة من وسائل
الشرك، ولو كان هذا الفعل خيراً لسنه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة؛ فإنه بلغ البلاغ المبين؛ وأدى الأمانة، ونصح للأمة، فلم يدع شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وبينه لنا صلى الله عليه وسلم.
فلو كانت العبادة مشروعة عند قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم له مزية وفيه فضل؛ لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً،ولفعله الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، الذين هم أحرص الناس على الخير، وأسرعهم مبادرة إليه، فلما لم يفعلوه؛علم أنه بدعة وضلالة ووسيلة من وسائل الشرك.
والعبادات أيضا مبناها على التوقيف لا على الرأي والاستحسان، و إلا؛ لقال من شاء ما شاء، وانفتحت أبواب المحدثات من كل جانب.
وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ{ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }قَالَ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ وَقَرَأَ{ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ دَاخِرِينَ }[25]
فكيف يأمرنا ربنا جل جلاله أن ندعوه وشرط فى الإستجابة أن ندعوه وحده ثم يأتى من يقول الدعاء عند القبر الفلانى مستجاب فمن أين لك هذا ؟ هل جاء هذا فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضى الله عنهم من بعده .
والميت فى أمس الحاجة إلى دعاء الحى ولو كان هذا الحى أقل من صلاحا . فالحى هو الذى يستطيع أن يفيد الميت بالدعاء له وليس العكس . فهؤلاء الصحابة مع أن الله قد رضى عنهم ومع ذلك كانوا فى حاجة إلى دعاء الأحياء فكيف بمن دونهم . وقد شرعت صلاة الجنازة للدعاء للميت .
فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ و لقد ضم ضمة ثم روخي عنه .[26]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم صَلَّى عَلَى صَبِيَّةٍ - أَوْ صَبِيٍّ - فَقَالَ : لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ.[27]
والحاصل أن تحري الدعا عند القبر معروف أو غيره من الصالحين بدعة ووسيلة من وسائل الشرك، ولا يبعد أن يأتي جاهل من الجهلة فيسأل صاحب القبر، خصوصا في البلاد التي يكثر فيها الجهل !!
وقد خيم الجهل على معظم البلاد في هذا الزمان، واستحكمت غربة الدين، وتسلط الحكام الظلمة المجرمون على عباد الله المؤمنين، وأرخوا العنان لأهل البدع والملحدين؛ فعثوا في الأرض فسادا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
9 - بناء المساجد عليها .
وهو بدعة من ضلالات اليهود والنصارى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ .[28]
10 - اتخاذها عيدا .
وهو من البدع التي جاء النهي الصريح عنها لعظم ضررها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا [29]وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي . [30]
11 - شد الرحال إليها .
وهو أمر منهي عنه لأنه من وسائل الشرك وقد نهينا أن نشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى .[31]
فكيف ننهى عن شد الرحال إلى المساجد ثم نؤمر بشدها إلى القبور؟ ترى هل يستقيم هذا مع أصحاب الفطر والعقول السليمة.

[1] صحيح مسلم - (11 / 202)
[2] «العين» إصابة العائن غيره بعينه بقدر الله .
[3] «الحمة» بحاء مهملة مضمومة ثم ميم مخففة : وهي السم ومعناه : أذن في الرقية من كل ذات سم ، مثل لدغة الثعبان ، أو العقرب أو نحوهما .
[4] «النملة» بفتح النون وإسكان الميم : قروح تخرج من الجنب .
[5] صحيح مسلم - (11 / 195)
[6] رواه مسلم
[7] رواه البخاري ومسلم
[8] السلسلة الصحيحة - (7 / 173) 2972 - ( الصحيحة )
[9] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (5 / 72) تحقيق الألباني :حسن غاية المرام ( 297 )
[10] مسند أحمد - (35 / 273)
[11] السلسلة الصحيحة - (1 / 889) 492 - ( صحيح )
[12] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (5 / 180) تحقيق الألباني : صحيح ظلال الجنة ( 76 ) ، المشكاة ( 5369 )

[13] صحيح مسلم - (5 / 107)
[14]صحيح وضعيف سنن أبي داود - (7 / 235)تحقيق الألباني : صحيح
[15] رواه مسلم . رياض الصالحين
[16] مسند أحمد -
[17] صحيح مسلم - (3 / 127)
[18] صحيح البخاري - (5 / 190)
[19] صحيح البخاري - (13 / 352)
[20] صحيح وضعيف سنن أبي داود - (7 / 222) تحقيق الألباني :صحيح
[21] صحيح مسلم - (5 / 90)
[22] صحيح وضعيف سنن النسائي - (5 / 171)تحقيق الألباني :صحيح الأحكام ( 204 ) ، الإرواء ( 757 ) ، المشكاة ( 1709 )
[23] صحيح مسلم - (5 / 95)
[24] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (1 / 317)تحقيق الألباني :صحيح ، ابن ماجة ( 745 )
[25] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (6 / 469) تحقيق الألباني :صحيح ، ابن ماجة ( 3828 )
[26] تخريج السيوطي( طب ) عن ابن عباس .تحقيق الألباني( صحيح ) انظر حديث رقم : 5306 في صحيح الجامع .
[27] صحيح وضعيف الجامع الصغير - (20 / 10)( صحيح ) انظر حديث رقم : 5307 في صحيح الجامع .
[28] صحيح مسلم - (3 / 125)
[29] العيد هو الذي يعود ويتكرر مثل عيد الفطر وعيد الأضحى ، فكون الإنسان يكرر الزيارة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم كل يوم من أجل السلام فكأنه يتخذه عيدا ، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، أمر المسلم أن يصلي ويسلم عليه وهو في أي مكان كان لأن لله ملائكة سياحين يبلغون الرسول السلام وهذا من يسر هذا الدين إذ ليس باستطاعة كل مسلم أن يأتي إلى المدينة.
[30] تلخيص أحكام الجنائز - (1 / 88) ( صحيح )
[31] صحيح مسلم - (7 / 159)
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 12:00 PM   [3]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Thought الرد الميسر على بطلان التوسل (3)


 

الرد الميسر على بطلان التوسل (3)
المطلب السادس : التوسل .
أ- تعريفه : التوسل مأخوذ في اللغة من الوسيلة ، والوسيلة والوصيلة معناهما متقارب ، فالتوسل هو التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه .
وفي الشرع يراد به التوصل إلى رضوان الله والجنة ؛ بفعل ما شرعه وترك ما نهي عنه .
ب- معنى الوسيلة في القرآن الكريم :
وردت لفظة " الوسيلة " في القرآن الكريم في موطنين :
1 - قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (المائدة : 35) .
2 - قوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } (الإسراء : 57) .
والمراد بالوسيلة في الآيتين ، أي : القربة إلى الله بالعمل بما يرضيه ، فقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الوسيلة فيها القربة ، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن البصري وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد .[1]
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال :
قَالَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَنَزَلَتْ
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ } [2]
وهذا صريح في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة والعبادات الجليلة ، ولذلك قال : { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله وينالون به مرضاته من الأعمال الصالحة المقربة إليه .
ج- أقسام التوسل :
ينقسم التوسل إلى قسمين : توسل مشروع ، وتوسل ممنوع .
1 - التوسل المشروع : هو التوسل إلى الله بالوسيلة الصحيحة المشروعة ، والطريق الصحيح لمعرفة ذلك هو الرجوع إلى الكتاب والسنة ومعرفة ما ورد فيهما عنها ، فما دل الكتاب والسنة على أنه وسيلة مشروعة فهو من التوسل المشروع ، وما سوى ذلك فإنه توسل ممنوع .
والتوسل المشروع يندرج تحته ثلاثة أنواع :
الأول : التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العظيمة ، كأن يقول المسلم في دعائه : اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم أن تعافيني ، أو يقول : أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي وترحمني ، ونحو ذلك .
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } (الأعراف : 180) .
الثاني : التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به العبد ، كأن يقول : اللهم بإيماني بك ، ومحبتي لك ، واتباعي لرسولك اغفر لي ، أو يقول : اللهم إني أسألك بحبي لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به أن تفرج عني ، أو أن يذكر الداعي عملا صالحا ذا بال قام به فيتوسل به إلى ربه ، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة التي سيرد ذكرها .
ويدل على مشروعيته قوله تعالى : { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (آل عمران : 16) ، وقوله تعالى : { رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } (آل عمران : 53) .
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار الثلاثة كما يرويها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر ، فأووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه ، فقال واحد منهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه ، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته ، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا ، وأنه أتاني يطلب أجره ، فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فسقها ، فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز ، فقلت له : اعمد إلى تلك البقر ، فإنها من الفرق ، فساقها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، فانساخت [3] عنهم الصخرة ، فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عليهما ليلة ، فجئت وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع ، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أوقظهما ، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما ، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء ، فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت ، فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها فقالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقمت وتركت المائة
دينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، ففرج الله عنهم فخرجوا » . [4]
الثالث : التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحى الذي ترجى إجابة دعائه فيما أقدره الله عليه ، كأن يذهب المسلم إلى رجل يرى فيه الصلاح والتقوى والمحافظة على طاعة الله ، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج كربته وييسر أمره .
ويدل على مشروعية هذا النوع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بدعاء عام ودعاء خاص .
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : « أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول صلى الله عليه وسلم قائما فقال : يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة [5]ولا شيئا ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ، قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت ، قال : والله ما رأينا الشمس ستا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة- ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب- فاستقبله قائما فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يمسكها ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر ، قال : فانقطعت ، وخرجنا نمشي في الشمس » . قال شريك : فسألت أنسا : أهو الرجل الأول ؟ قَال : لا أدري .[6]
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما « ذكر أن في أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال : ( هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) قام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : (أنت منهم) » [7]
ومن ذلك حديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أويسا القرني وفيه قال : « فاسألوه أن يستغفر لكم » .
وهذا النوع من التوسل إنما يكون في حياة من يطلب منه الدعاء ، أما بعد موته فلا يجوز ؛ لأنه لا عمل له . ولو كان الميت نافعا أحدا لنفع نفسه فدفع عن نفسه ضمة القبر ولجعل قبره روضة من رياض الجنة . ولو كان الميت نافعا أحدا لنفع أولاده الذين صارت أحوالهم بعد موته ضنكا وعيشهم كدا وضلوا بعد ما اهتدوا . أليس هذا من باب أولى ؟
2 - التوسل الممنوع : هو التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشريعة أنه وسيلة ، وهو أنواع بعضها أشد خطورة من بعض ، منها :
1 - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات ونحو ذلك ، فهذا من الشرك الأكبر الناقل من الملة .
2 - التوسل إلى الله بفعل العبادات عند القبور والأضرحة بدعاء الله عندها ، والبناء عليها ، ووضع القناديل والستور ونحو ذلك ، وهذا من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد ، وهو ذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر .
3 - التوسل إلى الله بجاه الأنبياء والصالحين ومكانتهم ومنزلتهم عند الله ، وهذا محرم ، بل هو من البدع المحدثة ؛ لأنه توسل لم يشرعه الله ولم يأذن به . قال تعالى : { آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } (يونس : 59) ولأن جاه الصالحين ومكانتهم عند الله إنما تنفعهم هم ، كما قال الله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } (النجم : 39) ، ولذا لم يكن هذا التوسل معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد نص على المنع منه وتحريمه غير واحد من أهل العلم :
قال أبو حنيفة رحمه الله : (( يكره أن يقول الداعي : أسألك بحق فلان أو بحق أوليائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام )) .
4- التوسل بالأحياء فيما لايقدر عليه إلا الله وفيما لا يطلب إلا من الله .
د- شبهات وردها في باب التوسل .
قد يورد المخالفون لأهل السنة والجماعة بعض الشبهات والاعتراضات في باب التوسل ؛ ليتوصلوا بها إلى دعم تقريراتهم الخاطئة ، وليوهموا عوام المسلمين بصحة ما ذهبوا إليه ، ولا تخرج شبهات هؤلاء عن أحد أمرين :
الأول : إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة يستدل بها هؤلاء على ما ذهبوا إليه ، وهذه يفرغ من أمرها بمعرفة عدم صحتها وثبوتها ، ومن ذلك :
1 - حديث : « توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم » ، أو « إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم » ، وهو حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ، ولا هو في شيء من كتب الحديث .
2 - حديث : « إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور » ، أو « فاستغيثوا بأهل القبور » ، وهو حديث مكذوب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء . هل إذا أعى الإنسان أمر فعليه باللجوء إلى الله أم يلجئ إلى أهل القبور ؟ ترى
أى الأمرين يكون مقبولا عقلا ونقلا ؟
من الذى يحتاج إلى الآخر ؟ هل الميت هو الذى يحتاج إلى الحى أمن الحى هو الذى يحتاج إلى الميت ؟ أين أصحاب العقول ؟
هل يملك الميت لنفسه نفعا أو ضرا فضلا من أن يملك لغيره ؟ لو كان هذا الميت حيا فهل يملك لنفسه نفعا أو ضرا فضلا من أن يملك لغيره ؟ فكيف وهو ميت ؟
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)
3 - حديث : « لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه » ، وهو حديث باطل مناقض لدين الإسلام ، وضعه بعض المشركين .
لو أحسن الإنسان نيته فى حجر فلو أننا أقررنا هذا الكلام أليس هذا إقرارا منا على عبادة الأوثان ؟ وكيف يدعو النبى صلى الله عليه وسلم الناس إلى عبادة الله وتوحيد الله وهو يقول لهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ؟ أليس هذا تناقض ممن يدعوا الناس إلى توحيد الله ثم هو يقول لهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ؟ وإذا انتفع الإنسان بالحجر فهل يتوجه هذا الإنسان بعد ذلك فى حاجاته إلى الله أم إلى الحجر ؟ لا شك أن العاقل يقول أنه يتجه إلى من أسدى إليه المنافع .
4 - حديث : « لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال : يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال : يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال : غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك » [8]
فمثل هذه الأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة الملفقة لا يجوز لمسلم أن يلتفت إليها فضلا عن أن يحتج بها ويعتمدها في دينه.
الثاني : أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم يسيء هؤلاء فهمها ويحرفونا عن مرادها ومدلولها ، ومن ذلك :
1 - ما ثبت في الصحيح : « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون » [9]
ففهموا من هذا الحديث أن توسل عمر رضي الله عنه إنما كان بالعباس رضي الله عنه ، وأن المراد بقوله : « كنا نتوسل إليك بنبينا [أي بجاهه] فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا » [أي بجاهه] .
وهذا ولا ريبِ فهم خاطئ وتأويل بعيد لا يدل عليه سياق النص لا من قريب ولا من بعيد ؛ إذ لم يكن معروفا لدى الصحابة التوسل إلى الله بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه ، وإنما كانوا يتوسلون إلى الله بدعائه حال حياته كما تقدم بعض هذا المعنى ، وعمر رضي الله عنه لم يرد بقوله : « إنا نتوسل إليك بعم نبينا » أي ذاته أو جاهه ، وإنما أراد دعاءه ، ولو كان التوسل بالذات أو الجاه معروفا عندهم لما عدل عمر عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه ، بل ولقال له الصحابة إذ ذاك كيف نتوسل بمثل العباس ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق ، فلما لم يقل ذلك أحد منهم ، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه ، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل لا بذاته .
وبهذا يتبين أن الحديث ليس فيه متمسك لمن يقول بجواز التوسل بالذات أو الجاه .
2 - حديث عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ : أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ فَادْعُهْ قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ .[10]
ففهموا من الحديث أنه يدل على جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين ، وليس في الحديث ما يشهد لذلك ، فإن الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره ، فقال له : « إن شئت صبرت وإن شئت دعوت » ، فقال : فادعه ، إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في الحديث المصرحة بأن هذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته أو جاهه ؛ ولذا ذكر أهل العلم هذا الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب ، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ولهذا أورده البيهقي في دلائل النبوة .[11]
وأما الآن وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون لتعذر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأحد بعد الموت ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » [12]
والدعاء من الأعمال الصالحة التي تنقطع بالموت .
وعلى كل فإن جميع ما يتعلق به هؤلاء لا حجة فيه ؛ إما لعدم صحته ، أو لعدم دلالته على ما ذهبوا إليه .
ومن العحيب أن هذا الرجل الضرير جاء إلى النبى وقال : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ فَادْعُهْ فهو جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلب منه الدعاء وأجابه النبى صلى الله عليه وسلم إلى طلبه ولكن النبى صلى الله عليه وسلم أمره بأمر آخر فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ . ومضمون هذا الأمر النبوى لهذا الرجل أن يتوضأ وأن يدعو الله أن يتقبل دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له . وإلا لو كان الأمر كما يفهمه البعض لكان الصحابة أولى بذلك فهم أعلم منا وأحرص . وهم أشد منا حبا واتباعا للنبى صلى الله عليه وسلم ومهما ادعى أى إنسان أنه يحب النبى صلى الله عليه وسلم فلن تبلغ محبته ذرة واحدة من حب الصحابة للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما يفعل هذا المدعى المتوسل .
هل فعل النبى ذلك أو أمر به أو فعله الصحابة وهم خير هذه الأمة من بعده صلى الله عليه وسلم ؟
لو فعله النبى صلى الله عليه وسلم لفعله الصحابة من بعده فهم أولى بذلك منا وهم أعلم منا وأحرص .
فإذا لم يفعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ولا الصحابة من بعده فلا يسوغ لأى إنسان كائنا من كان أن يشرع بعد الله ورسوله .
والله أنزل دينه كاملا فلا يسوغ لأى إنسان أن يزيد فيه ما ليس منه أو ينقص ما هو فيه .ففى الزيادة تحريف وفىالنقصان تحريف . وفى الزيادة دليل على أن الدين ناقص . وفى النقصان دليل على أن الدين ليس بكامل . وفى الزيادة والنقصان تشريع والتشريع لا يحق إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
المطلب السابع : الغلو .
أ- تعريفه : الغلو في اللغة هو مجاوزة الحد ، بأن يزيد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق .
وفي الشرع : هو مجاوزة حدود ما شرع الله لعباده سواء في العقيدة أو العبادة .
ب- حكمه : التحريم ؛ لما جاء من النصوص في النهي عنه والتحذير منه وبيان سوء عواقبه على أهله في العاجل والآجل . قال الله تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } (النساء : 171) .
وقال تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة : 77) .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقُطْ لِي حَصًى فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ .[13]
وعَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا .[14]
واعلم أنه لا يحتج بأسماء الرجال وإنما يحتج بالرسول صلى الله عليه وسلم :
قال: (واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجن علي بأسماء الرجال، وتقول قد قال إبراهيم بن أدهم، قد قال بشر الحافي من احتج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم أقوى حجة).
قول ابن الجوزي: إن فقيهاً واحداً أفضل من ألوف يتمسح العوام بهم تبركاً:
من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة:
فإن من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة، والمحنة العظمى مدائح العوام ، فكم غرت كما قال علي رضي الله عنه: (ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئاً) .

بعض المراجع
التوصل إلى حقيقة التوسل - (1 / 298)
قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (1 / 245)
أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة - نخبة من العلماء - (1 / 34)
إيقاظ همم أولي الأبصار للإقتداء بسيد المهاجرين والأنصار - (1 / 11)
موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - (4 / 262)
حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة - (1 / 235)
القول المفيد على كتاب التوحيد - (1 / 211)
شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي - (1 / 58)
هذا ما تيسر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين
أخوكم ومحبكم فى الله محمود العجوانى


[1] تفسير ابن كثير
[2] صحيح مسلم - (14 / 332)
[3] فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه ، كما في حديث سالم .
[4] رواه البخاري
[5] سحاب متفرق
[6] صحيح البخاري
[7] صحيح البخاري
[8] وهو حديث باطل لا أصل له ، ومثله حديث : « لولاك ما خلقت الأفلاك » سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني .
[9] صحيح البخاري
[10] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (8 / 78)تحقيق الألباني :صحيح ، ابن ماجة ( 1385 )
[11] دلائل النبوة للبيهقي
[12] رواه مسلم
[13] صحيح وضعيف سنن ابن ماجة - (7 / 29)تحقيق الألباني :صحيح ، الصحيحة ( 1283 ) ، الظلال ( 98 )
[14] صحيح مسلم - (13 / 154)
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 12:16 PM   [4]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية الشيخ حسن المريسي

الشيخ حسن المريسي

الملف الشخصي
 
 
 
 

معلومات العضو
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (3)


 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اولا شيخنا الجليل وفقكم الله تعالي في هذا الموضوع ويسر الله لكم الامر

ومعذرة عندي راي لو قبلتموه فبها ونعمة والا فلكم ما اردتم

وهو ان يكون هذا الموضوع موضوعا واحدا

وان شاء الله انا سأثبت هذا الموضوع بدلا بمن كونه علي اجزاء حتي يتيسر علي القاريء ان يراي جميعه

الشيخ حسن المريسي غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 01:04 PM   [5]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية نورسين

نورسين

الملف الشخصي
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (2)


 

الف شكر لما قدمت استاذنا الكريم

مجهودك قيم

واشكرك لذكر فهرس المراجع التى تم منها اخذ الاحاديث او الافكار


جزاك الله خيرا

ارفع راسك فوق انت مصرى



«°•.nourseen.•° °•.نورسين.•°»

نورسين غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 02:51 PM   [6]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية نورسين

نورسين

الملف الشخصي
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (3)


 

الف شكر لما قدمت شيخنا الفاضل


بارك الله فيك ونفعنا بعلمك النير

ارفع راسك فوق انت مصرى



«°•.nourseen.•° °•.نورسين.•°»

نورسين غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 04:00 PM   [7]
::.عضو جديد.::


محمود النمسى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Lesson رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (3)


 

قضايا إسلامية

الموضوعهل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم ؟ من المعاني التي أُسيء فهمها في الإسلام في عصرنا الحديث معنى «التوسل» مما يوجب علينا أن نعود للأصل اللغوي والمعنى الشرعي للتوسل قبل الحديث عن حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
معنى الوسيلة في اللغة والشرع :
الوَسِيلةُ في اللغة : الـمَنْزِلة عند الـمَلِك. و الوَسِيلة: الدَّرَجة. و الوَسِيلة: القُرْبة. ووَسَّل فلانٌ إِلـى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِلـيه. و الواسِل: الراغِبُ إِلـى الله؛ قال لبـيد:
أَرى الناسَ لا يَدْرونَ ما قَدْرُ أَمرِهم بَلـى كلُّ ذي رَأْيٍ إِلـى الله واسِلُ
وتوَسَّل إِلـيه بوَسِيلةٍ إِذا تقرَّب إِلـيه بعَمَل. وتوَسَّل إِلـيه بكذا : تقرَّب إِلـيه بحُرْمَةِ آصِرةٍ تُعْطفه علـيه. و الوَسِيلةُ: الوُصْلة والقُرْبى، وجمعها الوسائل([1]).
ولا يخرج معنى الوسيلة الشرعي عن ذلك المعنى اللغوي، فإن قضية حياة المسلم هي أن يتقرب إلى الله ويحصل رضاه وثوابه، ومن رحمة الله بنا أن شرع لنا كل العبادات وفتح باب القرب إليه، فالمسلم يتقرب إلى الله بأنواع شتى من القربات التي شرعها الله عز وجل، فمثلاً عندما يصلي المسلم فإنه يتقرب إلى الله بالصلاة، أي أنه يتوسل إلى الله بهذه الصلاة، وعليه فإن القرآن كله يأمرنا بالوسيلة (بالقرب) إلى الله.
وقد ذكر الوسيلة في كتابه العزيز في موضعين : الموضع الأول : يأمر بها قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ }([2]). والثاني : يثني الله على الذين يتوسلون إليه في دعائهم، قال تعالى { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }([3]).
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل استحباب ذلك، وعدم التفريق بين حياته صلى الله عليه وسلم وانتقاله الشريف صلى الله عليه وسلم ولم يشذ إلا ابن تيمية حيث فرق بين التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ،وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم ولا عبرة لشذوذه، فندعو الأمة إلى التمسك بما اتفق عليه أئمتها الأعلام، وحتى لا نكرر الكلام ففي إجابة السؤال رقم 39 والذي كان يسأل عن قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }([4]). هل تلك الآية باقية أم انتهت بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقلنا ما يثبت استحباب المذاهب الأربعة للتوسل بالنبي وطلب الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم فلتراجع، وفيما يلي نسرد الأدلة من الكتاب والسنة التي كانت سندًا لإجماع المذاهب الأربعة ،وهي :
أولا : أدلة القرآن الكريم :
1- قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ } .
2- وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }.
3- وقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ
الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } ، فالآية الأولى تأمر المؤمنين أن يتقربوا إلى الله بأنواع شتى من القربات، والتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء من القربات، التي ستثبت تفصيلاً في استعراض أدلة السنة، وليس هناك ما يخصص وسيلة عن وسيلة، فالأمر عام بكل أنواع الوسائل التي يرضى الله بها، والدعاء عبادة ويقبل طالما أنه لم يكن بقطيعة رحم، أو إثم، أو احتوى على ألفاظ تتعارض مع أصول العقيدة ومبادئ الإسلام.
والآية الثانية يثني الله عز وجل فيها على هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا لله، وتقربوا إليه بالوسيلة في الدعاء، كما سنبين كيف يتوسل المسلم إلى الله في دعائه من السنة.
والآية الثالثة صريحة في طلب الله من المؤمنين الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستغفار الله عند ذاته صلى الله عليه وسلم الشريفة، وأن ذلك أرجى في قبول استغفارهم، وهذه الآية باقية كما بينا في إجابة السؤال رقم 39.
ثانيا : أدلة السنة :
1- عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني. قال : «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك ». قال: فادعه. قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : « اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربى في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في»([5]). وقد صحح الحديث الحاكم، والترمذي، ولا نعلم أحدًا ضعفه حتى في ذلك العصر الحديث، وممن اشتهروا بالمنهج التشددي، فقد صححه الشيخ الألباني([6])، فليس هناك من يعترض على سند الحديث ولا متنه، وهذا الحديث دليل على استحباب هذه الصيغة من الأدعية؛ حيث علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه، وأظهر الله معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم حيث استجاب لدعاء الضرير في المجلس نفسه، وفي الحقيقة فنحن لا نحتاج إلى ذكر قصة الحديث، التي حدثت في زمن معاوية بن أبي سفيان، حتى نستدل على جواز الدعاء بهذه الصيغة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عَلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا من أصحابه صيغة للدعاء، ونقلت إلينا بالسند الصحيح، فدل ذلك على استحباب الدعاء بها في كل الأوقات حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وليست هناك مخصص لهذا الدعاء لذلك الصحابي وحده، ولا مقيد لذلك بحياته صلى الله عليه وسلم فالأصل في الأحكام والتشريعات أنها مطلقة وعامة، إلا أن يثبت المخصص أو المقيد لها، ورغم ذلك كله، قال الشوكاني : «وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل ،مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن»([7]). ولغياب تلك المعاني الأصولية عن أذهان الكثير في ذلك العصر سنضطر أن نذكر قصة هذا الحديث، والتي تبين أن ذلك الصحابي الجليل أرشد من له حاجة إلى هذا الدعاء بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك فيما يلي.
2- قصة الحديث : أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل : (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي - وتذكر حاجتك- ) ،ورح إلى حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب، حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان ابن عفان، وأجلسه معه على الطنفسة، وقال له : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له : جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير([8]) ... ثم ذكر الحديث.
قال العلامة الحافظ السيد عبد الله بن الصديق الغماري : «هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي ،عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ... فذكر القصة بتمامها، ثم قال : ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الإمام الثقة، بل هو فوق الثقة ،وهذا إسناد صحيح، فالقصة صحيحة جدًّا، وقد وافق على تصحيحها أيضًا الحافظ المنذري في الترغيب، ج3 ص606، والحافظ الهيثمي مجمع الزوائد، ج3 ص379»([9])، والقصة تدل على ما يدل عليه الحديث ،مع إغلاق الباب على من حاول أن يزعم أن الحديث خاص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم - ولا مخصص كما ذكرنا - ولكن ذلك يشد العضد ،ويؤيد الصواب إن شاء الله تعالى.
3- حديث الخروج إلى المسجد للصلاة، عن أبي سعيد الخدري ،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من قال حين يخرج إلى الصلاة : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي، فإنى لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له ،وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته»([10]). وهذا حديث صحيح صححه كل من : الحافظ ابن حجر العسقلاني([11])، والحافظ العراقي([12])، وأبو الحسن المقدسي شيخ المنذري([13]) ،و الحافظ الدمياطي([14])، والحافظ البوصيري([15]). والحديث يدل على جواز التوسل إلى الله في الدعاء بالعمل الصالح وهو سير المتوضئ إلى الصلاة، وبحق السائلين لله.
4- حديث أنس عند موت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنه، وهو حديث طويل، وفي آخره: « وقال : الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين»([16]). والحديث في سنده مقال اختلف أهل الحديث في رجال؛ وذلك لأن سند الحديث فيه «روح بن صلاح» ،وقد وثقه ابن حبان، وعده ابن الجوزي من المجهولين؛ وعلى هذا فقد اُختلف في صحة هذا الحديث وضعفه، من حيث رفع سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن معناه صحيح مؤيد بما مر من أحاديث صحيحة.
5- توسل آدم عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم أن يغفر له في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما اقترف آدم الخطيئة، قال : يا رب أسألك بحق محمد، لما غفرت لي. فقال الله : يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه ؟ قال : يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا : لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله : صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك »([17]). وقد صححه الحاكم حيث عقبه بقوله : «هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب»([18])، وقد قال عنه الحافظ ابن كثير بأنه منكر في كتابه قصص الأنبياء عند ذكر قصة آدم عليه السلام، كما بالغ الحافظ الذهبي عندما حكم بوضعه؛ لأن في سنده عبد الرحمن، وعبد الرحمن ليس بكذاب، ولا متهم، بل هو ضعيف فقط، ومثله لا يجعل الحديث موضوعًا وأقصى ما يحدث أن يكون ضعيفًا، وعلى أية حال فقد ذكرنا خلاف المحدثين بشأنه للأمانة العلمية، وفي الحديث - إن صح - دلالة واضحة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وأما ما قد يشكل من خاتمة الحديث، وهو قول المولى : «ولولا محمد ما خلقتك» فقد بينت ذلك في إجابة السؤال رقم 36 فليراجع.
6- حديث : «أعينوا عباد الله»؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة ،يكتبون ما يسقط من نوى الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة؛ فليناد : أعينوا عباد الله »([19]). قال عن سنده الحافظ الهيثمي : «رواه الطبراني ورجاله ثقات»([20])، وفي الحديث دليل على الاستعانة بمخلوقات لا نراها، قد يسببها الله عز وجل في عوننا ونتوسل بها إلى ربنا في تحقيق المراد كالملائكة، ولا يبعد أن يقاس على الملائكة أرواح الصالحين فهي أجسام نورانية باقية في عالمها.
7- قصة الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره في زمن عمر، فعن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ،فقال : «إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبره أنهم يسقون، وقل له : عليك بالكيس الكيس» ،فأتى الرجل عمر فأخبر عمر فقال : يا رب ما آلو إلا ما عجزت([21]). وهو حديث صحيح صححه الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ حيث قال ما نصه : «وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ،من رواية أبي صالح السمان ،عن مالك الداري - وكان خازن عمر - قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال : يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام ،فقيل له : «ائت عمر ... » الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة»([22])، وقد ذكر الرواية كذلك الحافظ ابن كثير ،وقال : «هذا إسناد صحيح»([23]). والحديث قد صححه كبار الحفاظ، فيصلح أن يكون دليلًا على جواز الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بالاستسقاء والدعاء بعد انتقاله الشريف صلى الله عليه وسلم.
8- قصة الخليفة المنصور مع الإمام مالك رضي الله عنه وهي : «أن مالكًا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بني العباس - يا أبا عبد الله : أأستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو ؟ فقال له مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله »([24])، وفيه إشارة إلى اعتبار حديث توسل آدم عليه السلام عند الإمام مالك، وأنه يرى أن من الخير استقبال قبر النبي صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به صلى الله عليه وسلم.
ولكل هذه الأدلة الصريحة الصحيحة من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم أجمع علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها على جواز واستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن ذلك لا يحرم قطعًا، وهو ما نراه : أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم مستحب وأحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجل المندوب إليها، ولا عبرة لمن شذ عن إجماع العلماء كابن تيمية ومن ردد كلامه من بعده، والله تعالى أعلى وأعلم.

([1]) لسان العرب، لابن منظور،ج11 ص724، مادة (وسل).

([2]) المائدة : 35 .

([3]) الإسراء : 57 .

([4]) النساء : 64.

([5]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 138، والترمذي في سننه، ج5 ص 569 ،وقال : هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى، ج6 ص 169، وفي عمل اليوم والليلة، ج1 ص 417، وابن ماجه في سننه، ج1 ص 441، والحاكم في المستدرك في موضعين : ج1 ص 458، وج1 ص 707، والطبراني في الصغير، ج1 ص 306، والأوسط، ج2 ص 105، والكبير، ج9 ص 30.

([6]) التعليق على صحيح ابن خزيمة ،ج2 ص225 ،وقال عنه الألباني : إسناده صحيح.

([7]) تحفة الذاكرين، للإمام الشوكاني.

([8]) رواها الطبراني في الصغير، ج1 ص 306، والبيهقي في دلائل النبوة،ج6 ص167 ،168 ،والمنذري في الترغيب والترهيب، ج1 ص 273، وذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ج2 ص 279، وقد ذكرها المباركفوري في تحفة الأحوذي، ج10 ص 24.

([9]) إرغام المبتدع الغبي، للعلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري، ص 6.

([10]) أخرجه أحمد في مسنده، ج 3 ص21،واللفظ له ،وابن ماجه في سننه، ج 1 ص256، والمنذري في الترغيب والترهيب، ج1 ص 135، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص 42 ،والبوصيري في مصباح الزجاجة،ج1 ص98، والبيهقي في الدعوات الكبير ص 47، ابن أبي شيبة في المصنف، ج6 ص25 ،وأبو نعيم الفضل بن دكين، نقله ابن حجر في أمالي الأذكار ج1ص 273.

([11]) أمالي الأذكار، ج1 ص 272.

([12]) تخريج أحاديث الإحياء، ج1 ص 291.

([13]) الترغيب والترهيب،ج3 ص 273.

([14]) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص 471، 472.

([15]) مصباح الزجاجة، ج1 ص 98.

([16]) رواه الطبراني في الأوسط، ج1 ص 68، وفي الكبير، ج24 ص351، والأصبهاني في حلية الأولياء، ج3 ص 121، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج9 ص 257.

([17]) رواه الطبراني في الأوسط، ج6 ص 313، والحاكم في المستدرك، ج2 ص 672، والديلمي في مسند الفردوس، ج4 ص 59، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، ج10 ص 222، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج8 ص 253.

([18]) المستدرك، ج2 ص 672.

([19]) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ج6 ص91، والبيهقي في شعب الإيمان، ج1 ص 183، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج10 ص 132.

([20]) مجمع الزوائد، ج10 ص 132.

([21]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ج6 ص 356، وابن عبد البر في الاستيعاب، ج3 ص 1149.

([22]) فتح الباري، لابن حجر، ج2 ص 495، 496.

([23]) البداية والنهاية، لابن كثير، ج7 ص 90.

([24]) وقد روى هذه القصة أبو الحسن علي بن فهر في كتابه " فضائل مالك " بإسناد لا بأس به، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه، عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه. كذلك ذكره السبكي في شفاء السقام، و السمهودي في وفاء الوفا، و القسطلاني في المواهب اللّدنيّة. قال ابن حجر ـ في الجوهر المنظّم ـ : قد روي هذا بسند صحيح. و قال العلاّمة الزرقاني ـ في شرح المواهب ـ : إنّ ابن فهد ذكر هذا بَسند حَسن، و ذكره القاضي عياض بسند صحيح.




وهذا رد دار الافتاء المصرية على مشروعية التوسل

محمود النمسى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 18-02-09 , 11:07 PM   [8]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (3)


 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد
الأخوة الأفاضل جزاكم الله خيرا على تصفحكم ومروركم على الموضوع
الأخ الكريم فضيلة الشيخ حسن المريسى حفظه الله إن استطعت أن تجمع الموضوع فى ملف واحد فافعل فأنا لا أعرف ذلك ولك الشكر
الأخ العزيز فضيلة الشيخ محمود المنسى حفظه الله ولك منى التحية وأرجو من فضيلتكم أن تقرأ الموضوع بأكمله وبإتقان
الإبنة نورسين حفظك الله ورعاك ونفع بك
أخوكم ومحبكم فى الله محمود محمدى العجوانى
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 19-02-09 , 02:05 PM   [9]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

الأخ الكريم فضيلة الشيخ حسن المريسى
حفظه الله ورعاه
جزاك الله خيرا على مجهودك فى ضم الملفات الخاصة بالموضوع
أخوك محمود محمدى العجوانى
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 19-02-09 , 05:35 PM   [10]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية الرميصاء

الرميصاء

الملف الشخصي
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني التحية .

جزاكم الله الجنة

فضيلة الشيخ / محمود محمد العجوانى

وعودا حميدا طيبا مباركا

ودعواتنا لكم بتمام الصحة والعافية وكل الخيرات والبركات

نفع الله بكم وزادكم من فضله الكريم


وان شاء الله شيخنا تابع اى اضافة تخص هذا الموضوع هنا فى نفس الصفحى على هيئة رد على الموضوع

وكذالك اى موضوع اخر تضيفه تجمع كل موضوع مع ما يخصه

بارك الله فى غلمكم وعملكم شيخنا






°°•°°•°°°•°°•°°




~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
لاتركنن إلى الدنيا وما فيها ** فالموت لاشك يفنينا ويفنيها

اعمل لدار, غدا رضوان خادمها ** والجار احمد والرحمن منشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها ** والزعفران حشيش نابت فيها

أنهارها لبن محض من عسل ** والخمر يجرى رحيقا فى مجاريها
والطير يجرى على الأغصان عاكفة ** تسبح الله جهرا فى مغانيها

~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
من يشترى الدار في الفردوس يعمرها ** بركعة في ظلام الليل يحيها

~^~^~^~^~^~^~
o.O
O.o°¨


الرميصاء غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 01-03-09 , 03:20 PM   [11]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

تنبيه المؤمن التقى لما ورد فى التوسل عن النبى صلى الله عليه وسلم
إلى الأخ الحبيب محمود المنسى حفظه الله ورعاه وأيد على الحق خطانا وخطاه وجعل الجنة مثوانا ومثواه
الموضوعهل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بعد انتقالهصلى الله عليه وسلم ؟
من المعاني التي أُسيء فهمها في الإسلام في عصرنا الحديثمعنى «التوسل» مما يوجب علينا أن نعود للأصل اللغوي والمعنى الشرعي للتوسل قبلالحديث عن حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم
معنى الوسيلة في اللغةوالشرع
الوَسِيلةُ في اللغة : الـمَنْزِلة عند الـمَلِك. و الوَسِيلة: الدَّرَجة. و الوَسِيلة: القُرْبة. ووَسَّل فلانٌ إِلـى الله وسِيلةً إِذا عَمِلعملاً تقرَّب به إِلـيه. و الواسِل: الراغِبُ إِلـى الله؛ قال لبـيد:
أَرىالناسَ لا يَدْرونَ ما قَدْرُ أَمرِهم بَلـى كلُّ ذي رَأْيٍ إِلـى الله واسِلُ
وتوَسَّل إِلـيه بوَسِيلةٍ إِذا تقرَّب إِلـيه بعَمَل. وتوَسَّل إِلـيه بكذا : تقرَّب إِلـيه بحُرْمَةِ آصِرةٍ تُعْطفه علـيه.
و الوَسِيلةُ: الوُصْلة والقُرْبى،وجمعها الوسائل([1]).
ولا يخرج معنىالوسيلة الشرعي عن ذلك المعنى اللغوي، فإن قضية حياة المسلم هي أن يتقرب إلى اللهويحصل رضاه وثوابه، ومن رحمة الله بنا أن شرع لنا كل العبادات وفتح باب القرب إليه،فالمسلم يتقرب إلى الله بأنواع شتى من القربات التي شرعها الله عز وجل، فمثلاًعندما يصلي المسلم فإنه يتقرب إلى الله بالصلاة، أي أنه يتوسل إلى الله بهذهالصلاة، وعليه فإن القرآن كله يأمرنا بالوسيلة (بالقرب) إلى الله.
وقد ذكرالله الوسيلة في كتابه العزيز في موضعين : الموضع الأول : يأمر بها قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ }([2]). والثاني : يثني اللهعلى الذين يتوسلون إليه في دعائهم، قال تعالى { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَيَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَرَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً }([3]).
قلت محمود : إلى هنا كلام جيد وهذه أقوال أئمة التفسير فى هاتين الآيتين
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} الآية.
قال فى أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (1 / 402)
اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء، لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جداً كقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وكقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} وقوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} إلى غير ذلك من الآيات.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك؟ أنشد له بيت عنترة:[الكامل]
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قال: يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس، فالمعنى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} ، واطلبوا حاجتكم من الله، لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} ، وقوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} وفي الحديث "إذا سألت فسأل الله" .
قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفسير ابن عباس داخل في هذا، لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من الجهال من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وقوله: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}
وهذا الذي سرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}وليس المراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها، لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو.
وقال فى أيسر التفاسير للجزائري - (1 / 348)
{ وابتغوا } : إطلبوا .
{ الوسيلة } : تقربوا إليه بفعل محابه وترك مساخطه تظفروا بالقرب منه .
ومعنى { ابتغوا إليه الوسيلة } اطلبوا إليه القربة ، أي تقربوا إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره تفوزوا بالقرب منه .
وقال فى التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 349)
{ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } أي ما يتوسل به ويتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك
وقال فى الدر المنثور - (3 / 373)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي وائل قال { الوسيلة } في الإيمان .
وقال فى الكشف والبيان - (4 / 59)
ياأيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وابتغوا إليه الوسيلة ( واطلبوا إليه القربة وهي ( في الأصل ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به ، يقال : وسل إليه وسيلة وتوسّل ) ، وجمعها وسائل .
قال عطاء : الوسيلة أفضل درجات الجنة . وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) ( الوسيلة أفضل درجات الجنة ) . وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) ( سلوا الله لي الوسيلة فإنها أفضل درجة في الجنة لا ينالها إلاّ عبد واحد وأرجوا أن أكون أنا هو ) .
وقال صاحب اللباب في علوم الكتاب - (6 / 60)
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة [ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ ] } ، كأنه قيل : قد عَرَفْتُمْ كمال جَسَارَةِ اليَهُودِ على المَعَاصِي والذُّنُوب ، وبُعْدهم عن الطَّاعَات الَّتِي هي الوَسَائِلُ للعبد إلى الرَّبِّ ، فكُونُوا يا أيُّها المُؤمِنُون بالضَّدِّ من ذلك فاتَّقوا معَاصِي اللَّه ، وتوسَّلُوا إليه بالطَّاعات .
والثاني : أنهم لما قالوا : { نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] .
أي : أبْنَاء أنبياء الله فكان افتخارهم بأعْمَال آبَائِهِم كأنَّه تعالى قال : « يا أيها الذين آمنوا [ اتّقوا الله ] ولتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة » .
وحتى الطنطاوى قال فى الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 1252)
وقوله : { وابتغوا } من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء .
و { الوسيلة } على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقربي به إلى الله - تعالى - ، من فعل الطاعات ، واجتناب المعاصي ، مأخوذة من وسل إلى كذا ، أي : تقرب إليه بشيء . وقيل : الوسيلة الحاجة .
قال الراغب : الوسيلة : التوصل إلى الشيء برغبة ، وهي أخص من الوصيلة ، لتضمنها معنى الرغبة ، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة ، وهي كالقربة . والواسل : الراغب إلى الله تعالى .
والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { اتقوا الله } أي : خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } : أي : اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات ، والتزود من الأعمال الصالحات ، واجتناب المعاصي والمنكرات .
أي : اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة ، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه - سبحانه - .
أو : اطلبوا متوجهين إليه - سبحانه - حاجتكم ، فإن بيده مقاليد السموات والأرض ، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره .
وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في الجنة ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى ، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات ، لأن من يفعل ذلك ينال من الله - تعالى - أسمى الدرجات .
وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه :
الوسيلة : القربة . كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبووائل والحسن وقتادة وغير واحد .
قال قتادة : أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه .
والوسيلة أيضاً : علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش . وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال حين سمع النداء - أي الآذان - : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة " .
وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل الوسيلة حلت له شفاعتي " .
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية ، أو ثلاث مقدمات ونتيجة .
أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي : تقوى الله ، والتقرب إليه بما يرضيه ، والجهاد في سبيله . وأما الغاية في أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح والفوز والنجاح .
ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم .
قال الآلوسي ما ملخصه : واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين ، وجعلهم وسيلة بين الله - تعالى - وبين العباد والقسم على الله - تعالى - بهم ، بأن يقال : اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا . ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين : يا فلان ادع الله أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل .
وقال فى تفسير ابن كثير - (3 / 103)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } قال سفيان الثوري، حدثنا أبي، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة. وكذا قال مجاهد [وعطاء] وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وابن زيد.
وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن زيد: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } [الإسراء:57] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .
والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري، من طريق محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة،
والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودا الذي وعدته، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة".
حديث آخر في صحيح مسلم: من حديث كعب عن علقمة، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلًّتْ عليه الشفاعة." [1]
وورد فى تفسير الخازن - (2 / 275)
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي خافوا الله بترك المنهيات { وابتغوا إليه الوسيلة } يعني واطلبوا إليه القرب بطاعته والعمل بما يرضي وإنما قلنا ذلك ، لأن مجامع التكاليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما . أحد النوعين : ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله : اتقوا الله . والثاني : التقرب إلى الله تعالى بالطاعات وإليه الإشارة بقوله : وابتغوا إليه الوسيلة .
وقيل : معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى الله عز وجل .
وورد فى تفسير السعدي - (1 / 230)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة. ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه. { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي: القرب منه، والحظوة لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل. والبدنية: كالزكاة والحج. والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء.
ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات.
ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته.
والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم.
وورد فى تفسير السلمي - (1 / 177)
قوله تعالى : ! ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) { المائدة : ( 35 ) قال جعفر : اطلبوا منه القربة .
قال الواسطي رحمة الله عليه : في أداء الفرائض واجتناب المحارم السلامة من النار ، والوسيلة : القربة بآداب الإسلام إلى من
وضعها وفرضها .
وقال محمد بن علي في قوله ! ( وابتغوا إليه الوسيلة ) ! قال : هو الرضا بالقضية والصبر على الرزية والمجاهدة في سبيله والصبر على عبادته .
وقال ابن عطاء : الوسيلة : القربة بآداب الإسلام وأداء الفرائض لدخول الجنة والنجاة من النار .
قال فارس : اتقوه واجعلوا تقواكم سببا لقربكم إليه .
قال بعضهم : اتقوا الله في المخالفات ، وابتغوا إليه الوسيلة بالطاعات .
وحتى الشعراوى قال فى الوسيلة فى تفسير الشعراوي - (1 / 2147)
وقوله سبحانه : { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } أي نبحث عن الوُصْلة التي تُوصّلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبّته . وهل هناك وسيلة إلا ما شرَّعه الله سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرَّب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يُحبّه؟ .
وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل : ماذا يُحب فلان؟ فيقال له : فلان يُحب ربطات العنق؛ فيُهديه عدداً من ربطات العُنق . إذن كل إنسان يتقرّب إلى أي كائن بما يُحب ، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟ . وما يُحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ .[2]
فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد ، فيقول سبحانه في الحديث القدسي : « ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل »
أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه ، فلا ابتكار في العبادات .إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في « افعل » و « لاتفعل » .
وخاض فى كلام كثير إلى أن قال فى آخر الكلام وحتى نخرج من الخلاف . نقول : إن العمل الصالح المتمثل في « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » هو الوسيلة الخالصة .وبذلك نخلص من الخلاف ولا ندخل في متاهات .
قلت محمود : فقد أقر أن الدخول فى التوسل متاهات وبتركه نخرج من هذه المتاهات .
تفسير الطبري - (10 / 289)
القول في تأويل قوله عز ذكره : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب "اتقوا الله" يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم بالصالح من أعمالكم "وابتغوا إليه الوسيلة"، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
عن أبي وائل:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة في الأعمال.
عن عطاء:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: فهي المسألة والقربة.
عن قتادة قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.
عن مجاهد:"وابتغوا إليه الوسيلة"، القربة إلى الله جل وعزّ.
عن الحسن في قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
عن عبد الله بن كثير قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
قال ابن زيد في قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ:( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) [سورة الإسراء: 57].
تفسير القرطبي - (6 / 159)
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} الوسيلة هي القربة عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدى وابن زيد وعبدالله بن كثير .
والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها، والوسيلة درجة في الجنة، وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: "فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" .
تفسير النسفي - (1 / 286)
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } فلا تؤذوا عباد الله { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } هي كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك ، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات
تنوير المقباس - (1 / 121)
{ اتقوا الله } فيما أمركم { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } الدرجة الرفيعة ويقال اطلبوا إليه القرب في الدرجات بالأعمال الصالحة
دقائق التفسير - (2 / 47)
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } قال عامة المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء الوسيلة القربة
قال قتادة تقربوا إلى الله بما يرضيه قال أبو عبيدة توسلت إليه أي تقربت وقال عبد الرحمن بن زيد تحببوا إلى الله والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها البتة إلا الإيمان برسوله وطاعته وليس لأحد من الخلق وسيلة إلى الله تبارك وتعالى إلا توسله بالإيمان بهذا الرسول الكريم وطاعته وهذه يؤمر بها الإنسان حيث كان من الأمكنة وفي كل وقت وما خص من العبادات بمكان كالحج أو زمان كالصوم والجمعة فكل في مكانه وزمانه وليس لنفس الحجرة من داخل فضلا عن جدارها من خارج اختصاص شيء في شرع العبادات ولا فعل شيء منها فالقرب من الله أفضل منه بالبعد منه باتفاق المسلمين والمسجد خص بالفضيلة في حياته صلى الله عليه وسلم قبل وجود القبر فلم تكن فضيلة مسجده لذلك ولا استحب هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا علماء أمته أن يجاور أحد عند قبر ولايعكف عليه لا قبره المكرم ولا قبر غيره ولا أن يقصد السكنى قريبا من قبر أي قبر كان وسكنى المدينة النبوية هو أفضل في حق من تتكرر طاعته لله ورسوله فيها أكثر كما كان الأمر لما كان الناس مأمورين بالهجرة إليها فكانت الهجرة إليها والمقام بها أفضل من جميع البقاع مكة وغيرها بل كان ذلك واجبا من أعظم الواجبات فلما فتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم
لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وكان من اتى من اهل مكة وغيرهم ليهاجر ويسكن المدينة يأمره أن يرجع إلى مدينته ولا يأمره بسكناها كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر الناس عقب الحج أن يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا على أهل مكة وكان يأمر كثيرا من أصحابه وقت الهجرة أن يخرجوا إلى أماكن أخرى لولاية مكان وغيره وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير المدينة أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار الهجرة فكيف بها بعد ذلك إذ كان الذي ينفع الناس طاعة الله ورسوله وأما ما سوى ذلك فإنه لا ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا وقال صلى الله عليه وسلم إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين وقال إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا
موسوعة الرد على الصوفية - (35 / 85)
وقد قال تعالى : { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } فهو تبارك وتعالى يدافع عن المؤمنين حيث كانوا . فالله هو الدافع والسبب هو الإيمان . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : { من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا } قال تعالى : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } . وأما ما يظنه بعض الناس من أن البلاء يندفع عن أهل بلد أو إقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين كما يظن بعض الناس أنه يندفع عن أهل بغداد البلاء لقبور ثلاثة : أحمد بن حنبل وبشر الحافي ومنصور بن عمار ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء الخليل وغيره عليهم السلام . وبعضهم يظن أنه يندفع البلاء عن أهل مصر بنفيسة أو غيرها . أو يندفع عن أهل الحجاز بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البقيع أو غيرهم . فكل هذا غلو مخالف لدين الإسلام مخالف للكتاب والسنة والإجماع . فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم من انتقم منهم . والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوا رسالة ربهم . وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى في حقه : { إن عليك إلا البلاغ } وقال تعالى : { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره . فمن خالف أمر الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئا . كما { قال النبي صلى الله عليه وسلم يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا . يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا } . وقال صلى الله عليه وسلم لمن ولاه من أصحابه : { لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك }
زاد المسير - (2 / 206)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
قوله تعالى : { وابتغوا إِليه الوسيلة } في «الوسيلة» قولان .
أحدهما : أنها القربة ، قاله ابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، والفراء . وقال قتادة : تقربوا إِليه بما يرضيه . قال أبو عبيدة : يقال توسلت إِليه ، أي : تقرّبت إِليه .
والثاني : المحبة ، يقول : تحببوا إِلى الله ، هذا قول ابن زيد .
فتح القدير للشوكاني - (2 / 305)
{ ابتغوا } اطلبوا { إِلَيْهِ } : لا إلى غيره ، { وَ الوسيلة } فعيلة من توسلت إليه : إذا تقربت إليه .
فالوسيلة : القربة التي ينبغي أن تطلب ، وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد ، وقتادة والسدي وابن زيد . وروي عن ابن عباس ، وعطاء ، وعبد الله بن كثير . قال ابن كثير في تفسيره : وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة ، لا خلاف بين المفسرين فيه . والوسيلة أيضاً درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يسمع النداء : اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة » وفي صحيح مسلم ، من حديث عبد الله بن عمرو ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليّ ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة ، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة » وعطف { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } على { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } يفيد أن الوسيلة غير التقوى . وقيل هي التقوى ، لأنها ملاك الأمر ، وكل الخير ، فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى . والظاهر أن الوسيلة : هي القربة تصدق على التقوى ، وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ } من لم يقبل دينه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
وقد أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } قال : الوسيلة القربة . وأخرج الحاكم وصححه ، عن حذيفة مثله . وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن قتادة في قوله : { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } قال : تقرّبوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه .
محاسن التأويل (تفسير القاسمي) - ( / 0)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ 35 ]
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا } -أي اطلبوا - : { إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي : القربة - كذا فسَّره ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وزيد وعطاء والثوري وغير واحد . وقال قتادة : أي : تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه . وقرأ ابن زيد : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } . قال ابن كثير : وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة , لا خلاف بين المفسرين فيه . وفي " القاموس وشرحه " : الوسيلة والواسلة , المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والوصلة . وقال الجوهري : الوسيلة , ما يتقرب به إلى الغير . والتوسيل والتوسل الواحد . يقال : وَسَّل إلى الله تعالى توسيلاً , عمل عملاً تقرب به إليه , كتوسل . و ( إلى ) يجوز أن يتعلق بـ ( ابتغوا ) وأن يتعلق بـ ( الوسيلة ) .
تنبيه :
ما ذكرناه في تفسير " الوسيلة " هو المعوّل عليه . وقد أوضح إيضاَحاً لا مزيد عليه , تقي الدين بن تيمية عليه الرحمة في " كتاب الوسيلة " فرأينا نقل شذرة منه , إذ لا غنى للمُحَقِّقِ في علم التفسير عنه .
قال رحمه الله بعد مقدّمات :
إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدَ تَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ " الْوَسِيلَةِ " وَ " التَّوَسُّلِ فِيهِ إجْمَالٌ وَاشْتِبَاهٌ يَجِبُ أَنْ تُعْرَفَ مَعَانِيهِ وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ . فَيُعْرَفُ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ . وَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ الصَّحَابَةُ وَيَفْعَلُونَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ . وَيُعْرَفُ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ فِي هَذَا اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ . فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ اضْطِرَابِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَلْفَاظِ وَمَعَانِيهَا حَتَّى تَجِدَ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ فَصْلَ الْخِطَابِ . فَلَفْظُ الْوَسِيلَةِ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } وَفِي قَوْله تَعَالَى { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } . فَالْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُبْتَغَى إلَيْهِ وَأَخْبَرَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ أَنَّهُمْ يَبْتَغُونَهَا إلَيْهِ هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات فَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِابْتِغَائِهَا تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا . فَالْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ هُوَ مَا شَرَعَهُ الرَّسُولُ فَأَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَأَصْلُ ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . فَجِمَاعُ الْوَسِيلَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِابْتِغَائِهَا هُوَ التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَا وَسِيلَةَ لِأَحَدِ إلَى اللَّهِ إلَّا ذَلِكَ . وَالثَّانِي لَفْظُ " الْوَسِيلَةِ " فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ . فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَقَوْلُهُ { مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ } . فَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً . وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ وَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ أُمِرْنَا أَنْ نَسْأَلَهَا لِلرَّسُولِ وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ سَأَلَ لَهُ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَلَمَّا دَعَوْا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحَقُّوا أَنْ يَدْعُوَ هُوَ لَهُمْ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ نَوْعٌ مِنْ الدُّعَاءِ كَمَا قَالَ إنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.
وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّوَجُّهُ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ . وَالتَّوَسُّلُ بِهِ فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يُرَادُ بِهِ الْإِقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ كَمَا يُقْسِمُونَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الصَّلَاحَ . وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسُّلِ بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِثٌ لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ . فَأَمَّا الْمَعْنَيَانِ الْأَوَّلَانِ - الصَّحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ : - فَأَحَدُهُمَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ . وَالثَّانِي دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ : فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا أَيْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وقَوْله تَعَالَى { وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أَيْ الْقُرْبَةَ إلَيْهِ بِطَاعَتِهِ ؛ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ طَاعَتُهُ قَالَ تَعَالَى : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } . فَهَذَا التَّوَسُّلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ - كَمَا قَالَ عُمَرُ - فَإِنَّهُ تَوَسَّلَ بِدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ ؛ وَلِهَذَا عَدَلُوا عَنْ التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ هُوَ بِذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ فَلَمَّا عَدَلُوا عَنْ التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ
بِالْعَبَّاسِ : عُلِمَ أَنَّ مَا يُفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ قَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ ؛ بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالطَّاعَةُ لَهُ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا .
فَلَفْظُ التَّوَسُّلِ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ : - ( أَحَدُهَا التَّوَسُّلُ بِطَاعَتِهِ فَهَذَا فَرْضٌ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ . وَ ( الثَّانِي التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ . وَ ( الثَّالِثُ التَّوَسُّلُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ عَلَى اللَّهِ بِذَاتِهِ وَالسُّؤَالِ بِذَاتِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ وَإِنَّمَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ أَوْ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَنَهَوْا عَنْهُ حَيْثُ قَالُوا : لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ : أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك . قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ القدوري فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي الْفِقْهِ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ الْكَرْخِي فِي بَابِ الْكَرَاهَةِ : وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ . قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ . وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ " بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك " أَوْ " بِحَقِّ خَلْقِك " . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ هُوَ اللَّهُ فَلَا أَكْرَهُ هَذَا وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ بِحَقِّ فُلَانٍ أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك وَبِحَقِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . قَالَ القدوري : الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْخَلْقِ عَلَى الْخَالِقِ فَلَا تَجُوزُ وِفَاقًا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقِ لَهُ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ يُقْسِمَ أَحَدٌ بِالْمَخْلُوقِ فَإِنَّهُ إذَا مَنَعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَخْلُوقٍ بِمَخْلُوقِ فَلَأَنْ يُمْنَعَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْخَالِقِ بِمَخْلُوقِ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَهَذَا بِخِلَافِ إقْسَامِهِ سُبْحَانَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ كَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } فَإِنَّ إقْسَامَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ يَتَضَمَّنُ مِنْ ذِكْرِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ مَا يَحْسُنُ مَعَهُ إقْسَامُهُ بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ إقْسَامَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ شِرْكٌ بِخَالِقِهَا كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } وَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي لَفْظٍ { فَقَدْ كَفَرَ } وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } وَقَالَ { لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ أَوْ بِمَا يَعْتَقِدُ هُوَ حُرْمَتَهُ كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمُلُوكِ وَسُيُوفِ الْمُجَاهِدِينَ وَتُرَبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَأَيْمَانِ الْبُنْدُقِ وَسَرَاوِيلِ الْفُتُوَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ . وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَدْ حُكِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ . انتهى .
نظم الدرر - (2 / 385)
{ يا أيها الذين آمنوا } أي وجد منهم الإقرار بالإيمان { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقاً لما أقررتم به ، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام .
ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلٍّ من فضائح المنهيات وتحلٍّ بملابس المأمورات ، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد ، أتبعه الثاني فقال : { وابتغوا } أي اطلبوا طلباً شديداً { إليه } أي خاصة { الوسيلة } أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته ، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (3 / 162)
قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المعبودين من دون الله الذين زعم الكفار أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف الضر عن عابديهم. أي إزالة المكروه عنهم، ولا تحويلاً أي تحويله من إنسان إلى آخر، أو تحويل المرض إلى الصحة، والفقر إلى الغنى، والقحط إلى الجدب ونحو ذلك. ثم بين فيها أيضاً أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون الله يتقربون إلى الله بطاعته، ويبتغون الوسيلة إليه، أي الطريق إلى رضاه ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم.
قال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم، كانوا يعبدون رجالاً من الجن، فأسلم الجنيون وبقي الكفار يعبدونهم فأنزل الله {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ…} الآية[17/57]، وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا يعبدون عزيراً والمسيح وأمه. وعنه أيضاً، وعن ابن مسعود، وابن زيد، والحسن: أنها نزلت في عبدة الملائكة. وعن ابن عباس: أنها نزلت في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه.
وهذا المعنى الذي بينه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده، وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا ـ بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله «في سبإ» {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [34/22-23]، وقوله «في الزمر»: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [39/38]، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا «في سورة المائدة» أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة «وفي آية المائدة»: هو التقرب إلى الله بالعمل الصالح .
التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 903)
{ قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ } قيل : يعني الملائكة ، وقيل : عيسى وأمه وعزير ، وقيل : نفر من الجن كان العرب يعبدونهم ، والمعنى أنهم لا يقدرون على كشف الضرّ عنكم ، فكيف تعبدونهم؟ { أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة } المعنى أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون القربة إلى الله ، ويرجونه ، ويخافونه ، فكيف تعبدونهم معه؟
التفسير الميسر - (5 / 51)
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) }
أولئك الذين يدعوهم المشركون من الأنبياء والصالحين والملائكة مع الله، يتنافسون في القرب من ربهم بما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة، ويأمُلون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك هو ما ينبغي أن يحذره العباد، ويخافوا منه.
تفسير السعدي - (1 / 460)
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)
يقول تعالى: { قُلْ } للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله ويدعونهم كما يدعونه ملزما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين:
{ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } آلهة من دون الله فانظروا هل ينفعونكم أو يدفعون عنكم الضر، فإنهم لا { يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ } من مرض أو فقر أو شدة ونحو ذلك فلا يدفعونه بالكلية، { وَلا } يملكون أيضا تحويله من شخص إلى آخر من شدة إلى ما دونها.
فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله؟ فإنهم لا كمال لهم ولا فعال نافعة، فاتخاذهم آلهة نقص في الدين والعقل وسفه في الرأي.
ومن العجب أن السفه عند الاعتياد والممارسة وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول يراه صاحبه هو الرأي السديد والعقل المفيد.
ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد الكامل المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة هو السفه والأمر المتعجب منه كما قال المشركون: { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }
ثم أخبر أيضا أن الذين يعبدونهم من دون الله في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه فقال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ } من الأنبياء والصالحين والملائكة { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } أي: يتنافسون في القرب من ربهم ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته، ويخافون عذابه فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب.
{ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه.
وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير.
فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور.
وعلامة المحبة ما ذكره الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور عليها، فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك فهو كاذب.
تفسير الشعراوي - (1 / 5241)
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)
فهؤلاء الذين تعتبرونهم آلهة وتتخذونهم شركاء لله ، هؤلاء أيضاً عبيد لله ، يتقربون إليه ويتوسَّلون إليه ، فالمسيح الذي أشركتموه مع الله ، وكذلك الملائكة هم عباد لله : { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون } [ النساء : 172 ]
هؤلاء لا يرفضون ولا يتأبَّوْن أن يكونوا عباداً لله ، ويريدون التقرُّب إليه سبحانه ، فكيف إذن تتوجهون إليهم بالعبادة وهم عباد؟
وقوله تعالى : { يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة . . } [ الإسراء : 57 ] أي : يطلبون الغاية والقربى إليه تعالى { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } أي : كلما تقرب واحد منهم إلى الله ابتغى اللهَ أكثرَ من غيره وأقبل عليه ، فإذا كان الأقرب إلى الله منهم يبتغي القُرْبى ، فما بال الأبعد؟
قلت محمود : فالأبعد أولى وأولى أن يتقرب إلى الله عز وجل .
وقوله تعالى : { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } [ الإسراء : 57 ]
أي : يجب الحذر منه وتجنُّب أسبابه؛ لأن العذاب إذا كان من الله فلا فِكاكَ منه ولا مهرب ، وأيضاً فالعذاب يتناسب مع قدرة المعذِّب ضعفاً وشدة ، فإذا نُسِب العذاب إلى الله فلا شكَّ أنه أليم شديد ، لا طاقة لأحد به ، كما قال تعالى : { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود : 102 ]
فتح القدير للشوكاني - (4 / 323)
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) قوله : { قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مّن دُونِهِ } هذا ردّ على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة ، وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير ، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم : ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله؛ وقيل : أراد ب { الذين زعمتم } نفراً من الجن عندهم ناس من العرب ، وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله : { يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } ، فإن هذا لا يليق بالجمادات { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ } أي : لا يستطيعون ذلك ، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضرّ ، وعلى تحويله من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة ، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضارّ ، فقال : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } ف { أولئك } مبتدأ { والذين يدعون } صفته ، وضمير الصلة محذوف أي : يدعونهم ، وخبر المبتدأ : { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } ، ويجوز أن يكون { الذين يدعون } خبر المبتدأ أي : الذين يدعون عباده إلى عبادتهم ، ويكون { يبتغون } في محل نصب على الحال . وقرأ ابن مسعود ( تدعون ) بالفوقية على الخطاب . وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر؛ ولا خلاف في { يبتغون } أنه بالتحتية . و { الوسيلة } : القربة بالطاعة والعبادة أي : يتضرّعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم ، والضمير في ربهم يعود إلى العابدين أو المعبودين { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } مبتدأ وخبر . قال الزجاج : المعنى أيهم أقرب بالوسيلة إلى الله أي : يتقرّب إليه بالعمل الصالح ، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في { يبتغون } أي : يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة ، فكيف بمن دونه؟ وقيل : إن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي : يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } كما يرجوها غيرهم { ويخافون عَذَابَهُ } كما يخافه غيرهم { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } تعليل قوله { يخافون عذابه } أي : إن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم .
في ظلال القرآن - (5 / 29)

[1] صحيح مسلم
[2] صحيح البخاري - (20 / 158)
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 01-03-09 , 03:25 PM   [12]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

في ظلال القرآن - (5 / 29)
تابع الرد
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)
. فليس أحد بقادر على أن يكشف الضر أو يحوله إلا الله وحده ، المتصرف في أقدار عباده .
ويقرر لهم أن من يدعونهم آلهة من الملائكة أو الجن أو الإنس . إن هم إلا خلق من خلق الله ، يحاولون أن يجدوا طريقهم إلى الله ويتسابقون إلى رضاه ، ويخافون عذابه الذي يحذره من يعلم حقيقته ويخشاه :
{ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه . إن عذاب ربك كان محذورا } .
وقد كان بعضهم يدعو عزيزاً ابن الله ويعبده ، وبعضهم يدعو عيسى ابن الله ويعبده . وبعضهم يدعو الملائكة بنات الله ويعبدهم ، وبعضهم يدعو غير هؤلاء . . فالله يقول لهم جميعاً : إن هؤلاء الذين تدعونهم ، أقربهم إلى الله يبتغي إليه الوسيلة ، ويتقرب إليه بالعبادة ، ويرجو رحمته ، ويخشى عذابه وعذاب الله شديد يحذر ويخاف فما أجدركم أن تتوجهوا إلى الله ، كما يتوجه إليه من تدعونهم آلهة من دونه وهم عباد لله ، يبتغون رضاه .
وهكذا يبدأ الدرس ويختم ببيان تهافت عقائد الشرك في كل صورها . وتفرد الله سبحانه بالألوهية والعبادة والاتجاه .
محاسن التأويل (تفسير القاسمي) - ( / 0)
وقوله تعالى :{ قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } [ 56 - 57 ] .
أي قل لهؤلاء المشركين ، الذين يعبدون من دون الله من خلقه : ادعوا من زعمتموهم أرباباً وآلهة من دونه ، عند ضر ينزل بكم ، وانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم أو تحويله عنكم إلى غيركم ، فتدعونهم آلهة ، أي : فإنهم لا يقدرون على ذلك ولا يملكونه ، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم .
روى الطبري عن ابن عباس ؛ أن الآية عني بها قوم مشركون ، كانوا يعبدون المسيح وعزيراً والملائكة . فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ، ويتقربون إليه بالأعمال . ونظير هذه الآية في النهي عن أن يشرك به تعالى الملائكة والأنبياء ، قوله سبحانه : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } [ آل عِمْرَان : 79 - 80 ] ، وفي قوله تعالى : : { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } إشارة إلى أن العبادة لا تتم إلا بالرجاء والخوف . فبالرجاء تكثر الطاعات ، وبالخوف تقل السيئات . وقوله تعالى : { مَحْذُوراً } أي : ينبغي أن يحذر منه ويخاف من حلوله . عياذاً بالله منه .
قولك أيها الحبيب محمود المنسى : وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل استحباب ذلك، وعدم التفريقبين حياته صلى الله عليه وسلم وانتقاله الشريف صلى الله عليه وسلم ولم يشذ إلا ابنتيمية حيث فرق بين التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ،وبعد انتقاله صلىالله عليه وسلم ولا عبرة لشذوذه، فندعو الأمة إلى التمسك بما اتفق عليه أئمتهاالأعلام، وحتى لا نكرر الكلام ففي إجابة السؤال رقم 39 والذي كان يسأل عن قولهتعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوااللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }([4]). هل تلك الآية باقية أمانتهت بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقلنا ما يثبت استحباب المذاهب الأربعةللتوسل بالنبي وطلب الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم فلتراجع، وفيما يلي نسردالأدلة من الكتاب والسنة التي كانت سندًا لإجماع المذاهب الأربعة ،وهي :
قلت كما قال الأئمة رحمهم الله كل يؤخذ من قوله ويرد وأنا لا أقول أنى أرد بقولى أنا ولكن أرد بأقوال العلماء التى توافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم واعلم أنه لا يحتج بأسماء الرجال وإنما يحتج بالرسول صلى الله عليه وسلم .وقد بينت لك فى البحث السابق مدى تشديد الأئمة على ترك أقوالهم إذا خالفت قول الرسول صلى الله عليه وسلم وبينت أيضا مدى ترغيب الأئمة للطلاب على التمسك بالكتاب والسنة .
قولك أيها الحبيب
أولا : أدلة القرآن الكريم :
1- قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ
2- وقولهتعالى : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُالوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُإِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً
3- وقوله تعالى : وَلَوْأَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَوَاسْتَغْفَرَ لَهُمالرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباًرَّحِيماً.
فالآية الأولى تأمر المؤمنين أن يتقربوا إلى الله بأنواع شتى منالقربات، والتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء من القربات، التي ستثبتتفصيلاً في استعراض أدلة السنة، وليس هناك ما يخصص وسيلة عن وسيلة، فالأمر عام بكلأنواع الوسائل التي يرضى الله بها، والدعاء عبادة ويقبل طالما أنه لم يكن بقطيعة رحم، أو إثم، أو احتوى على ألفاظ تتعارض مع أصول العقيدة ومبادئ الإسلام.
فهاتين الآيتين الأولى والثانية : قد نقلت لك أقوال معظم المفسرين وقد تبين لك من أقوالهم أنها تتفق جميعا أن المقصود بالوسيلة فى الآيتينهو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء، لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم
وأما ما يقصده بعض الناس من أن الوسيلة هى التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم والأولياء فقد قال الإمام الألوسى:
ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين : يا فلان ادع الله أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل .
فهذا خلاصة ما ورد فى تفسير هاتين الآيتين كما أورده أئمة التفسير المعتبرين .
والآية الثالثة صريحة في طلب الله من المؤمنين الذهاب إلى النبي صلى اللهعليه وسلم واستغفار الله عند ذاته صلى الله عليه وسلم الشريفة، وأن ذلك أرجى فيقبول استغفارهم، وهذه الآية باقية كما بينا في إجابة السؤال رقم 39.
التفسير الميسر - (2 / 64)
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) }
وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا.
سلسلة التفسير لمصطفى العدوي - (12 / 16)
فالحاصل أن طلب الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حياته، كما قال أمير المؤمنين عمر : (استغفر لي يا رسول الله!)، ولو كان طلب الاستغفار من رسول الله بعد موته مستساغاً لفعله كبار الصحابة، ولما خفى ذلك على أحد .
المعتصر شرح كتاب التوحيد - (1 / 79)
قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [النساء: 64] ففيها أن الرسول يملك الاستغفار، والآية في حياته - صلى الله عليه وسلم -، أما بعد موته فلا، وما كان الصحابة ولا التابعون يفعلون ذلك.
بلوغ الأماني في الرد على مفتاح التيجاني - (1 / 9)
قال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } [ النساء 64 ].
أ - قال ابن كثير:" يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن ياتوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم "
ب - قال الشوكاني: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك { جاءوك } متوسلين إليك متنصلين من جناياتهم ومخالفتهم { فاستغفروا الله } لذنوبهم وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم واستغفرت لهم ولهذا قال { لوجدوا الله توابا رحيما } "
قلت محمود : وهذا مما لا شك فيه أنه حال حيات وما كان غير ذلك فلا يلتفت إليه لأنه لا دليل عليه .
ج - قال الرازي:" يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاءوا الرسول فأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه { واستغفر لهم الرسول } بأن يسأل الله أن يغفر لهم عند توبتهم { لوجدوا الله توابا رحيما } "
د - قال أبو السعود: " جاءوك من غير تأخير كما يفصح عنه تقديم الظرف متوسلين بك في التنصل عن جناياتهم القديمة والحادثة ولم يزدادوا جناية على جناية بالقصد إلى سترها بالإعتذار الباطل والأيمان الفاجرة { فاستغفروا الله } بالتوبة والإخلاص وبالغوا في التضرع إليك حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله تعالى واستغفرت لهم "
فتلخص مما سبق أنه يرد على استدلالهم بهذه الآية من عشرة أجه:
بلوغ الأماني في الرد على مفتاح التيجاني - (1 / 10)
1- الآية خطاب لقوم معينين وليس فيها لفظ عموم حتى نقول العبرة بعموم اللفظ وإنما فيها ضمائر والضمائر لا عموم لها.
2- أما المجيء إلى القبر لا يتناوله المجيء إلى الشخص لا شرعا ولا لغة ولا عرفا فالمجيء إليه إنما يكون في حياته فقط.
3- أن الاستغفار عمل وفي الحديث ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلى من ثلاثة: صدقة جارية أوعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له ))
4- لو استقام استدلالهم بهذه الآية لكان قوله تعالى { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم } [الحجرات 5] أولى، فما كان ردهم على هذه الآية فهو ردنا على الاستدلال بتلك.
5- ثم المتوسل به بعد موته - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يناديه من وراء الحجرة والله يقول { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } [الحجرات 4].
6- لو جاز الاستدلال بهذه الآية بعد موته - صلى الله عليه وسلم - لجاز الاستدلال على بيعته بعد موته لقوله تعالى { يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا } الآية [ الممتحنة 10].
7- هذا الأمر لم يفعله أحد من السلف الصالح ولا من تبعهم بإحسان من أئمة الإسلام وهداة الأنام بل أجمعوا على تركه.
8- لو سلمنا جدلا أنه - صلى الله عليه وسلم - يسمع الشخص الآن فيستغفر له لكان هذا من التوسل بدعاء عباد الله الصالحين.
9- لو كان - صلى الله عليه وسلم - يسمع ويتكلم ما سكت عن الصحابة في الفتن العظيمة ولما ترك الدعوة والجهاد في سبيل الله.
10- الآية تعني المنافقين الذين امتنعوا عن حكم الله ورسوله فلا بد لهم من استغفار الله واستغفار الرسول الذي تحدوه بامتناعهم عن حكمه كما دل على ذلك سياق الآيات { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا... } الآيات [النساء 61-63 ].
قلت محمود : الله عز وجل من النبى صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الأمة أن من يذنب ذنبا يذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته . ؟ أما فى حياته فالأمر مقبول لأن الذى يذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو حى ويطلب منه أن يستغفر له ويطلب منه أن يدعو له رجاء قبول الله لدعاء النبى صلى الله عليه وسلم . وأما بعد مماته صلى الله عليه وسلم فهذا مما لا يقبله أصحاب العقول والفطر السليمة لأن من أذنب ذنبا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم عليه أن يذهب إلى قبره صلى الله عليه وسلم ويطلب منه أن يستغفر له حتى ولو كان هذا المذنب فى مشارق الأرض ومغاربها . فهل ترى أن هذا دين أنزل من لدن حكيم عليم . وهل يأمر رب الأرض والسماء عباده أن يذهبوا إلى قبر عبد من عباده حتى ولو كان سيد ولد آدم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويطلبوا من هذا العبد أن يستغفر لهم . ألا تتفق معى أن هذه دعوة إلى الوثنية . وألا تتفق معى أن ربا يأمر عباده أن يذهبوا إلى قبر عبد من عباده أيكون ذلك ربا ؟ وهل يكون ربا من لا يقضى حاجات خلقه إلا بالواسطة ؟ أليست الربوبية لمن يقضى الحاجات للخلائق .؟
وكما قلت أيها الحبيب فإن الدعاء عبادة وقد أخبر بذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال الدعاء هو العبادة . وكما تعلم أن العبادات توقيفية لا يزاد فيها ولا ينقص والله أنزل دينه كاملا فلا يسوغ لأى إنسان أن يزيد فيه ما ليس منه أو ينقص ما هو فيه .ففى الزيادة تحريف وفىالنقصان تحريف . وفى الزيادة دليل على أن الدين ناقص وأنه غير كامل . وفى النقصان اتهام على أن الدين ليس من لدن حكيم عليم . وفى الزيادة والنقصان تشريع والتشريع لا يحق إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . والعبادة لابد أن تكون على هدى النبى صلى الله عليه وسلم . ولو كان هذا الأمر مشروعا لبينه الله عزوجل ولبينه النبى صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا لا يدع فيه للرأى مجال . فالأمور التعبدية بينها النبى صلى الله عليه وسلم أكمل وأتم البيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم فى الأصول . ولو كان هذا الأمر مشروعا لما غفله الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان ربك نسيا .
والسؤال هل أمر النبى صلى الله عليه وسلم أمته أن يتوسلوا به كما أمرهم بكل أمر من أوامر الدين ؟
لابد أن المنصف للحق سيقول لا .
سؤال هل بعث النبى صلى الله عليه وسلم حتى يكون واسطة بين الله وعبادة ؟ أم بعث النبى صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون هنا أى واسطة بين الله وبين عباده .؟
لابد أن المنصف للحق سيقول أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث حتى لا يكون هناك ى واسطة بين الله وبين عباده . قال الله تعالى : إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
قولك أيها الحبيب
ثانيا : أدلة السنة
1- عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى اللهعليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني. قال : «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خيرلك ». قال: فادعه. قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : « اللهمإني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربى فيحاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في»([5]). وقد صحح الحديث الحاكم،والترمذي، ولا نعلم أحدًا ضعفه حتى في ذلك العصر الحديث، وممن اشتهروا بالمنهجالتشددي، فقد صححه الشيخ الألباني([6])، فليس هناك من يعترض علىسند الحديث ولا متنه، وهذا الحديث دليل على استحباب هذه الصيغة من الأدعية؛ حيثعلمها النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه، وأظهر الله معجزة نبيه صلى الله عليهوسلم حيث استجاب لدعاء الضرير في المجلس نفسه، وفي الحقيقة فنحن لا نحتاج إلى ذكرقصة الحديث، التي حدثت في زمن معاوية بن أبي سفيان، حتى نستدل على جواز الدعاء بهذهالصيغة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عَلَّم رسول الله صلى الله عليهوسلم أحدًا من أصحابه صيغة للدعاء، ونقلت إلينا بالسند الصحيح، فدل ذلك على استحبابالدعاء بها في كل الأوقات حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وليست هناك مخصص لهذاالدعاء لذلك الصحابي وحده، ولا مقيد لذلك بحياته صلى الله عليه وسلم فالأصل فيالأحكام والتشريعات أنها مطلقة وعامة، إلا أن يثبت المخصص أو المقيد لها، ورغم ذلككله، قال الشوكاني : «وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليهوسلم إلى الله عز وجل ،مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وأنه المعطيالمانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن»([7]). ولغياب تلك المعانيالأصولية عن أذهان الكثير في ذلك العصر سنضطر أن نذكر قصة هذا الحديث، والتي تبينأن ذلك الصحابي الجليل أرشد من له حاجة إلى هذا الدعاء بعد انتقال النبي صلى اللهعليه وسلم ، وذلك فيما يلي.
2- قصة الحديث : أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بنعفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقيعثمان بن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائتالمسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل : (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى اللهعليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي - وتذكر حاجتك- ) ،ورح إلى حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفانفجاء البواب، حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان ابن عفان، وأجلسه معه على الطنفسة،وقال له : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذهالساعة، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بنحنيف، فقال له : جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمتهفي، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلموأتاه رجل ضرير([8]) ... ثم ذكر الحديث.
قال العلامة الحافظ السيد عبد الله بن الصديق الغماري : «هذه القصة رواهاالبيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثناأبي ،عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمهعثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ... فذكر القصةبتمامها، ثم قال : ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الإمام الثقة، بل هو فوق الثقة،وهذا إسناد صحيح، فالقصة صحيحة جدًّا، وقد وافق على تصحيحها أيضًا الحافظ المنذريفي الترغيب، ج3 ص606، والحافظ الهيثمي مجمع الزوائد، ج3 ص379»([9])، والقصة تدل على ما يدلعليه الحديث ،مع إغلاق الباب على من حاول أن يزعم أن الحديث خاص بحياة النبي صلىالله عليه وسلم - ولا مخصص كما ذكرنا - ولكن ذلك يشد العضد ،ويؤيد الصواب إن شاءالله تعالى.
قال العلامة الألبانى فى كتاب التوسل - (1 / 71)
علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرا
وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه وهو التوسل بالذات بل هو دليل آخر على أحد أنواع التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه . والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة وأهمها :
أولا : أن الأعمى إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليدعو له وذلك قوله : ( ادع الله أن يعافيني ) فهو قد توسل إلى لله تعالى بدعائه صلى الله عليه و سلم لأنه يعلم أن دعاءه صلى الله عليه و سلم أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي صلى الله عليه و سلم أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجه به إلى أن يأتي النبي صلى الله عليه و سلم ويطلب منه الدعاء له بل كان يقعد في بيته ويدعو ربه بأن يقول مثلا : ( اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني وتجعلني بصيرا ) . ولكنه لم يفعل لماذا ؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة يذكر فيها اسم المتوسل به بل لا بد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة وطلب الدعاء منه له
ثانيا : أن النبي صلى الله عليه و سلم وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له وهو قوله صلى الله عليه و سلم : ( إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ) . وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : ( صحيح ) ( إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - أي عينيه - فصبر عوضته منهما الجنة )
ثالثا : إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله : ( فادع ) فهذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه و سلم دعا له لأنه صلى الله عليه و سلم خير من وفى بما وعد وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق فقد شاء الدعاء وأصر عليه فإذن لا بد أنه صلى الله عليه وسلم دعا له فثبت المراد وقد وجه النبي صلى الله عليه و سلم الأعمى بدافع من رحمته وبحرص منه على أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه وجهه إلى أحد أنواع التوسل المشروع وهو التوسل بالعمل الصالح ليجمع له الخير من أطرافه فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي صلى الله عليه و سلم له وهي تدخل في قوله تعالى : ( وابتغوا إليه الوسيلة ) كما سبق
وهكذا فلم يكتف الرسول صلى الله عليه و سلم بدعائه للأعمى الذي وعده به بل شغله بأعمال فيها طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه ليكون الأمر مكتملا من جميع نواحيه وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى وعلى هذا فالحادثة كلها
تدور حول الدعاء - كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل فقال في ( المصباح ) :
( وإن شئت دعوت . أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به ولقنتك إياه وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره )
قلت : هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها : أن الأعمى إنما طلب منه صلى الله عليه و سلم أن يدعو له لا أن يعلمه دعاء فإذا كان قوله صلى الله عليه و سلم له : ( وإن شئت دعوت ) جوابا على طلبه تعين أنه الدعاء له ولا بد وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث ولذلك رأينا الغماري لم يتعرض لتفسير قوله في آخره : ( اللهم فشفعه في وشفعني فيه ) لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه صلى الله عليه و سلم كما بيناه فيما سلف
ثم قال : ( ثم لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره ) قلت : وهذه مغالطة مكشوفة لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه صلى الله عليه و سلم لغيره ولكن لما كان الدعاء منه صلى الله عليه و سلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه صلى الله عليه و سلم بعد وفاته لذلك اختلف الحكم وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه
رابعا : أن في الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم إياه أن يقول : ( اللهم فشفعه في ) وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته صلى الله عليه و سلم أو جاهه أو حقه إذ أن المعنى : اللهم أقبل شفاعته صلى الله عليه و سلم في أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري والشفاعة لغة الدعاء وهو المراد بالشفاعة الثابتة له صلى الله عليه و سلم ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره قال في ( لسان العرب ) :
( الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره والشافع الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب يقال تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه )
فثبت بهذا الوجه أيضا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه و سلم لا بذاته
خامسا : إن مما علم النبي صلى الله عليه و سلم الأعمى أن يقوله : ( وشفعني فيه ) أي اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه و سلم أي دعاءه في أن ترد علي بصري . هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه هذه الجملة صحت في الحديث أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهي وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل كما ذهب إليه بعض المؤلفين حديثا والظاهر أنهم علموا ذلك ولهذا لم يوردوا هذه الجملة مطلقا الأمر الذي يدل على مبلغ أمانتهم في النقل . وقريب من هذا أنهم أوردوا الجملة التي قبلها ( اللهم فشفعه في ) من الأدلة على التوسل بالذات وأما توضيح دلالتها على ذلك فمما لم يتفضلوا به على القراء ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتجتثه من الجذور وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه . ذلك أن شفاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في الأعمى مفهومة ولكن شفاعة الأعمى في الرسول صلى الله عليه و سلم كيف تكون ؟ لا جواب لذلك عندهم البتة ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها فيقول في دعائه مثلا : اللهم شفع في نبيك وشفعني فيه .
سادسا : إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه و سلم ودعائه المستجاب . وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه بدعائه صلى الله عليه و سلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره ولذلك رواه المصنفون في ( دلائل النبوة ) كالبيهقي وغيره فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه و سلم ويؤيده أنه لو كان السر هو في دعاء الأعمى وحده دون دعائه صلى الله عليه و سلم لكان كل من دعا به من العميان مخلصا إليه تعالى منيبا إليه قد عوفي بل على الأقل لعوفي واحد منهم وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدا .
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي صلى الله عليه و سلم وقدره وحقه كما يفهم عامة المتأخرين لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه و سلم بل ويضمون إليه أحيانا جاه جميع الأنبياء المرسلين وكل الأولياء والشهداء والصالحين وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة والإنس والجن أجمعين ولم نعلم ولا نظن أحد قد علم حصول مثل هذا خلال هذه القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه و سلم إلى اليوم .
إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه صلى الله عليه و سلم وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه : ( اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه و سلم ) إنما المراد به : أتوسل إليك بدعاء نبيك أي : على حذف المضاف وهذا أمر معروف في اللغة . كقوله تعالى : { واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } أي أهل القرية وأصحاب العير . ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك أي على تقدير مضاف محذوف وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس فإما أن يكون التقدير : إني أتوجه إليك ب [ جاه ] نبيك ويا محمد إني توجهت ب [ ذات ] ك أو [ مكانت ] ك إلى ربي كما يزعمون وإما أن يكون التقدير إني أتوجه إليك ب [ دعاء ] نبيك ويا محمد إني توجهت ب [ دعاء ] ك إلى ربي كما هو قولنا ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل عليه فأما تقديرهم ( بجاهه ) فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره إذ ليس في سباق الكلام ولا سياقه تصريح أو إشارة إلى لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقا كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه فبقي تقديرهم من غير مرجح فسقط من الاعتبار والحمد لله
أما تقديره فيقوم عليه أدلة كثيرة تقدمت في الوجوه السابقة
وثمة أمر آخر جدير بالذكر وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره وهو التوسل بالذات لكان معطلا لقوله فيما بعده : ( اللهم فشفعه في وشفعني فيه ) وهذا لا يجوز كما لا يخفى فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها . وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات والحمد لله
على أنني أقول : لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته صلى الله عليه و سلم فيكون حكما خاصا به صلى الله عليه و سلم لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح لأنه صلى الله عليه و سلم سيدهم وأفضلهم جميعا فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته صلى الله عليه و سلم فعليه أن يقف عنده ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى . هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف والله الموفق للصواب
قلت محمود : إن العمى بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كثيرون فلو كان التوسل بالنبى بعد موته جائز فلماذا لم يفعلوا كما فعل هذا الضرير الذى كان فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم . فإن كان التوسل به بعد موته حقا فليفعلوا فإن توسلوا بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد موته ورجع إليهم بصرهم فلابد لنا جميعا أن نقر ونذعن بأن التوسل بالأموات مباح . فهيا أيها المبيح للتوسل اجمع العمى وعلمهم ما علمه النبى صلى الله عليه وسلم للضرير ثم انظر ماذا ترى ؟ فإنى أجزم لك بأن البصر ينقلب إليك خاسئا وهو حسير . ولو كان هذا حكما عاما للأمة فلا يجوز كتمانه ولا السكوت عليه . فلما سكت عنه الصحابة والسلف من بعدهم .
** والنبى صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . والأمة مقتدية ومتأسية بنبيها إذا حزبها أمر فزعت إلى الصلاة وليس لأصحاب القبور . وفزعت إلى الخالق وليس إلى المخلوق . فالنبى صلى الله عليه وسلم بعث ليقوى علاقة المخلوق بالخالق وينهى علاقة المخلوق بالمخلوق إلا بحقها .
ترى لو كان المخلوق حيا فهل يقدر على جلب خير أو دفع ضر عن نفسه فضلا من يملك ذلك لغيره . فكيف وقد مات ؟
أما الرجل الذى كان يختلف إلى عثمان بن عفان فقد ضعفها الألبانى فى ضعيف الترغيب والترهيب - (1 / 105) 415 - ( ضعيف موقوف ) فلا حاجة للكلام على هذه القصة بعد ضعفها .
3- حديث الخروج إلى المسجد للصلاة، عن أبي سعيد الخدري ،عن النبيصلى الله عليه وسلم قال : «من قال حين يخرج إلى الصلاة : اللهم إني أسألك بحقالسائلين عليك، وبحق ممشاي، فإنى لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا رياء، ولا سمعة،خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنهلا يغفر الذنوب إلا أنت؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له ،وأقبل الله عليهبوجهه حتى يفرغ من صلاته»([10]). وهذا حديث صحيح صححهكل من : الحافظ ابن حجر العسقلاني([11])، والحافظ العراقي([12])، وأبو الحسن المقدسيشيخ المنذري([13])،و الحافظ الدمياطي([14])، والحافظ البوصيري([15]). والحديث يدل على جوازالتوسل إلى الله في الدعاء بالعمل الصالح وهو سير المتوضئ إلى الصلاة، وبحقالسائلين لله.
والحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف الترغيب والترهيب - (1 / 51) 200 - ( ضعيف ) فلا حاجة للكلام عليه .فراجعه
4- حديث أنس عند موت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنه، وهو حديثطويل، وفي آخره: « وقال : الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنكأرحم الراحمين»([16]). والحديث في سنده مقالاختلف أهل الحديث في رجال؛ وذلك لأن سند الحديث فيه «روح بن صلاح» ،وقد وثقه ابنحبان، وعده ابن الجوزي من المجهولين؛ وعلى هذا فقد اُختلف في صحة هذا الحديث وضعفه،من حيث رفع سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن معناه صحيح مؤيد بما مر منأحاديث صحيحة .
والحديث كما ذكره المفتى الذى نحن بصدد الرد على فتواه ضعيف وهذه أسباب ضعفه كما بينها أهل هذا الفن فى كتاب هذه مفاهيمنا - (1 / 46)ومن ثم فهو لا يصلح للإحتجاج به فى مثل هذه .
5- توسل آدم عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم أن يغفر له فيحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لمااقترف آدم الخطيئة، قال : يا رب أسألك بحق محمد، لما غفرت لي. فقال الله : يا آدم،وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه ؟ قال : يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في منروحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا : لا إله إلا الله محمد رسول الله؛فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله : صدقت يا آدم إنه لأحبالخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك »([17]). وقد صححه الحاكم حيثعقبه بقوله : «هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بنأسلم في هذا الكتاب»([18])، وقد قال عنه الحافظابن كثير بأنه منكر في كتابه قصص الأنبياء عند ذكر قصة آدم عليه السلام، كما بالغالحافظ الذهبي عندما حكم بوضعه؛ لأن في سنده عبد الرحمن، وعبد الرحمن ليس بكذاب،ولا متهم، بل هو ضعيف فقط، ومثله لا يجعل الحديث موضوعًا وأقصى ما يحدث أن يكونضعيفًا، وعلى أية حال فقد ذكرنا خلاف المحدثين بشأنه للأمانة العلمية، وفي الحديث - إن صح - دلالة واضحة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وأما ماقد يشكل من خاتمة الحديث، وهو قول المولى : «ولولا محمد ما خلقتك» فقد بينت ذلك فيإجابة السؤال رقم 36 فليراجع.
والحديث موضوع كما أوضح بذلك العلامة الألبانى فى السلسة الضعيفة - (1 / 88) 25 - ( موضوع ) فراجع ذلك فى موضعه .
6- حديث : «أعينوا عباد الله»؛ فعن ابن عباس رضيالله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله ملائكة في الأرض سوىالحفظة ،يكتبون ما يسقط من نوى الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة؛ فليناد : أعينوا عباد الله »([19]). قال عن سنده الحافظالهيثمي : «رواه الطبراني ورجاله ثقات»([20])، وفي الحديث دليل علىالاستعانة بمخلوقات لا نراها، قد يسببها الله عز وجل في عوننا ونتوسل بها إلى ربنافي تحقيق المراد كالملائكة، ولا يبعد أن يقاس على الملائكة أرواح الصالحين فهيأجسام نورانية باقية في عالمها.
والحديث ضعفه أيضا العلامة الألبانى فى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة - (2 / 109)وهو يعلق على هذا الحديث
" إذا أضل أحدكم شيئا ، أو أراد أحدكم غوثا ، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أغيثوني ، يا عباد الله أغيثوني ، فإن لله عبادا لا نراهم " . فراجعه
7- قصة الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم عندقبره في زمن عمر، فعن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: أصاب الناس قحط في زمانعمر، فجاء رجل إلىقبر النبيصلى الله عليه وسلم،فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليهوسلم في المنام ،فقال : «إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبره أنهم يسقون، وقل له : عليك بالكيس الكيس» ،فأتى الرجل عمر فأخبر عمر فقال : يا رب ما آلو إلا ما عجزت([21]). وهو حديث صحيح صححهالحافظ ابن حجر العسقلاني؛ حيث قال ما نصه : «وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ،منرواية أبي صالح السمان ،عن مالك الداري - وكان خازن عمر - قال : أصاب الناس قحط فيزمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال : يا رسول الله استسقلأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام ،فقيل له : «ائت عمر ... » الحديث. وقدروى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحدالصحابة»([22])، وقد ذكر الرواية كذلكالحافظ ابن كثير ،وقال : «هذا إسناد صحيح»([23]). والحديث قد صححه كبارالحفاظ، فيصلح أن يكون دليلًا على جواز الطلب من النبي صلى الله عليه وسلمبالاستسقاء والدعاء بعد انتقاله الشريف صلى الله عليه وسلم.
قال الألبانى عن هذه القصة فى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة - (1 / 99)فهذه أيضا قصة غير ثابتة فراجعها فى كتاب هذه مفاهيمنا
8- قصة الخليفةالمنصور مع الإمام مالك رضي الله عنه وهي : «أن مالكًا رضي الله عنه لما سأله أبوجعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بني العباس - يا أبا عبد الله : أأستقبل رسولالله صلى الله عليه وسلم وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو ؟ فقال له مالك : ولم تصرفوجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة ؟ بلاستقبله واستشفع به فيشفعه الله »([24])، وفيه إشارة إلى اعتبارحديث توسل آدم عليه السلام عند الإمام مالك، وأنه يرى أن من الخير استقبال قبرالنبي صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به صلى الله عليه وسلم.
وقد ضعفه أيضا العلامة الألبانى فى السلسلة الضعيفة وأحكام الجنائز فراجعة
ولكل هذه الأدلةالصريحة الصحيحة من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم أجمع علماء الأمة منالمذاهب الأربعة وغيرها على جواز واستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فيحياته وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن ذلك لا يحرم قطعًا، وهو مانراه : أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم مستحب وأحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجلالمندوب إليها، ولا عبرة لمن شذ عن إجماع العلماء كابن تيمية ومن ردد كلامه منبعده، والله تعالى أعلى وأعلم.
وإذا افترضنا جواز التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فما قولك فى من يتوسل بغيره من الصالحين ؟
ثم أنت ترى أنه لا تخلو بلدة الآن من عشرات الأضرحة وترى ما يفعل الناس هناك وما ذاك إلا بسب التوسل الذى جر هؤلاء إلى ما هم عليه الآن من الشركيات أما كفانا ذلك ؟
ثم من أدراك بصلاحهم ؟ هلا شققت عن قلوبهم ؟وهؤلاء الثلاثة الذين أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنهم أول من تسعر بهم النار وهم أما أعيننا فعلوا من الأعمال ما يعجز عنه عامة المسلمين فهذا أما العين شهيد وهذا أمام العين جواد كريم وهذا أمام العين عالم أليس هؤلاء يجوز التوسل بهم ومع ذلك فهم فى الآخرة أول من تسعر بهم النار .
وما رأيك أليس التوسل بالصحابة أولى من التوسل بغيرهم . أظنك تتفق معى أن الذى يجعل من التوسل سبيلا للدعاء فكأنما ألقى به فى بحر متلاطم الأمواج لا يدرى متى يصل إلى شاطئه .
ألا تعجب معى أيها الحبيب من إنسان يأمره ربه بالتوجه إليه بالدعاء بغير واسطة ولا توسل بمخلوق ثم هو يصر على مخالفة أمر ربه ولا يدعو الله إلا بالواسطة والتوسل . فقد قال تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)
ترى هل يرضى الله عز وجل على من خالف أمره أم يغضب ؟
واعلم أن الخير كل الخير في اتباع من سلف والشر كل الشر في ابتداع من خلف .
فكل هذه الأدلة كما رأيت إما ضعيفة أو منكرة أو موضوعة وما صح منها فلا يستشهد به على التوسل بالذوات أو بالأموات وإنما هو دليل على غير ذلك كما نقلنا عن الأئمة والمفسرين . [1]
والله أسأل أن يهدينا جميعا إلى الطرق المستقيم وأن يجنبنا وإياكم الزلل وجميع المسلمين إنه نعم الولى ونعم والمعين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أخوكم ومحبكم فى الله محمود محمدى العجوانى

[1] هذه الحاشية خاصة بما جاء فى تعليق الأخ العزيز محمود المنسى
([1] لسان العرب، لابن منظور،ج11 ص724، مادة (وسل).
([2]) المائدة : 35
([3]) الإسراء : 57
([4]) النساء : 64.
([5]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 138، والترمذي في سننه، ج5 ص 569 ،وقال : هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى، ج6 ص 169، وفي عمل اليوموالليلة، ج1 ص 417، وابن ماجه في سننه، ج1 ص 441، والحاكم في المستدرك في موضعين : ج1 ص 458، وج1 ص 707، والطبراني في الصغير، ج1 ص 306، والأوسط، ج2 ص 105، والكبير،ج9 ص 30.
([6]) التعليق على صحيح ابن خزيمة ،ج2 ص225 ،وقال عنه الألباني : إسناده صحيح.
([7]) تحفة الذاكرين، للإمام الشوكاني.
([8]) رواهاالطبراني في الصغير، ج1 ص 306، والبيهقي في دلائل النبوة،ج6 ص167 ،168 ،والمنذري فيالترغيب والترهيب، ج1 ص 273، وذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ج2 ص 279، وقد ذكرهاالمباركفوري في تحفة الأحوذي، ج10 ص 24.
([9]) إرغام المبتدع الغبي، للعلامةالسيد عبد الله بن الصديق الغماري، ص 6.
([10]) أخرجه أحمد في مسنده، ج 3ص21،واللفظ له ،وابن ماجه في سننه، ج 1 ص256، والمنذري في الترغيب والترهيب، ج1 ص 135، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص 42 ،والبوصيري في مصباح الزجاجة،ج1 ص98،والبيهقي في الدعوات الكبير ص 47، ابن أبي شيبة في المصنف، ج6 ص25 ،وأبو نعيم الفضلبن دكين، نقله ابن حجر في أمالي الأذكار ج1ص 273.
([11]) أمالي الأذكار، ج1ص 272.
([12]) تخريج أحاديث الإحياء، ج1 ص 291.
([13]) الترغيبوالترهيب،ج3 ص 273.
([14]) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص 471، 472
([15]) مصباح الزجاجة، ج1 ص 98.
([16]) رواه الطبراني فيالأوسط، ج1 ص 68، وفي الكبير، ج24 ص351، والأصبهاني في حلية الأولياء، ج3 ص 121،وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج9 ص 257.
([17]) رواه الطبراني في الأوسط،ج6 ص 313، والحاكم في المستدرك، ج2 ص 672، والديلمي في مسند الفردوس، ج4 ص 59، وأبونعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، ج10 ص 222، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج8 ص 253.
([18]) المستدرك، ج2 ص 672.
([19]) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه،ج6 ص91، والبيهقي في شعب الإيمان، ج1 ص 183، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج10 ص 132
([20]) مجمع الزوائد، ج10 ص 132.
([21]) أخرجه ابن أبي شيبة فيمصنفه، ج6 ص 356، وابن عبد البر في الاستيعاب، ج3 ص 1149.
([22]) فتحالباري، لابن حجر، ج2 ص 495، 496.
([23]) البداية والنهاية، لابن كثير، ج7 ص 90
([24]) وقد روى هذه القصة أبو الحسن علي بن فهر في كتابه " فضائل مالك " بإسناد لا بأس به، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه، عن شيوخ عدة من ثقاتمشايخه. كذلك ذكره السبكي في شفاء السقام، و السمهودي في وفاء الوفا، و القسطلانيفي المواهب اللّدنيّة. قال ابن حجر ـ في الجوهر المنظّم ـ : قد روي هذا بسند صحيح. و قال العلاّمة الزرقاني ـ في شرح المواهب ـ : إنّ ابن فهد ذكر هذا بَسند حَسن، وذكره القاضي عياض بسند صحيح.

محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 01-03-09 , 04:38 PM   [13]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Thought رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

ملحوظة
ما كان مكتوبا باللون الأسمر فهو لأخينا محمود المنسى
وما دونه من الألوان فهو مما كتبناه للرد عليه
وشكرا
محمود العجوانى
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 02-03-09 , 08:28 AM   [14]
::.عضو متميز.::

الصورة الرمزية الرميصاء

الرميصاء

الملف الشخصي
 
 
 

معلومات العضو
مهنتي
دولتي
الجنس
هوايتي

افتراضي رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 






نفع الله بكم شيخنا
ورضى الله عنكم وأرضاكم
ورزقكم من الخيرات ومن النعم
ما ظهر منها وما بطن
اللهم آمين




°°•°°•°°°•°°•°°




~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
لاتركنن إلى الدنيا وما فيها ** فالموت لاشك يفنينا ويفنيها

اعمل لدار, غدا رضوان خادمها ** والجار احمد والرحمن منشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها ** والزعفران حشيش نابت فيها

أنهارها لبن محض من عسل ** والخمر يجرى رحيقا فى مجاريها
والطير يجرى على الأغصان عاكفة ** تسبح الله جهرا فى مغانيها

~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
من يشترى الدار في الفردوس يعمرها ** بركعة في ظلام الليل يحيها

~^~^~^~^~^~^~
o.O
O.o°¨


الرميصاء غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
 
قديم 08-05-09 , 09:28 PM   [15]
::.عضو نشيط.::

الصورة الرمزية محمود محمدى العجوانى

محمود محمدى العجوانى

الملف الشخصي
 
 
 
 


Urgent رد: الرد الميسر على بطلان التوسل (1)


 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا تجعل قلبك يتعلق إلا بالله
محمود محمدى العجوانى غير متواجد حالياً   Share رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصيدة الإمام البوصيرى فى الرد على اليهود والنصارى*** عبدالرازق محمد العقيدة الإسلامية 1 24-05-10 02:46 AM



الساعة الآن 03:15 PM.


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

منتديات تهتم بامور آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكرام و انسابهم و ذريتهم و شؤونهم و صلة ارحامهم == جميع حقوق المواضيع و الابحاث محفوظة للمنتدى - أنسابكم
تنويه هام : المنتدى لايقوم بتحقيق الانساب وليس به لجنة لتحقيق الانساب او منحها ولا التصديق عليها انما يساعد الباحثين عن الانساب فيما يتوفر لادارته والمشرفين والاعضاء من علم ومعلومات فقط
ان جميع المقالات و المشاركات و الاراء المنشورة في المنتدى لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة أو اصحاب المنتدى و انما تعبر عن رأي كاتبها فقط . هذا و لا يعتبر المنتدى أو ادارته أو مسؤوليه, مسؤولين عن اي كتابة أو موضوع منشور في المنتدى يخالف شروط التسجيل و القوانين المعمول بها لدى ادارة المنتدى